توغّل ، فذاك حُلُمي – علي السباعي

338

قصة قصيرة

توغّل ، فذاك حُلُمي – علي السباعي

أصوات قرع نواقيس كنيسة الأرمن الواقعة بداية شارع النضال تطرق سمعي بعد أن خلفتها وراء ظهري ماشياً وخطوتي بحجم مساحة بغداد باتجاه ساحة الطيران كأني فلاح أحرث ابتسامتي في وجوه المارة ، أنعقد الصبح وأنا وحيد ، ضائع مثل ضوء في الضوء ، صباح بغداد فتح كل نوافذ البغداديين ، أسمع أصوات ضرب النواقيس التي أعطيتها ظهري لتصيبني أصداء أجراسها الحزينة القديمة المنحدرة إلي بالحنين محملة بذكريات زمن جميل ، وعواطف صادقة يوم كنت طالباً في عاصمة الدهشة بغداد قادماً إليها من أور مرتدياً قميصي الأبيض الناصع البياض ، وذكريات حب منسية إبان أيام الدراسة الجامعية عصفت بروحي ، لتملأني العواطف والذكريات بسلام جديد ، سلام بغدادي يشبه صباحاتها الربيعية الجميلة ، أسمع صوتها هذا الصباح ينتابني شعور باليقظة لأنني فيها ، وأنا أمر ماشياً على رصيف الشارع القادم من ساحة التحرير حتى جسر الجمهورية نهاية محلة البتاويين لازمني شعور أن أكون يقظاً لأنني في بغداد أمشي مشرقاً صوب سوق هرج الباب الشرقي ماراً بفرح كبير أمام واجهات استوديوهات التصوير وعلى جانبي الأيمن حديقة الأمة قاصداً ساحة التحرير ، ما دمت في بغداد تستبد بي  مثل هذه القناعة ، شمس دار السلام كادت تأخذ وضعها العمودي فوقنا  باحمرار خفيف شع ضوؤها شاسعاً داخل سماء زرقاء واسعة مدهشة ، لفت نظري رجل حلو القوام رشيق طويل مرفوع الرأس يرتدي بذلة أنيقة فاخرة جداً واقفاً يتصل متحدثاً بصوت عال عبر هاتفه النقال الثمين ، قرب قدمه اليسرى حقيبة دبلوماسية سوداء ، استوت الشمس عمودية ساخنة ، رجل البدلة لا ينحني للشمس الغاضبة ، وأنا الذي ينحني لكل شروق للشمس ، لا أعرف السبب الذي جعلني أرى ذلك الرجل ممسكاً هاتفه الجوال الفاخر بيده اليمنى ، واضعاً جواله على صيوان أذنه اليمنى البيضاء الكبيرة ، بينا تحيط بي عيون عراقية تعكس الضوء بلونها الداكن ، وثمة وجوه مشرقة ومسفرة وضاحكة مستبشرة ووجوه مغبرة ترهقها قترة ، وجوه صامتة منتظرة ، يتحدث الرجل بصوت عال مخاطباً الآخر الذي على اتصال معه :

–        كيف آت إليك وحقيبتي مكتظة بالدولارات ؟

تطلّ شمس الزوراء مزهوة مطمئّنة ، ترسم تفاصيل خطوط ثوب عرسها الأبيض الواسع ، تحوكه من غزل ضوئها الأبيض الوافر ، رأيت بنظرة جانبية من عيني ملامح شخص يمشي بخطوات سريعة أقرب إلى الجري في ممر ضيق محاط بأشجار ألرازقي قادماً من قلب حديقة الأمة صاعداً بلاطات نصب الحرية البيض ، أسمع صوت الرجل واضحــــــاً يتحدث عبر هاتفه قائلاً :

–        أخاف أن أسرق ؟

حرارة ثقيلة تبعثها محركات السيارات السريعة المارة داخل ساحة التحرير ، حرارة الجو وموجاتها الحارة المتغيرة جعلت عرقي يتصبب بغزارة يتساقط على قميصي الأبيض الناصع البياض ، جاءه من أقصى حديقة الأمة الشاب الذي يمشي سريعاً ، الرجل ذو البدلة الأنيقة الفاخرة واقفٌ بثباتٍ في مكانه تحت نصب جدارية الحرية مستمراً في إدارة حديثه مع محدثه بصوت عال ، قبل أن يكمل مكالمته الهاتفية نهب شاب حديقة الأمة الذي يرتدي ملابس رياضية وينتعل حذاءً رياضياً حقيبة الثري ، لم تصدر عن الرجل صاحب المظهر الثري أية استغاثة أو صيحة لطلب النجدة ، قطبت حاجبيّ مستغرباً ، رجال شرطة ساحة التحرير يرابطون في مكانهم لاهين مطرقي الرؤوس في تصفح هواتفهم الذكية ، عينا الرجل الثري كانتا تضحكان وهو ينظر إلى اللص الذي يجري مبتعداً بسرعة شديدة ناحية سوق هرج الباب الشرقي ، بعد أن عبر الشارع القادم من ساحة الطيران الذاهب صوب شارعي الجمهورية والرشيد أو جسر الجمهورية ، يزوغ داخلاً حشد الناس شاقاً لنفسه طريقاً بينهم فرحاً بسرقته ، صار وسط حشد المتبضعين في هرج الباب الشرقي ، تناول الثري ذو البدلة الفاخرة هاتفه الخلوي الثمين وأصابعه الطويلة القاسية تضغط بغيظٍ هائلٍ على أرقام لوحة مفاتيحه متصلاً ضاحكاً بمكر وكأنه يلعب لعبة ماكرة ، تمر لحظة قصيرة ، عشتها ، ولم أتجاوزها، لحظة واحدة حددت بين الحياة والموت ، أرى من قريب الوهج البرتقالي يبرق صاعداً بلهيب أحمر حازاً رقاب الناس إلى السماء محتشداً بشعلة زرقاء محمرة محملة بأشلاء المتبضعين ودماؤهم الحمر غطت بذلة عرس الشمس البيضاء ، كأنما جاءت الصَّاخُّة ،  ثوب العروس مزقته شظايا الانفجار التي كسرت أبواب وزجاج شبابيك بغداد بسبب عصف نيران زرق ، كأننا نعيش في سموم وحميم وسط دخان كثيف لا بارد ولا كريم بقيت حياً وصامتاً في ظل من يحموم ، قبل قليل كنت روحاً مشرقة كالضوء ، وبعد لحظة صرت ضائعاً مثل ضوء شمعة في مهب الانفجار فررت مني لأختبئ فيّ ، لم أمت بسبب الانفجار الهائل الذي أشعل السماء بنيران خضر ،وكأن الانفجار فانوس أضاء الوجوه الصامتة ، أغطش الانفجار نهار بغداد وأخرج ظهرها وجعلنا حصيداً خامدين ، وألحق الخراب بساحة حرية أرض السواد ، وأزهق أرواح الناس بسب ما أحدثته القنبلة المزروعة في حقيبة الإرهابي الذي ما غادر ضحكته ، وهو يرى الفخ الذي أوقع فيه سارقها .

مشاركة