لست مفلساً ولكنني وجدت هذا الحوار في دفاتري القديمة

226

الطيب صالح : الشعر وحده صاحب الجلالة

لست مفلساً ولكنني وجدت هذا الحوار في دفاتري القديمة

 مجيد السامرائي

 في روايته الاخاذة الكبيرة التي طيرت صيته الى الافاق : موسم الهجرة الى الشمال : ذكرمصطفى سعيد، كيف التقى بسوسن إثر محاضرة ألقاها بأكسفورد عن أبي نواس.

 في الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة تثب نحوي وثباً مخترقة الصفوف، وطوّقتني بذراعيها وقبلتني، وقالت باللغة العربية :أنت جميل تجلّ عن الوصف. وأنا أحبك حبّاً يجلّ عن الوصف. قلت لها بعاطفة أخافتني حدّتها : وأخيراً وجدتك يا سوسن. إنني أبحث عنك في كلّ مكان، وخفت ألاّ أجدك أبداً.هل تذكرين؟ قالت بعاطفة لا تقلّ عن عاطفتي حدّة : كيف أنسى دارنا في الكرخ ببغداد على ضفة نهردجلة أيّام المأمون؟ أنا أيضا آقتفيت أثرك عبر القرون;

 الطيب صالح صاحب الرواية التي قرأتها عشر مرات دون كلل (موسم الهجرة الى الشمال ) ثم قرأت  لسبع مرات رواية الياطر لحنا مينه الذي رحل يوم 21 آب  عام 2018عن عمر ناهز الرابعة والتسعين …..

 كان نصرا مؤثلا لي  في مطالع شبابي الصحفي ان التقيه . حلم يقظة متكامل … هذا هو الطيب صالح يفتح لي باب غرفته ويصافحني بتلك الكف التي دون بها روايته الفاتنة – الفاتحة

 مصطفى سعيد (عطيل العربي ) المولود في كرما كول السودانية التي معادلها في روايته ( قرية الدَبة ).

 امامي بعمامة بيضاء ناصعة  تلاث على الرأس بإحكام . يضحك لي  فتبدو اسنانه بيضاء افضل مما صنع فيما بعد بعقود واشيع عن ابتسامة هوليوود.

قال لي : انت من سامراء عاصمة الخلافة العباسية صح ؟

   اظن اننا في جانب الكرخ …  اليوم هو الرابع عشر من آذار 1986

 قلت نعم تمام وهذا دجله ، نطل عليه  من نافذة غرفتك المرقمة 202 في فندق ميليا المنصور في الصالحية .

 راح يردد بصوت فخم :

قُطرَبُّلٌ مَربَعي وَلي بَقُرى الـ ـكَرخِ مَصِيفٌ وَأُمِّيَ العِنَبُ

تُرضِعُني دَرَّها وَتَلحَفُني بِظِلِّها وَالهَجيرُ يَلتَهِبُ

 الطيب صالح قرر منذ مدة الا يتحدث عن نفسه ، فهواقل الناس احتفاءا بها .  ورغم ذلك فحيث ماحل فثمة من يدعوه ان يكسر هذا القرار القاسي. هو ايضا في بعض حالات اشبه ماتكون بالتجلي يجود بأحسن ماعنده .ولكنه يقول كل مرة : انتم لاتحترمون صمتي  ليس لي شهوة للكلام ، لو اكرمتموني قليلا .اقترح ارجاء الحديث الى حين صدور الجزء الثالث من بندر شاه !

 هنا ببغداد  التقيت الطيب صالح وكان معي صارما ، ثم ودودا ، اكرمته فاعفيته من الحديث عن روايته الزوبعة (موسم الهجرة الى الشمال )التي ماتزال تثير المزيد من  الضجة المنيره.

–  اعتقد بكل أمانه  إن لاجدوى من هذا الحديث. انا قلت كلمتين وخلاص، والناس أحرار في تفسيرها .

{  ولكني اعتقد انك لم تكتب الرواية بهذه العفوية هناك قصدية لامعلنه .

–  طبعا انا عمري ماقلت انها عفوية ، بالعكس الرواية فيها الكثير من القصد  المتعمد .. انت عارف ياخي ، ان  الكتابة خليط من القصد ، والاشياء التي عفو الخاطر . الرواية كانت في فترة تاريخية ، هي فترة مابين الحربين .وهذه الفترة انا ماعشتها في لندن ، كان لابد ان اعرف وقع مناخ تلك الايام .منظر القتل في الرواية هذا يبدو عفويا ،  لكني اضطررت ان أقرأ الكثير عن قضايا رجال قتلوا زوجاتهم ، وزوجات قتلن ازواجهن ، ورحت الى المحكمة نفسها .يمكن اخذت  منها جملة واحدة وضمنتها لا أدري اين .حقيقة يبدو من العبث لو اني اجري وراء قرائي لافهمهم قصدي من الرواية .كلنا نقرأ الشعر بطريقة مختلفة .ولازال المتنبي وابو العلاء مثار جدل … وهذه الحقيقة مادامت قد حركت شيئا فأنا سعيد بذلك حقا .

{ انت بحاجة الى عمل خارق تتجاوز به موسم الهجرة الى الشمال .

–  يضحك – الناس أحرار  فيما يظنون ..ضو البيت ومريود عندي اهم من الموسم !

{ ولكن فيها ضبابية متعمدة !

– اظن كده نعم .ولكن الضبابية متعمدة بمعنى ايش؟

 الفن اصله مجاز . حتى التأريخ مجاز ..كل شيء عرضة للتفسير وانا لااقدم اية حقائق .ولكن اقدم فنا ، مثلما تنظر انت الى لوحة ليست نقلا عن الطبيعة .ولكن الفنان أعمل خياله فيها .. فالناس ينظرون اليها بطرق مختلفة .

{  هل توقعت ردة الفعل العربية  الكبيرة حول الرواية ؟

–  لاطبعا .. روايتي ليست بضاعة وانا لم ادرس السوق !

{ ماحجم  الحيرة  التي سبقت القرار الاخير بالنشر ؟

– لم تكن عندي حيرة في النشر ، فمادمت قد كتبت فلابد ان انشر .

{ ولكن الحيرة جزء من هم الكتابة الذي قلت انه يفترس الحياة !

–  نعم ..ولكن الحيرة اثناء الكتابة ، ليست تشابه التي بعدها .

{ في لقاء عابر بينا نفيت صفة الجلالة عن الصحافة  ، هل ترى في الرواية جلالا ما ؟

–  لاهذه لها جلالة ولا تلك لها جلالة الله اعلم من قال هذه المفردة.

{ ربما جاءت من فرنسا !

–  ربما ربما .. الفرنسيون (يضحك ) مغرمون بهذه التقليعات .. الشعر وحده صاحب الجلالة ، لان فيه الموسيقى  التي  هي ارقى الفنون .. شيء عظيم  ان يكون الانسان  المتنبي ذاته  او المعري.. الناس ممكن تقعد  تكتب الاف الصفحات  ، وغيرهم كتب بيتا واحدا فملأ الدنيا وشغل الناس ..

( هنا كان الطيب صالح في حالة إسترخاء عظيم  وكانت كلماته  تسقط كسولة وهو ينشدني ):

عوى، في سواد الليل، عاف لعله

يجاب، وأنى، والديار عوافي؟

وليس، إذا الحساد كانت عيونهم

شوافٍ ، للداء الدفين شوافي

{ اذن كيف نضع الرواية بين الصحافة والشعر ؟

–  انا لااقلل من اهمية ..فقد اصبحت شكلا مهما جدا .وهي مرتبطة بمشاكل هذا العصر ..القصيدة لاتقدر على طرح القضايا على (كانفاس ) واسع ..  لكن القصيدة  تركز الاشياء، في شعلة  من الضوء  تظل تتدحرج طوال التاريخ وتلم حولها اضواءا كثيرة .. المتنبي عمل كده ولا لاء ؟ لااعتقد ان روايات  قليلة تفعل ذلك!

{ انت فيما ارى تعاني مايعانيه الشاعر  وقد وضعت (موسم الهجرة ) بعد ولادة متعسرة !

– شوف .. الرواية اخذت مني اربع سنين . الكتابة بحد ذاتها أخذت شهرين  او ستة اسابيع .تركتها مايقرب من اربع سنوات  وكتبت الباقي  في حوالي شهر .فما أدري هل تسمي هذا ولادة متعسرة ؟! أو إن الدنيا شغلتني ؟

{ لكنك تكره الكتابة لانها تفترس الحياة!

– الكتابة تستدعي التفكير طبعا ، نحن نفترض إن الفكر والشعر هما الباقيان ..نحمد الله ان المتنبي ومن ثم المعري وابو تمام  قد وضعوا كل هذا الشعر العظيم ( يضحك ) بالمناسبة ان اتكلم هنا كفرد عادي ، لما اقول ان الفن يفترس الحياة  ، واقول ايضا : إنه لابد من التضحية ودفع الثمن . وانا لااريد ان ادفع الثمن . المتنبي كان ناذارا نفسه  للشعر وهذا قدره طبعا  ..شكسبير يقول لك : المسرحية هي القصد لأن فيها يكمن ضمير الملك . القصيدة إذن  هي الاهم عند المتنبي رغم زعمه بتولي سلطة ما … شوف .. انا اعتقد ان هناك ثلاثة في الشعر العربي في تقديري المتواضع  – وهم يكادون ان يشكلوا اضلاعا لهرم واحد..  المتنبي يليه – الله اعلم  ابو العلاء ثم ابو نواس  ، بعدين ابو تمام مش هين . البحتري قصائده في الغزل جميلة  ولكن  مطالعه في المدح من اتفه مايمكن !

{  لكن تعلقك بالمتنبي فيما يبدو تعلق قديم .

– لاوالله الحكاية بدأت حديثا .. أنا في تقديري ان  المتنبي يقرأ بعد الاربعين ، والانسان لايفهم شعره الا بعد الاربعين ..لأنه فيه كمية من التجارب  اي شاب دون هذا السن ينفر من إدعائاته .ومدحه لنفسه . ولعله الشاعر الوحيد  الذي تقبل ادعاؤته ومدحه لنفسه . ولكن بعد الاربعين . وهذا شيء من أغرب مايمكن !

{ متى يصح اذن ان يكتب الانسان الشعر ؟

– يضحك – لاأدري .. انا اعرف  بالنسبة لي متى أقرأ الشعر ؟ من من الشعراء أعجبوني وانا دون العشرين وفوق الثلاثين  لكن المتنبي اعجبني  بعد الثلاثين !

{ ومتى يصح ان يقرأ الانسان المعري ؟

– يضحك بعنف –  ربما بعد الخمسين .. لان الانكليز يسمون هذه المرحلة  بأنها ( الابتعاد عن الحياة  والنظر اليها بحياد ) هذا مايحدث  لبني آدم – ان حدث ، فكلما بردت نار الشباب  عندها تلقى ابا العلاء اكثر تأثيرا على النفس !

{ متى يمكن للانسان ان يكتب قصة ؟

–  شهوة الكتابة تكون اكثر  في فترة الشباب – لسوء الحظ (يضحك) عادة الناس يكتبون بعد الاربعين .

{ متى كتبت موسم الهجرة الى الشمال؟

–  في اوائل الثلاثينات من عمري.كانت الثقة بالنفس كبيرة . يقولون ياسيدي  إن  فترة العطاء  هي مابين الخامسة والثلاثين  وربما الخامسة والخمسين .هي فترة العطاء . لكن كاتبا  انكليزيا بدأ يكتب وهو  بعد الاربعين ، وهو الان كاتب عظيم اسمه ( انكيس ويلسون ). وبرناردشو ظل يكتب المسرحية وليس الرواية حتى الثمانين . ولكن الكتابة تحتاج الى طاقة جسمية ، مثل الجري والسباحة . والكتابة مؤلمة ومهلكة .

{ ومتى سن اليأس الابداعي كما ترى ؟

–  يضحك – مافي يأس ياأخي .. بيكاسو مات بعد التسعين ، كان قويا ونشيطا وفحلا .. ولكن في كل المهن ، الناس تأتيها فترة وتتقاعد .. وعلى العكس الكاتب يمكن ان يكتب الى ما شاء الله .. الا اذا قعد او حصلت له حاجة !

{  الصمت اليس تقاعدا او تقاعسا ؟!

–  الصمت موت وليس تقاعدا !!

{ وصمتك انت ؟!

– لا انا مش صامت الى الابد .. صمتي مؤقت  ، ولكن يا أخي انا رجل قلت كلمتين وخلاص لايحق ان يثار   حولي كل هذا . صدقني هذا ليس تواضعا !

{ انت في غاية التواضع والمتنبــــــــــي في غاية الغرور ، كيف تلاقيتما اذن ؟!

–  يضحك – لعلي لست متواضعا  ، ولعل المتنبي ليس مغرورا !

{ بعد خامس ( عِشرة ) مع بغداد كيف وجدتها ؟

– أنا ماعاشرت بغداد .. يمكن انا عاشرت لندن او الدوحه ، لكن بغداد  من المدن التي تريحني .المدن مثل النساء او القصائد تحس معها براحة ايضا حين تتعامل معها ذاتية . بغداد لطيفة .. شوف  المدينة لما يكون فيها نهر وشجر وتسمع فيها اصوات الاذان  عند الفجر – هنا المؤذنون  اصواتهم شجية ومثيرة جدا – بالاضافة الى إني كسوداني – النخل بالنسبة لي مثير جدا – ممكن ترى رؤوس النخل  تلعب بها الريح ، وطبيعة الارض كل هذا يجعلها اليفة …

مشاركة