قصص قصيرة جداً – منهل الهاشمي

192

قصص قصيرة جداً – منهل الهاشمي

(علاگة)

متمتما دعاء الرزق المعتاد، فجراً قصد (مسطر) العمال في الباب الشرقي آملاً العودة للبيت ب(علاگة) التسوق بعد خمسة أيام عِجاف من الخيبة في الرزق ليسدّ بها أفواه أطفاله الأربعة وزوجته الجوعى الذين ناموا فيهن من دون عشاء. خلسةً حشر إنتحاري نفسه بينهم مرتدياً حزاماً ناسفاً، فجرّه.

عاد لعائلته المتلهفين اشلاءً في (علاگة) !

مرآة الحقيقة

أمام المرآة وقف محاولا تصنّع ابتسامة، إذا به يفاجأ بنفسه في المرآة معبساً. غالبَ نفسه أكثر محاولا تصنع الضحكة فوجد نفسه بالمرآة يغالب البكاء !. تحامل على نفسه قدر المستطاع لافتعال الفرح الغامر، وإذا بالدموع تنهمر من عينيه. سُقط في يده.. ما عاد باستطاعته التصنع أو مخادعة النفس وكتمْ أحزانه الأبدية، ترك نفسه على سجيتها فدمعت عيناه بعفوية فإذا به ينهار مجهشاً بالبكاء في المرآة !

مندّس

وجدها فرصة ذهبية لا تعوض للتعبير عن معاناته الدائمة. (صابر) البصري كان لابد له من ذلك بعد أن طفح به الكيل وهو الرجل الاربعيني الجامعي العاطل عن العمل منذ مدة طويلة فأنّى له إعالة خمسة أطفال وزوجة. هاتفاً بحرقة خرج مع المتظاهرين المحتجين في البصرة منذ اليوم الأول لتظاهراتهم العارمة ضد الظلم والفساد والفاسدين مطالبين بحقوقهم .. أبسط حقوقهم. كحالهم خرج اعزل مجردا من كل شيء سوى جوعه وعوزه وحرمانه. اخترقت رصاصة طائشة للقوات الأمنية من الرصاص المنهمر بعشوائية فوق رؤوسهم كغزارة المطر، جمجمته فخرّ صريعا في الحال. طالعتنا صحف صباح اليوم التالي بمانشيت عريض يفيد بحصيلة ثلاثة عشر جريحاً من المتظاهرين.. ومقتل أحد المخربين المندسين !

الآخر

لائماً بحدة الآخر الجالس قبالته خلف الطاولة في المقهى قائلًا :

_ كل هذا من تحت رأسك لو لم تقل ما قلت لما جرى الذي جرى

اجابه الآخر مغتاظا محتجاً :

_ كفّ عن لومي وتقريعي.. قضيت عمرك كله وأنت تمزقني لوما وتقريعا

عاد الأول يقول بحدة اشد : أنت تستحق كل ذلك وأكثر.. فأنت من لازمني كظلي عمراً كاملاً حتى دمرتني تماماً، فلو كنت تعمل وتتكلم الصواب لما وصل بي الحال لهذا

صرخ الآخر وهو يمسك برأسه ويهزه بعنف وكأنه يريد طرد هذا التقريع القـــــاسي من رأسه :

_ كفى.. كفى.. يكفي بالله عليك.. لومك وتوبيخك المتواصل سيودي بي للجنون!

هوى الأول بقبضة يمناه على الطاولة بقوة وهو يصيح بوجهه واقفاً مرتجفا من فرط العصبية : _ أنْ تُجنّ أنت خيرٌ من أنْ اُجنّ انا

غادره منصرفا بعجلة وانفعال شديدين وسط ذهول جلاّس المقهى الذين لم يشاهدوا أحدا.. سواه !!

كبير

اقترب أحدهم من الناقد المعروف وقال له بحرج واستحياء : اريد أن أكون اديبا كبيراً فما افعل ؟

هزّ الناقد رأسه مبتسماً بثقة هزة العارف ببواطن الأمور وأجابه :

_ لا أسهل من ذلك !

اردف الأديب الناشئ باستحياء أكبر :

_ لكني في الحقيقة لم أقرأ الكثير من الروايات والقصص! رد عليه الناقد المعروف ضاحكاً مكررا باستهانة :

_ لا أسهل من ذلك !

استطرد الأديب الناشىء بحرج شديد بعد تردد :

_ بصراحة في الواقع.. في الواقع انا ما قرأت في حياتي سوى قصة أو قصتين !

عاد ليكرر عليه الناقد المعروف.. باستهانته المعروفة :

_ لا أسهل من ذلك !

قال (الكويتب) مستغرباً بلهفة :

_ فكيف ذلك ؟!!

اجابه الناقد :

_ ابرز صدرك للأمام.. سِر بثقة متناهية وبرأس مرفوع.. صعّر خدك للناس.. انظر لكل من تصادفه من علٍّ… ودع الباقي لي ! واستطرد وهو يغمزه بعينه اليمنى وبنظرة ونبرة ذات معنى ضاحكاً :

_ لكن لا تنسىِ.. انقدكَ… وانقدنيِ !!

صافحه (الاُدِيّبْ) بقوة مبتهجاً منتشياً موافقا على الصفقة.

…ومضى الأديب (الكبير) بزهو وخيلاء وكِبرْ مصعرا خده للناس مصدقا أنه… كبير !!

خيبة

الليل بطوله قضاه حتى الفجر وهو منكّب منهمك بكتابة موضوع مهم جداً ومبتكر للصحيفة لم يطرقه أحد .. موضوع استنفد منه الشيء الكثير من الوقت والجهد والنصَب والأعصاب والتفكير. كان ككل كتاباته يعيد كتابة المسوّدة مثنىً وثلاث ورباع حرصاً وتفانيا واحتراما للقلم ولمهنة الكتابة المقدسة.. من وجهة نظره، فأشبعها تعديلاً.. حذفا وإضافة .. وتقديما وتأخيرا ، جملةً فجملة، كلمةً فكلمة.. بل حرف فحرف، حتى خرج موضوعه متقنا محبوكا.. مسبوكا بعناية وكأنه قد حاكه حياكة فاستقام موضوعه اخيرا بعد طول عناء وقنع به – نسبياً في الوقت الحالي على الأقل – فقد كان لا يقنع ابدا بما يكتب رغم إشادة جلّ من قرأوا له إن لم يكن كلهم فهو الطامح للكمال. حالما أتمّ المبيضّة رمى القلم بعيداً وهو يشعر براحة غامرة .. وحبور أكبر.. وفخر أكبر منهما بما أنجز.. وبما سطرته انامله من إبداع يفخر به ، فالتقط أنفاسه ثانية بعد وقت طويل عصيب من التعب والشد العصبي والتركيز والتفكير والتدقيق والتمحيص.  بعد ايام كان يقف على عربة بيع الحمص المسلوق (اللبلبي) وهو يلتهمه مزهوا بما أنجز منتظراً بفارغ الصبر نشره في الصحيفة متخيلا وقعه المؤثر على القراء. كان البائع يتوسط الزبائن المزدحمين منشغلاً كثيراً بعمله وهو يحاورهم ويجاملهم متوددا كسبا للرزق، فجأة وإذا به يسأله عن مهنته فوجدها فرصة ذهبية للتعريف بنفسه كاتباً مهماً مبدعا وسط هذا الجمع فأجاب البائع مزهوا مفتخرا على شكل سؤال بصوت عالٍ قاصدا إسماع الجميع :

_ هل تعلم ماهو عملي؟!

حين همّ البائع بسؤاله انشغل بمجموعة جدد من الزبائن، استاء الكاتب، عن دون قصد نظر للأسفل فصُدم لما رآه !. وجد موضوعه (العظيم) المنتظر وقد غاص بماء (اللبلبي) وهو يفيض من الكوب الذي كانت الصحيفة – صحيفته – تفترشه والذي سعره 500 دينار لا غير !!.

بعد أن فرغ البائع من زبائنه التفت اليه وعاد ليسأله :

_ ها… لم تقل لي ما هو عملك؟ اجابه الكاتب متحسرا بخيبة أمل مريرة :

_ لا شيء… ابيع مفارشَ للطعام !!.

مشاركة