مذكرات خلف القضبان – زاهد حميد الحمزاوي

404

مذكرات خلف القضبان –  زاهد حميد الحمزاوي

مدينةُ ممتدة على طول التاريخ , لها جذور متواصلة مع الماضي , تنبعث شمسها لكل المعمورة , وتضئ اقمارها كل الكون , غير ان سيدها ثعلب ماكر , زبانيته قردة , سلبهم حرية الرأي , فلا خطر عليه بعد , هم عيون الذئاب التي زرعها خلف ابواب المدينة , وفي طرقاتها آناء الليل وأطراف النهار تتنادى وتتعالى أصواتها من داخل اروقة الغرف المؤصدة لحاكم المدينة , وهي مفعمة بالفرح والزهو , حيث الشراب الذي يسقى لتغور منه العقول الى عالم أخر, تصاحبه ضحكات ورقص على صوت طبل أو مزمار . ونساء عارية تهتز اجسادها على انغام الموسيقى , كان في تلك المدينة التي يقسمها نهر ويربط ضفتيها جسر ينتظر الخلود بينما تضيع أمة مصيرها بالصمت .

لم يكن همها الا ان تخرج في صباح كل يوم لقوتها حتى يجن الليل فيكون اخر مقرها بيتها , بينما يعقد المكر مجلسه كل يوم , تحيط به القردة , يصفقون ويرقصون وما ان يحيط بهم الغلمان تبدأ انغام الرقص في نصف الليل , كبير القردة قاضي المدينة , يصدر احكامه في تلك الجلسة , يجلس على الارض امام عرش الثعلب , ما ان تحدث الثعلب بشيء حتى هزً راسا معلنا رضاه , أهل المدينة نائمون , يحذرون سطوة الذئاب عليهم , ,والذئاب تترصد حركة الريح في كل اتجاه .

في تلك الجلسة غابت العقول وأصدر قاضي المدينة فتواه , حيث قرر ما قرره ربه الثعلب في ما يتوجب ان يفعل مع نسائم الحرية الحبيسة التي هددت ملكه وارعبت سلطانه ؟ فأصدر القاضي فتواه بحرمة التنفس أو خنق النسائم .

الريح تمر في كل دروب تلك المدينة الا تلك الحجرة المنزوية في منطقة مظلمة , في اعلاها تتوقد مشاعل من النور الذي يرمي بدخانه الاسود الثقيل على سطوح تلك الابنية البائسة , الحرية مقيدة بسلاسل في تلك الحجرة , وهي تغرد تغريدة البقاء الابدي , , يا لها من ساعات قد غادرها ضوء القمر .

الحرية مكبلة بسلاسل الطغيان تناجي حبيب بقربها , تطيل اللقاء به وتمتع نظرها , لحظات الفراق تدق , وهواء عليل ينساب من تحت باب الحجرة , لتبتسم آلامها , و ينفتح منفذ سماوي , وشعاع ممتد الى الأعالي حيث القداسة المطلقة ,

لا يسمع من ذلك المكان الا همهمات الحرية , وهي ممتدة على الارض تتنفس لحظاتها الاخيرة , عالمة بقدرها , وفجأة جاء صوت القدر المحتوم , ووقع اقدام الذئاب تسير , بدأت الاصوات تنبعث من اعلى الحجرة تنادي بصوت عالي , لابد ان تسلب الحرية وتصلب …. فالقردة لا تعشقها ولا تتنفسها , ما أن اعطوهم شكروا وان حرموهم كفروا , فتحركت الاقدام رويدا رويدا وهي تقطع نسيم الهواء لتستبدله بسموم قادمة مع وقع الاقدام . رجل من المدينة , كان قبل يومه هذا يتنفس حديث الحرية , ليكون له موعد معها , الزمن يسير ببطء وهو ينتظر اللقاء , ساعات الانتظار توجعه وتألمه , أعتاد على الحرية بعد أن شمً عبيرها وضاق طعمها , وهو على موعد غدا معها …

أخبر اصحابه بالموعد , قلة ينتشرون في بيوت متعددة ينظرون من خلف شبابيك بيوتهم , هم بين القلق والحزن والفرح , ينتظرون الغد .

يخاطب الرجل نفسه :

– نعم نعم … غدا موعدنا على الجسر , سيكون لقاء سجله القضاء . أنتظر وفي القلب أسى .. كالجمر يسعر , سأصبر سأصبر حتى يأتي وقته …

تسير الاقدام وتخاطب الحرية نفسها بأسى كأنني …… غريبة ! .. تقطعت أوصال الوئام , وأخرست الالسن .

تتصاعد نفاسها في قولها الاخيرة , لترمي بنفسها على الارض , وهي تردد ستزول … ستزول الهموم عني , وهي تستقبح العيش بذلك الزمن .

كان الليل في أخره , ودق ناقوس الخطر , والذئاب تنظر في اروقة المدينة بحذر , ليجري الزمن مسترسلا حتى حان وقت الخروج , الايادي حملتها , بعد ان تلفظت انفاسها الاخيرة , قد ثقل حملها عليهم , حتى وصلوا بها قرب جسر , قد قطع المدينة نصفين , تحيط به البيوت من كل جانب , بيوت ظلماء , لا ضياء فيها الا بعض المشاعل في اطرافها قد وضعت في اعلى سطوحها , يقلب الهواء المشاعل بهدوء لينثر منها دخان اسود , كلما اقتربوا الى الجسر , كلما ازداد تلاطم موجه , موجة تضرب بالأخرى , لترتفع قطرات سوداء ترمى على اطراف النهر , السماء ملبدة بغيومها , لا تجد بصيص لضياء يخرج منها , والشمس خجلة قد اختفت وراء الغيوم , اهتزت فرائص الجسر , يمتد أم يتقلص ؟ لا خيار له , اخفى وجهه . سكون قد حلً على طرفي المدينة , لا تسمع الا اقدام الذئاب المزلزلة , تهتز بهم الارض وتتموج .

كان الرجل على موعد طال انتظاره ….. الريح ضاقت عليه يريد عبيرا جديدا , فهو ينتظره , قطعة سوداء ممتدة على الجسر شغلت فكره , وهو ينظر الى ذئاب وضعتها وولت هاربة لتنزوي في طرقات المدينة , وضوء خافت يسلط عليها بدخانه الاسود المتساقط على طرقاتها …. كلما تقرب منها , كلما تغيرت انفاسه , هواء ينساب الى رئتيه كانه يعرفه , فارقه من زمن طويل , اقترب شيئا فشيئا ليرى الحرية قد سفك دمها , وها هي ممددة , سالت دموعة بحرقة , أشباه رجال تنظر من خلف الشبابيك , لا تقوى اقدامهم على الخروج , كلما قدموا قدما كلما تراجعت الاخرى , أصبحت أجسادهم ثقيلة لا تقوى على النهوض بنفسها , الخوف دبً بها وسيطر عليها , وخلف أبواب بيوتهم تقف الفتنة تمنعهم من الخروج , كان هتافها لهم القتل أمامكم , وحاكم مدينتنا ثعلب , يملك ذئاب تقطع الاوصال , كل ذلك قلل من عزيمتهم , كل ما كان يملكوه دموع تخرج كدموع التماسيح .

دموع ذلك الرجل مسترسلة من عينيه , تتناغم مع مياه النهم المتلاطمة وهي تحاورها :

– لماذا لم تتلاطمي بقوة قبل هذا لتغرقي الذئاب وتفيضي في طرقات المدينة , لماذا لم تغرقي طرقات المدينة .. اين كنت في الماضي …

الامواج المتلاطمة :

– ولِمَ امتدت الايادي بالذبح وانتم في سباتكم تعمهون …. ومن فتحات الشبابيك تنظرون …. وفتنتكم منعتكم وسولت لكم أفكار وصدقتموها , وقد اغلقت السنتكم … واليوم تولولون ….. أه — أه . ….. ستعود اليكم من جديد مع فجر صادق فانتظروها ولا تسفكوا دمها من جديد .

مشاركة