إنطباعاتي عن الشاعر الراحل – زهير ياسين شليبه

407

بني أندرسن  1929-2018

إنطباعاتي عن الشاعر الراحل – زهير ياسين شليبه

بمناسبة غياب الشاعر بني أندرسن يوم الخميس في السادس عشر من آب 2018

قرأت لأول مرة عن بني أندرسن (يُلفظ بُيني أنَسِن) ضمن ما درست على الأدب الدنمركي باللغة الروسية ولا أزال أحتفظ بهذا الكتاب، والإنكليزية ثم بالدنمركية عندما بدأنا نتعلم هذه اللغة، فكتبت عنه مقالاً صغيرا في بداية التسعينات نُشر في صحيفة الأيام البحرينية، وكنت أترجم بعض القصائد الدنمركية الى العربية حتى تجمعت عندي مجمــــوعة كبيرة فكرت أن أنشرَ قسماً منها، وبدأت أتواصل معه عندما كان يقـــــيم في باربيدوس.

أرسل لي بني أندرسن رسالة على الفاكس من باربيدوس عام  2000  بعد إصدار كتابي “مختارات من الشعر الدنمركي بالعربية والدنمركية”  أبدى لي فيه شكره على ترجمة قصائده ونشرها ضمنه مما أفرحني، وأود أن أذكر هنا أنه رآه (الفاكس) عندي في منزلي عندما زارني آخر مرة عام 2012 ممسوحاً، فبادر بإعادة كتابته بخط يده رغم محاولتي ثنيه ، لكنه أصرّ على عمل ذلك.

وكان بني أندرسن لايفوّت فرصة للسخرية دون أن يقتنصها، أذكر أن كتابي “مختارات من الشعر الدنمركي بالدنمركية والعربية” مصمم مثل الكتب العربية من اليمين إلى اليسار، كان الغلاف من الجهة اليمنى مليئاً بصور الشعراء الدنمركيين، أما ظهر الغلاف اي الجهة اليسرى ففيه صورتي فقط. كتب لي في الفاكس “أستطيع أن أفهم أنك حقا شخص متواضع إذا ما تصفح المرء الكتاب بشكل صحيح!”.

جيل الثلاثينات

ينتمي بني أندرسن إلى جيل الثلاثينات وأنا حصل لي الشرف أن أتعرف على بعض رموزه والجيل الذي يليه حيث كتبت أطروحتي الدكتوراه عن كاتبنا العزيز غائب ط. فرمان من هذا الجيل تقريباً وفيما بعد تعرفت على فؤاد التكرلي، إضافة إلى كتّاب عراقيين وعرب آخرين حتى من الأجيال الجديدة رائعين، وعاشرتهم ولاحظت أنهم متشابهون مع بني اندرسن في اسلوبهم الحياتي وطريقتهم في المزاح والأممية والإيجابية الإنسانية الكبيرة والحب الكبير للآخرين.

وبني اندرسن إنسان رائع وصادق قبل كل شيء في التعامل الإجتماعي مع الآخرين، متواضع إلى درجة كبيرة وسهل العمل معه وهذا ما يفسر صداقته الطويلة مع رفيق دربه الموسيقى والمغني بول ديسينج لفترة طويلة ولم تتفكك أواصر صحبتهما حتى أيامه الأخيرة كما حدّثني.

وهنا لا بد من لإشارة إلى زوجات الراحل بني أندرسن الثلاث في إلهامه بدءاً من الأولى سيجنه (يُلفظ سينه) التي أنجبتْ له ابنتَهما الطيبة ليزبِث والتي التقينا بها منذ بداية تعارفنا، مرورا بعقيلته الثانية الباربوديسيه المرأة الرائعة سيونثيا التي توفيت، وانتهاءاً بالأخيرة المحامية إيليزابيث إهمر، سعيدة الحظ حيث قال بني اندرسن مرّة وهو في الخامس والثمانين من عمره، لصحيفة المدينة التي يسكنان فيها ليونجبوو تآربَيك بأنه أيقضها الصباح ليقرأ لها قصيدتين كتبهما عنها وفي الغداء كتب لها قصيدة ثالثة.

وقد حصل لنا شرف التعرف إلى زوجته إليزابيث واذكر أني مازحتها قائلاً لو كان لقبك “أهمر” لقلنا إنه تقريبا بالعربي “أحمر”.

مقهى جيمله

حصلت لنا هنا فرصة ايضا في مدينة روسكيلده أن نلتقي به حيث كانت إبنتي فيروز تتعاون بعد تخرجها  من الثانوية مع مقهى “جيمله” الثقافي في روسكيلده وتواصلتْ معه واتفقتْ معه على تنظيم أمسية له حيث يعزف البيانو ويلقي قصائده بالدنمركية وترك إنطباعا رائعا في البساطة والسهولة والتواضع.

ثم أسسنا هنا نحن مجموعة من الأصدقاء الدنمركيين جمعية “اصدقاء من كل العالم” وكان في عضويتها دنمركيون قدامى وآخرون جدد، ويقصدون هنا اللاجئين والمتجنسين المقيمين، يُسمّون الدنمركيون الجدد.

وانا اصبحت منذ بداية التسعينات أعمل مع اللاجئين في ميدان الترجمة والعمل الإجتماعي والثقافي والإندماج والترجمة، وبدأنا نستخدم الأمسيات الثقافية أيضا لهذه الأغراض ونقدم صورة إيجابية عن العرب والمسلمين لكي نبين بأننا جزء من المجتمع ولا تنحصر همومنا بيع الخضروات والإستفادة من ميزات مجتمع الرفاهية فحسب. وقمنا ببعض النشاطات منها أكثر من امسية ثقافية لبني اندرسن، حيث حضر هنا في ثانوية المحافظة بالتعاون مع صديقتنا الرائعة آلمه راسموسين التي كانت تعمل مدرسة للغة الفرنسية، التي بدأت صداقتي تتوثق معها فاعانتني كثيرا في اختيارعدة قصائد أخرى إضافية وراجعتها فقررتُ نشرها في مجموعة أخرى عنوانها “أنطولوجيا الشعر الدنماركي الحديث” نشرت عام 2005  في القاهرة.

وتضم هذه المجموعة بعض قصائد بني أندرسن جنباً إلى جنب مع تسعة عشرَ شاعراً وشاعرة من أهم الشعراء الدنمركيين من الأحياء والأموات ومن مختلف الأجيال مثل كلاوس ريفبيرج (غيفبيه)، إنجر (تُلفظ إنجَه) كرِستِنسِن، دان تورَيل، سورن اولرِك تومسن، توماس بوبيرج، سيمون جروتريان، كيرستن هامان، أوفه هاردر، إيفان مالينوفسكي وآخرين.

ثم نظمنا أمسية أخرى له وأشركنا صديقتنا الشاعرة الفلسطينية رُلى اللحام بإلقاء قصائده المترجمة من قبلي باللغة العربية بنفس طريقتنا العربية الخطابية بينما يلقيها هو بالدنمركية، لأننا ايضا كما ذكرت كنا نشجع اللاجئين على الإنفتاح على المجتمع الدنمركي والاندماج به.

كان بني اندرسن رحب الصدر يجيب عن اي استفسار عن قصائده ومعاني كلماته مبتسماً كالعادة، وماهي افضل طريقة للترجمة للوصول إلى المعنى الحقيقي، ولا يتوانى عن شرح كل ما يمكن شرحه لكنه لا يميل إلى التعقيد، وأهم صفة فيه أنه فعلا إنسان متواضع حضر متطوعاً برغبة شخصية لحَفلَي افتتاح خاصّين بي مرتين، الأولى مع الشاعر الراحل إرِك ستينوس وزوجته ساره ستينوس، ومرة أخرى عام 2010 في مكتبة روسكيلده.

هذا وقد إشتركنا كما أتذكر المرة الأخيرة في حفل عيد الفطر عام 2012   في قاعة ميوسيكون الكبيرة في مدينة روسكيلده التي ضمت أكثر من ألف شخص حيث القى بني اندرسن قصائده بالدنمركية بينما قرأتها بالعربية، وكان فعلا إنساناً متواضعاً، سهل العمل والتعاون معه، سلسا إنسيابيا بكل معنى الكلمة.

{الدكتور زهير ياسين شليبه حائز على جائزة الثقافة في مدينة روسكـــــــــــــيلدة عام 2002

{يُكتب إسمه بني أندرسن لكنه يُلفظ بُيني أنَسِن، تقريباً لكننا نكتبه كما يُكتب بالدنمركية بني أندرسن، وهناك أسماء وكلمات دنمركية كثيرة لا تُلفظ كل حروفها مثل إنجر حيث لا يُلفظ الراء فيقولون إنجَه أو إنجَ، أو ريفبيرج يلفظونه غيفبيه حسب موقع الحرف في الكلمة وهكذا.

  في الصورة إلى اليسار بني اندرسن يمسك السماعة، إلى جانبه زهير ياسين شليبه .2000

مشاركة