إنارات في علم السرد (( الناراتولوجي )) – عـلاء لازم العيـسى

460

إنارات في علم السرد (( الناراتولوجي )) – عـلاء لازم العيـسى

(1)

من المصطلحات التي دخلت دائرة التوظيف النقدي العالمي تحت تأثير البنيويّة هو مصطلح السرد ((ناراتولوجي)) ، وقد بدأ بالشكلانيين الروس وبالتحديد فلاديمير بروب في عمله الموسوم (مورفولوجيا الخرافة ) الذي حلّل فيه تراكيب القصص إلى أجزاء ووظائف ، والوظيفة عنده هي عمل الشخصيّة . وذكروا أنّ أوّل من صاغ مصطلح (علم السرد) هو الفرنسي تودوروف ، وذلك سنة 1969 في كتابه (قواعد الديكاميرون )، وقد استعمله بمعنى الحكاية أو  القصة، وبما أنّ النص السردي (( ينبني بتقنيات، تُشكّل قواعد وقوانين نهوضه، كما تخوّله ممارسة وظائفه، نطقه الفنّي ))، لذا تصبح معرفة ماهية النص السردي وما يحكمه من مفاهيم ، أمراً ضروريّاً يُمنهج القراءة ويمنحها قدرة الكشف ، عن سريّ في النصّ ، كامن في منطق تكوّنه ، ومحرّك لديناميّة هذا التكوّن.

(2)

ولحداثة مفهوم ( السرد ) في الساحة النقدية العربيّة ، وتعدديّة أشكاله وعدم تجانسها بسبب اختلاف الموروثات الفكريّة من روسيّة وأمريكيّة وفرنسيّة وألمانيّة ، وبسبب رفض أكثر المنظّرين إدعاء اتصاف أشكال السرد بصفة الشموليّة أو العموميّة ، كانت هنالك مجموعة متنوعة من المنظّرين العالميين للنظريّات التي تفسّر السرد ، وبطبيعة الحال فإنّ كلّ منظّر من هؤلاء له مفاهيمه ومقولاته ، ولهذا كان هنالك أكثر من تعريف ، منها أنّ السرد ، هو : تنظيم اللغة بإفراغها في بناء يُمكن من خلاله نقل وصف للأحداث بأسلوب مترابط ومنظّم ، أو أنّه مجموعة من الخصائص الشكليّة التي تكوّن القصّة أو الرواية ، أو دراسة القصّ واستنباط الأسس التي يقوم عليها ، وما يتعلّق بذلك من نظم تحكم إنتاجه وتلقّيه ، والسرد في تعريف رابع ، هو : مصطلح أدبي فنّي هو الحكي أو القصّ المباشر من طرف الكاتب أو الشخصيّة في الإنتاج الفنّي ، يهدف إلى تصوير الظروف التفصيليّة للأحداث والأزمات ، ويعنى كذلك برواية أخبار تمتّ بصلة للواقع أو لا تمتّ ، أسلوب في الكتابة تعرفه القصص والروايات والسير والمسرحيات .

(3)|

وتناول الناقد الفرنسي جيرار  جينيت ، الذي غادر عالمنا في 11 / 5 / 2018    مصطلح السرد في قسم ثالث من أقسام الخطاب القصصي سمّاه صوتًا ، ويعني الصوت السردي القائم بفعل السرد ، فالسرد من هذه الناحية ، هو النشاط السردي الذي يضطلع به الراوي وهو يروي حكاية ، ويصوغ الخطاب الناقل لها ، مع التنبيه على اختلاف الراوي عن الروائي ، لأن الأخير كائن من لحم ودمّ ، بينما الراوي كائن ورقي ، بحسب رأي رولان بارت. وقد ميّز جينيت بين ثلاثة مفاهيم أو مظاهر للسرد : الحكاية ، وتطلق على المفهوم السردي ؛ أي على المدلول ، والقصّة ، وتطلق على النصّ السردي وهو الدال ، والقصّ ، ويطلق على العمليّة المنتجة ذاتها ، وبالتالي على مجموعة المواقف المتخيّلة المنتجة للنص السردي ، فالسرد ـــ وفق هذا المنظور ـــ هو الكيفيّة التي تُروى بها القصّة عن طريق قناة مكوّنة من التقاء ثلاثة روافد ، هي : السارد ، والقصّة ، والمسرود له.

(4)

وتكتسي تحديدات المقام السردي الزمنيّة أهميّة لا تكتسبها تحديداته المكانيّة ، وذلك أنّه بالإمكان أن تروي قصّة دون تحديد المكان الذي تروي منه ومدى بعده عن المكان الذي تجري فيه الأحداث ، ولكن يستحيل ألّا يتحدّد موقعها الزمني من الفعل السرديّ ما دامت تُروى بالضرورة في الزمن الحاضر أو المستقبل . ومن جهة زمن السرد ، فقد ميّز السرديّون بين أربعة أنماط من السرد ، هي : السرد اللاحق ، والسرد السابق ، والمتزامن ، والمُدْرج . فالسرد اللاحق ، هو الذي يكون زمنه تالياً لزمن الحكاية ، وهذا هو الموقع المألوف للسرد إذ من الطبيعي أن تكون الحكاية سابقة للفعل السردي ، ويكفي       ـــ مثلما يقول جينيت ـــ استخدام الزمن الماضي لجعل السرد لاحقاً بالحكاية ، وذلك بغض النظر عن تحديد المسافة الزمنيّة الفاصلة بينهما أو عدم تحديده. وأمّا السرد السابق فهو الذي يكون زمنه سابقاً لزمن الحكاية ، وانتظام القصّة وفق هذا النمط من السرد (( ظاهرة نادرة )) تتجسد في القصّ التنبّئي . وأمّا السرد المتزامن فهو الذي يزامن الحكاية أثناء وقوعها ، على غرار النقل الفوري لمباريات كرة القدم . والسرد المُدرج هو الذي يتداخل زمنه مع زمن الحكاية ، ويتسنى ذلك ـــ بوجه خاص ـــ عندما يكون التفاوت بين الزمنين ضئيلاً بحيث يمكن للسرد أن يلتحق بالحكاية ، بل أن يغدو سابقاً لها ، ويفضي هذا التداخل إلى تأثيره فيها ، وأكثر ما يكون ذلك في الرواية الترسليّة ، حيث تكون الرسالة وسيطاً للقصّة وعنصراً في الحبكة ، وقد عدّ (( جينيت )) هذا السرد أشدّ أنماط السرد تعقيداً بسبب تعدّد المقامات فيه ، مثلما هو الشأن في الرواية الترسليّة المتعدّدة المتراسلين .

(5)

وقد حدّد النقّاد أنماط السرد بنمطين : السرد ، والعرض ، وبهذين النمطين يُقدّم الراوي قصّه ، ففي الأوّل يقوم الراوي ـــ وهو شخصيّة من شخصيّات الرواية ـــ بعمليّة القصّ بصورة مباشرة  ، أمّا في العرض فتتكفل الشخصيّات بالقصّ بضمير ( أنا ) . كما ميّزوا ـــ في إطار علاقة الراوي بالشخصيّات ـــ بين نوعين من السرد هما : ( السرد الموضوعي ) ، وفيه يستطيع الراوي الولوج إلى دواخل الشخصيّات ، ويكون مطّلعًا على أفكارها ، ولا يكون أحد الشخصيّات المشاركة في صنع الأحداث، بل هو مرآة عاكسة للأحداث وأفعال الشخصيّات في الرواية . أمّا النمط الآخر فهو ( السرد الذاتي ) وفيه يقدّم الراوي الأحداث برؤية ذاتيّة داخليّة ، فيتتبع القارئ الحكي عبر عين الراوي ، ومن زاوية نظره ، فيعطيها تأويلاً يفرضه على القارئ ، ويدعوه إلى الاعتقاد به .

(6)

وبما إنّ استراتيجيّات التميّز التي يسمح بها النقد مدينة بفاعليتها الخاصّة ـــ كما يرى ميشيل فوكو ـــ لحقيقة أنّها تعتمد على (( العمل الكلّي )) الذي يُجيز لمؤلفه أن يُدخل في كلّ ميدان من الميادين كليّة رأس المال التقني والرمزي المكتسب من الميادين الأخرى ، فيدخل الميتافيزيقا في الرواية ، أو الفلسفة في المسرح فـ (( ما من عمل ثقافي يوجد بذاته ، أي خارج علاقات الاعتماد المتبادل التي توحّد بينه وبين الأعمال الأخرى )). كما يجب أن يعلم السارد جيّدًا ، أنّه عندما ينشغل بالسرد ـــ في بعض كتاباته ـــ يجب عليه أن يندفع للغوص بمقدمة رأسه في كلّ شيء ، وأن يكتب ما اختبره وجرّبه بنفسه ورسخ في ذاكرته، مع الإفادة من تجارب الآخرين واحترامها ، وأن يبتعد عن تسييج نفسه بحدود المنطق المتصلّب فقط ، وحرمان نفسه من الغوص في بحيرات (( غير المنطقيّة واللامعقول والخيال )) ، البحيرات التي تبدو ـــ لفرط كثافتها ـــ بلا قرار . عليه أن يكتب عن كلّ شيء، وفي كلّ شيء، فيكتب في حقيقة أبطاله النفسيّة ، وفي وصف عواطفهم وأفكارهم الداخليّة ، ورغباتهم ، ومعتقداتهم ، وخياناتهم ، وصدقهم ، وكذبهم ، وأن يكتب عن القوى الخارقة ، والسحر ، والجنيّات ، فـ      (( هناك مساحةٌ للجميع في الأدب ، وهذا لا يتعارض مع أننا ، في حياتنا اليوميّة ، نتقيّد بقوانين مختلفةٍ تمامًا ، قوانين تشكّل عالمنا المنطقي المتصلّب )) .

(7)

أخيرًا ، فقد شهد علم السرد ـــ بعد أن ثبت علميّاً وبما لا يقبل الشك دوره الكبير في تشكيل الذكاء في حياة العقل وتفعيله لمناطق الدماغ التي تفعّل في تجارب مماثلة في الحياة اليوميّة ـــ اهتماماً متزايداً من قبل الباحثين ، فالقارئ يلتقط ، انطلاقاً من النصّ ، (( تفاصيل عن أعمال الشخصيّات ومشاعرها ، ويدمجها في معرفة شخصيّة مستندة إلى تجاربه الماضية ، ويقع تسليم هذه المعطيات ، بعد ذلك ، إلى آلية المحاكاة الذهنيّة المبنية على مناطق في الدماغ تتلاءم بدقة متناهية مع المناطق المُثارة عندما ينجزُ الناسُ أنشطة مماثلة في العالم الحقيقي أو يتخيّلونها ، أو بلاحظونها )) ، لذلك ، ليس جائزاً أن يبقى القارئ ، مجرّد متلقّ خاضع لسطوة النصّ ، عاجز عن كشف وظيفته القابعة في بنيته ، مهدّدٍ بأن يكون مثل إسفنجه تمتصّ كلّ ما يصلها ، بل عليه أن يفهم النصّ ويفسّره فيناقشه أو يحاوره : يقبل ما يقوله النصّ أو يرفضه.  ومع ظهور بعض الفلاسفة الذين مارسوا إستراتيجيّة المختلف والمغاير مثل ميشيل فوكو ، وجاك دريدا ، وجيل دوز، وغيرهم ، وكان منطلقهم في ذلك الكشف عن المسكوت عنه في الفلسفة السابقة ، وخلخلة مركباتها ، ومساءلة أبنيتها المتماسكة ، انتقل علم السرد إلى دائرة أكبر من دائرة الأدب، شملت علوم الدين ، والتاريخ ، وغيرهما من الميادين الفكريّة .

مشاركة