منابع الرؤية في السرد النسوي – ايناس البدران

342

منابع الرؤية في السرد النسوي – ايناس البدران

لا تعد الكتابة فعلا عابرا او مترفا في حياتنا انها النتاج الذي يحفظ للعالم تجدده وجماله وغرائبيته ، هي ذاكرتنا ضد النسيان، اذ يقول لنا الخيال انه لا يبغي ازالة غموض هذا العالم وانما اعادة التوازن اليه عبر حملنا على النظر الى خرائبه ودخانه عبر هدم الواقع واعادة بنائه على الورق وفق رؤية الكاتب ومن منظوره الخاص . وهناك من يرى ان المستقبل للسردية الحديثة ففيها تحفيز للاثارة واستفزاز للمخيلة ذلك ان فن السرد هو الاكثر  قدرة من بين الاجناس الادبية على الخوض في دخائل الانسان ككائن متفرد وفي علاقاته المتداخلة مع الخارج ففضاءات السرد الواسعة تبدو اكثر استجابة وقدرة من غيرها على استغوار بواطن الحياة بكل تناقضاتها وتشعباتها. ولقد كان  للحروب وما افرزته من ظلم وترد اقتصادي واجتماعي اثر بالغ في السرد العراقي تجلى بوضوح في الثيمات التي اغترف منها الادباء والاديبات مع اختلاف واضح في زوايا النظر ، فقد عني الادباء بالحروب فكانوا الابطال في المعارك او المتخلفين عنها تسجيلا لرفضهم لها او ضحاياها وحطب اوارها معبرين عن ذلك باساليب متنوعة تفاوتت بين التلويح والتصريح . اما النتاج النسوي فقد عني في الغالب بظلال الحروب من فقر وفقد وخراب وتبعات كل هذا بإعتبار ان المرأة هي المتضرر الاكبر ترملا او يتما او ثكلا من هذه الحروب ناهيك عن معاناتها الازلية من الوأد النفسي والاضطهاد والعنف باشكاله في مجتمع ابوي ذكوري يمنحها الحماية ظاهريا وفي المقابل يطلب منها ان تبقي فمها مغلقا فهي مازالت تعاني معاناة مركبة مابين مطرقة الاضطهاد وسندان الحرب . ولاشك ان هناك تجربة حياة معاشة تشمل كل افراد المجتمع وهناك وعي لهذه التجربة من خلال عمليات الرصد والدراسة والتحليل وهي تقتصر على فئة اقل عددا نسبيا هي فئة النخبة المثقفة ” الانتلجنسيا ” اذ تقوم هذه الفئة داخل المجتمع بعقلنة مفردات الوعي الجمعي واضفاء معنى عليه ومن ثم التعبير عنه بمستوى اعلى من المستوى الدارج . والكاتب مثله مثل اي فرد في المجتمع يخضع لنوع من التدجين الاجتماعي ويتأثر بسلطة الخطاب العام الذي يتألف من منظومة مفاهيم تتداخل فيها مكونات عدّة كالموروث الشعبي واللغة والدين والعرق .. الخ وكلها تترسب في اللاوعي لتصبح موجهة للتفكير والسلوك الجمعي . ولا نأتي بجديد اذا ما قلنا ان الكتابة الحقة هي التي تتبنى موقفا شجاعا مؤطرا بوعي متقدم وبموقف يصنع حراكا او في الاقل تململا فكريا يثير غبار الاسئلة ويلقي حجرا في قلب البحيرة الساكنة ، والكتابة الحقة هي تغلغل في اعماق الضمير الانساني لتحقيق تغيير ايجابي واضافة شيء الى الذي قيل . وعلى الرغم من “غياب الرقيب القديم ” مازال   الكاتب يشعر بوقعه في داخله كقول البردوني “غادرت سجني وظل السجن في داخلي ”  وهنا يتبدى الطابع الاشكالي ما بين الكاتب ومجتمعه حينما يتعلق الامر بمسألة حيوية وهي الحرية في التعبير التي لايمكن بدونها لاي مبدع ان يحلق بجناحيه ، وهو ما يفسر الصعوبات المضاعفة التي تكتنف طريق الكاتبة الرافضة للوقوع في فخ الصورة النمطية المرسومة لها من قبل مجتمع ابوي يصفه نيتشه  ” المجتمع الذكوري يطلب من المرأة ان تصمت ” الأمر الذي يحد من انطلاقتها الفكرية ويسورها باللاءات والتابوات والخطوط الحمر وكلها ارتبطت بالاساس بنظرة قاصرة متحجرة نحو المرأة وكل نتاجاتها لتجد نفسها بوضع المتربص به بانتظار زلة للانقضاض عليه . وحين يرتبط الامر بالكتابة النسوية يجد الكثيرون فيها موضوعا للتحديق وفرصة للتلصص على عوالمها السرية رابطين غالبا بين الكاتبة وما تكتب ، ناسبين اليها كل ما تضمنه النص من جرأة في الطرح لقضايا مازالت تبحث عن حل او اخرى مسكوت عنها عازين ذلك الى تجاربها الشخصية وسيرتها الذاتية الامر الذي قد تجد فيه العديد من الكاتبات حرجا شديدا . وبالمقابل قد تسقط بعض الكاتبات في فخ الادب الامتاعي كنوع من التحدي لمجتمع استعاض عن وأد البنات بوأد الانفس او اعتقادا من بعض الطارئات انه اقصر الطرق لذيوع الصيت والشهرة ولفت الانظار بجرأة تبلغ حد الوقاحة .. اذ ان ” الجرأة لا نقصد بها التمرد ، بل مواجهة المجتمع بعيوبه فالكتابة نوع من ممارسة الحرية  على حد تعبير سارتر . والكتابة النسوية هي توظيف الادب كأداة للاحتجاج على الاوضاع الاجتماعية والسياسية والتربوية وهذا يعني انه يتبنى موقفا خلاقا ” 1 .

انه الوعي بالواقع والتعبير عنه سواء أ كان هذا الواقع نفسيا او اجتماعيا او اخلاقيا او اقتصاديا او الاقامة المقصودة في ما هو خيالي .  وكما اعاد الى الاذهان الناقد سيرج دوبروفسكي بقوله ” اذا لم تكن جدة النقد الجديد في نهاية الامر شيئا سوى انها عرّت جرحا بقي مفتوحا خلال خمسين عاما من الترقيع العقلي فان ازمة الادب والنقد ليست في الواقع سوى الازمة العامة للمذهب الانساني ” 2 . وإن النقد النسوي انما هو منظومة جهد فكري واع يبدأ بتعرية الانساق الذكورية المهيمنة والضاغطة ” اذ ان الصراع الادبي بين الفحولة والانوثة هو صراع خطابات وليس تفريقا اجناسيا خاليا من اي محتوى ” 3 . ولعل آخر التطورات هي في النظرية الجندرية التي تهتم بنوع الجندر ( الجنس ) فيما اذا كان ذكرا ام انثى وكونه بناء اجتماعيا له اختلافات بيولوجية اذ ” تقترح نظرية الجندر اكتشاف كتابة ايديولوجية وتاثيرات ادبية لنظام الجنس / الجندر والفوائد كثيرة منها فتح مسرح النظرية الادبية وجلب اسئلة الذكورة الى داخل النظرية النسوية ، فضلا عن ذلك فان اعتبار الجندر معيارا اصيلا يضع النقد النسوي في المركز بدل الهامش ” 4 . في هذه الدراسة يمتد منجل البصر كما يذكر سان جون بيرس الى النسوية وسرد المراة في العراق لاسيما بعد التحولات الزلزالية التي اعقبت 2003 هذه المرحلة التي يراد لها ان تكون منصة صالحة لظهور الكتابات المقصيّة والمرأة من بينها بالطبع تأكيدا لثقافة النقد والمراجعة لمنجز عانى طويلا من الاهمال والتهميش . ومما لاشك فيه ان العطاء الابداعي لا يعتمد على الجنس قدر اعتماده على الموهبة والعمل الدؤوب لصقلها بالمتابعة واكتساب الثقافة والمعارف وتراكم الخبرات . وقد وقع الاختيار على نتاجات ثلاث كاتبات هن لطفية الدليمي ، عالية طالب ، حوراء النداوي اللائي جسدن الهم النسوي عبر رصد هذا الصراع باشكاله المختلفة ، ولهذه الموضوعة ثيمات يجدر الوقوف عندها ، منها :

ويلات الحرب

اولا – موضوعة الاضطهاد وويلات الحرب : وتتمثل الحرب بظلالها الكئيبة كابوسا مرعبا يفترش كل المشهد السردي ، ويتجلى هذا في اغلب نتاجات الاديبات مثلا في (محو النساء ) للطفية الدليمي ، فعلى الرغم من ايجادها وسيلة للخلاص من العدوان الذكوري بامتلاكها جسدا غير مرئي الا انها مازالت محاصرة بمظاهر الحرب والدمار حين تقول على لسان بطلتها ” لم ابصر في الطرقات غير الرجال المسلحين وجنود المارينز وبعض الشرطة وسمعت دوي الانفجارات يلفّ المدينة منذ الصباح ” . ونقرأ لعالية طالب في ( قيامة بغداد ) وهي تروي كيف قصت شعرها كالرجال حتى لا تتعرض للمضايقة اثناء تنقلها بسيارتها في ارجاء مدينتها الاثيرة بغداد لتشهد ما حل بها من خراب وتشويه . ونلاحظ امتزاج القمع الذكوري  بويلات الحرب ما ينتج قمعا مضاعفا ، ففي ” امكنتي وعطري ) تعمد الكاتبة ذاتها الى توصيل رسالتها الانسانية التي اعتمدت الحدث المركزي وهو الاحتلال وضياع ذاكرة المدينة وعطرها .

ثانيا – حضور طاغ لمدينة بغداد : يلاحظ الحضور القوي لمدينة بغداد كونها الماثل الميتاجغرافي والمعرفي والواقعي لمتن الاعمال الادبية .. المدينة الساحرة المكونة من طبقات روحية وزمنية ومعمارية ولغوية . حتى لنجد بغداد حاضرة في اغلب نتاجات الكاتبات . ويتضح هذا جليا في روياة ( سيدات زحل ) للطفية الدليمي التي تعبر عن ملحمة روائية تكشف عن جذر الخراب وهول المأساة التي حلت بمدينتها , وفي الوقت ذاته هي تعيد بناء الانسان بالامل وبأستزادة قدرة الحلم لديه . لتثبت ان على الروائي ان يمتلك صفات المؤرخ والفنان والفيلسوف والعالم النفساني ويوحد بين ما هو تجربة ذاتية وبين ماهو واقعي .  يقول سنو ” تتنفس الرواية بملء الحرية في حالة واحدة فقط وذلك عندما تمتلك جذورا لها في المجتمع ” 5 . كذلك نجد بغداد حاضرة في وجدان الروائية عالية طالب ابتداء من العنوان ( قيامة بغداد ) كونه الثريا التي تضيء فضاء النص ومن خلال متن السرد بعلاقاته الداخلية وتكويناته المترابطة وتشابكاته المعقدة الذي يشكل نسيجا متماسكا ينطلق من بيئة مكانية محددة جغرافيتها اذ تقول ” ايها الوطن الساكن بين القلب والضمير مشتاقة لوصية تهمسها في اذني لنسمة تداعب وجهي، لرذاذ دجلة يرطب هواجسي ، لثمرة عراقية تذوب في رضابي . وفي رواية ( تحت سماء كوبنهاغن ) للروائية الشابة حوراء النداوي نجد ان والد البطلة ( الراوية ) يغدي بحيرتها المنسية لا شعوريا بما تلتقطه اذناها من ذكريات تجري على لسان ذلك الوالد المهمش الذي وصفته بأنه متقاعد قبل اوان تقاعده بسنين ” حين يسرد عليهم الكثير من القصص بطريقة لا يحاول ان يلعب فيها دور الراوي ، بل ذلك المجنون الذي يكلم نفسه ، كان يبدأ بسرد قصة تدور احداثها دائما في بغداد ، كأن الاحداث لا تتخذ شكلا قصصيا بالنسبة اليه الا هناك ،وأما زمان الاحداث فغالبا ما يكون الستينات والسبعينات “

 ثالثا – الهوية والاغتراب : يعدّ الكاتب في اي زمان ومكان مرآة للوجدان الجمعي ولسان حاله المعبر عن الواقع المعاش وإن كتب بذاتية ، ولأن الادب ابداع فان مادته الاولى هي التعبير من خلال اللغة . من هنا جاءت حاجة المبدع الى الحرية بتوسيع المكتوب وجاء احساسه بالغربة وإن كان في بلده ليظل يعيش الغربة مزدوجة وأزمة الوجود مضاعفة . اما اذا حلّق بجناحيه خارج حدود وطنه الام فغربته اشد وعذاباته من نوع آخر فهو يعيش وحيدا بعيدا عن وطنه شبه منفي لا يتأقلم مع من حوله بسهولة ، غذاؤه الماضي وحاضره مغيّب ومستقبله مجهول في ارض بعيدة يظل المرء فيها تائها فلا هو هنا ولا هو هناك مرتبطا بوطنه الام بحبل سري وفي ذات الوقت يعاني ازمة انتماء لا تنتهي وكثيرا ما يحمل معه ترسبات وعقد عانى منها في بلده الام . ان العالم الذي يسلط الضوء على شجاعة الانسان اي على القيمة الوحيدة التي تبقى له بعد ان ضاع كل شيء ، ان هذا العالم ينبغي ان يكون من حيث تعريفه عالما عبثيا ” الانسان يشعر انه غريب في عالم حرم على حين غرّة من الاوهام والاضواء ، ولابد حينها من المرور بهذا الاحساس بغربتنا عمّا يحيط بنا وبعدائه لنا ” 6 . تظهر هذه الثيمة جليّة في ( قيامة بغداد ) للروائية عالية طالب وهي تقول ” ايها الوطن الساكن بين القلب والضمير مشتاقة الى وصية تهمسها في اذني بصوت اذان يصحبني ويقول لي ان الله يرقب تشتتي بعيدا عنك .. ايها الوطن الذي يكبر داخلي كلما ابتعدت عنه واصغي لهدهدته حين اغفو الصمت المترع بالالم ولا ادري اين اخبيء وجهي حتى لا يكبر ضعفي الذي لا تريده لي “. مثلما يظهر عبر عتبة الاهداء للكاتبة حوراء النداوي في مقدمة روايتها ( تحت سماء كوبنهاغن ) وحين تقول على لسان بطلتها ” لا ادري كيف تتشكل المجتمعات ؟ فانا وجدت لاواجه بمجتمع كبير يحاول ابتلاع مجتمع اصغر منه .. المجتمع الذي كونته الجالية العراقية بطريقة تراكمية .. كان لا بد ان يوجد مجتمع ما للعراقيين بفعل الزمن والعدد فوجد ويبقى الخيار الاصعب قائما ، اما ان تكون فيه واما ان تكون خارجه وحين تختار ان تكون فيه سيواجهك خياران جديدان فاما الليبرالي واما المحافظ حد التشدد فلقد اختار العراقيون لانفسهم هنا ان تكون الوسطية شبه معدومة .”  .. ولعل بروز امتنان الكاتبة لخدمات الام الدنماركية في تعلّم وتعليم اللغة العربية لابنتها وهي المرأة الاجنبية وخز ضمير للمشاهدات العلنية لمكابدات المهاجرين .. وربما هو شعور طيب للكاتبة لمن اعاد لها شكل الهوية في اللغة ومحتوى اللغة في اداء الهوية ” 7

في حين تستدعي لطفية الدليمي في ( سيدات زحل ) لغة ساخنة تميزت بها وبناء فنيا متفردا حرا يشكل قوانينه لحظة الكتابة ذاتها ويؤسس لاسلوب ولغة ينتميان لخارطة العمل ولحظة الكتابة بإعتماد اسلوب التجريب والابتكار وصولا الى مرحلة استخلاص الكم الفلسفي والبعد المعرفي ومشاغلة العقل لتكوين رؤى جديدة ، والتجديد في نظرها لا يعني تذويب او تغييب الهوية ونبذ الجذور والاسس التي يستند اليها العمل بل هو في حقيقته بحث معمّق عن هوية النص ينمو وسط بيئة ومؤثرات تاريخ ادبي عريق وعمق ميثولوجي دون اغفال لمعطيات العصر او اخذها كمسلمات نهائية .

البنية السردية

وفيما يخص البنية السردية فلما كانت المهيمنة العنصر البؤري الذي يحكم ويحدد العناصر الاخرى ويضمن تلاحم البنية فان ثيمة الحرب وما افرزته من اغتراب واحساس بالاضطهاد قد افرزت مهيمنات اخرى على مستوى البناء السردي النسوي نذكر منها :

اولا – فضاء القص : الفضاء هو مساحة كبيرة تتسع لتشمل المكان بكل ابعاده المحسوسة والملموسة ، والراوي هو الذي يصنع المكان بحواسه ويضفي عليه من مشاعره ورؤاه ، ولما كان الاحساس بمعاني المكان موصولا بالزمان يصعب حينها قراءة المكان بمعزل عن الزمان ، مثلما يعصب تناول الزمان في اي عمل سردي دون الاشارة الى المكان في اي مظهر من مظاهره . ولفضاء القصة اثر بالغ في بناء الحكاية ، وفي القص النسوي نجد المهيمنات السابق ذكرها ماثلة فالجدران يمكن ان تتحول الى زنزانة ، والمكان المفتوح كالشارع ، السوق ، المطار .. الى مجال تتشابه فيه الوجوه وتضيع الملامح لتستحيل الى لا مكان . وقد نجد الفضاء المغلق مهيمنا على معظمها ، وكثيرا ما تكشف النصوص النسوية عن عتمة المكان وانغلاقه وضيق افقه فتتساوى فيه الايام وينعدم الاحساس بالمكان الذي بات سجنا كبيرا بلا قضبان وقد تغدو الحرب ذاتها فضاء للحكاية فتنسج القصة احداثها داخل قضاء الحرب الرهيبة وفي ظل دخانها الخانق . فمنذ البداية تدخلنا الرواية عالما فراغيا موحشا بالرغم من ازحام الاشياء فيه وصخبها اما ردود افعال الشخصيات فتثير لدى القاريء الدهشة لأنها لا تجري حساباتها وفق قوانين الحياة   الروتينية بل هي متوترة منذ البداية بموقف مسبق يمنع  من فهمها وتحديد موضعها دون الدخول في دوامتها ، ” كأنها بانتقالها الى ارض غريبة نقلت معها كل ما هو دائر هناك على الجانب الاخر من الارض فيتولد ذلك الانكسار الضوئي الطفيف الذي يظهر لنا في المشاهد العادية والعادات اليومية في لحظات الاغتراب والازمة ” 8 .

زاوية النظر

ثانيا – زاوية النظر : وتقدم الاحداث من زاوية نظر الراوي فهو يخبر بها ويعطيها تأويلا معينا وتتكافأ في هذه الحالة معرفة الراوي مع معرفة الشخصية الرئيسية فلا يقدم لنا اية معلومات او تفسيرات الا بعد ان تكون الشخصية نفسها  قد توصلت لها ، ويقدم هذا الشكل من السرد اما بضمير المتكلم او الغائب ولكن دائما حسب الرؤية التي يمتلكها شخص واحد  يتساوى الراوي في هذا النمط مع القاريء الذي يشاركه الرؤية ، لذا فانه لا يقدم اي تفسير للاحداث ، والرؤية على هذا الاساس تصبح رؤية الشخصية المركزية او المحورية نفسها وتسمى مركزية لا لانها ترى بالمركز بل لان الشخصيات الاخرى ترى من خلالها ومعها تعاش الحياة المروية .  ويعد هذا النمط من السرد طريقة حديثة ترمي الى التخلص من الوهية الراوي العليم والحد من هيمنته على مساحة السرد .  ان تقديم الاحداث من زاوية نظر الراوي الذي يعطيها تأويلا معينا يفرضه على القاريء يستدعي متلازمة اخرى الا وهي الحوار الداخلي او المونولوج .

ثالثا – الحوار الداخلي ( المونولوج ) : ويفسر على انه انكار للنظام القائم باللجوء الى مناجاة الذات واستدعاء تيار الوعي فنرى عوالم الحكايات من خلال الراويات وزوايا نظرهن . ان توظيف تيار الوعي في النصوص المذكورة مع الاحتفاظ بتوازن الفضاء يمكن ادراجه في خانة الروايات الحديثة التي تمتاز بأنها مفتوحة الابواب والنوافذ على كل الصراعات الممكنة الحدوث التي يراها الروائي ، يمعنى ان السرد يضع قوالبه وقواعده على وفق رؤية وقناعة الكاتب وفي المكان الذي يريده بعيدا عن السرد الكلاسيكي المعتاد .  وخلاصة القول ان الحروب والعنف باشكاله والقمع المركب كل هذا ولد مهيمنات في السرد النسوية وأخرى في البناء السردي كشفت عن معاناة الاحباط والاحساس بالظلم واغتراب المرأة والتي عبرت عنها الناقدة النسوية الامريكية سكسو  قائلة ” ان الكتابة النسوية تتشكل في الثغرات التي لا تتسلط عليها الاضواء من قبل البنية الفكرية الابوية ” او بحسب تعبير الفيلسوف الانكليزي سايمون بلاك بيرن ” انه سرد يلزم اصحابه بتصحيح انحرافات التحيّز التي تجعل المرأة في مكان التابع وتستصغر شأنها ” 9 .

المصادر

1.علوان السلمان ( في السرد النسوي ) ص 2

2.رولان بورنوف & ريال اوئيليه (عالم الرواية ) ترجمة نهاد التكرلي ، مراجعة فؤاد التكرلي ود.محسن الموسوي ، ص 186 – 188

3.جمال جاسم امين ( كتابة الجسد ) ص 7

4.سهيل نجم ( من الحداثة الى ما بعد الحداثة ) اختيار وترجمة ، ص 209

5.بول ويست ( الرواية الحديثة ) ترجمة عبد الواحد محمد، ص 63

6.البير كامو ( اسطورة سيزيف ) ص 18

7.عبد الغفار العطوي ( التحدث مع الرواية ) ص 102

8.ر.م. البيريس ( الاتجاهات الادبية الحديثة ) ترجمة جورج طرابيشي ، ص 11

9.شيرين ابو النجا ( نسوي او نسائي ) ص .23

مشاركة