قراءة في سردية الإحتجاج الناعم – منتهى عمران

390

صندوق الاربعين للعثمان

قراءة في سردية الإحتجاج الناعم – منتهى عمران

لأنني من البصرة أعرف الكثير عن الكويت .. وأنا انغمر في لذة القراءة لهذا السرد الشيق لميس العثمان تذكرت ( بس يابحر ) الفلم السينمائي الكويتي الذي أنتج في القرن الماضي بطولة الفنانة القديرة حياة الفهد والذي كان يروي قصة (البحارة والغواصين) الكويتيين عندما كانوا يعاندون البحر ويصارعون امواجه ويجابهون حيتانه للحصول على رزقهم من اللؤلؤ ليبيعونه رزقا لعوائلهم كانت النساء تقف على رمال الساحل تنتظر عودتهم بعد غياب ثقيل على القلوب وهي تعيش القلق من عدم العودة سالمين .. وكثيرا ماعادوا جثثا أو لم يعودوا أبدا فكانت صرخة حياة الفهد (بس يابحر) .. كانت الحياة البدائية الشاقة للشعب الكويتي مكتضة بالصبر والشقاء حتى جازاهم الله بالنفط فكانت الرفاهية بمعناها الحقيقي .. شعب اتسم بالطيبة والاريحية والكلمة الطيبة والهلا والمرحبا .. انتهى زمن المعاناة الحقيقية..

ميس العثمان المولودة في عام 1977 لم تعش تلك المعاناة فهي جاءت إلى الحياة من أب يعمل في مجال النفط ويسكن في حي خصص للعاملين فيه ..

لم تعان من فقر أو حرمان رغم أنها لم تكن من الأثرياء كما كتبت في سرديتها الحرة وهي تحدثنا عن نفسها .. كان كل ماحولها يبدو على مايرام عائلتها الصغيرة المكونة من اخوين صبيين وهي مع والديها فقط .. علاقتها الطيبة بهم لامنغصات عائلية أمان نفسي أتاح لها أن تكون حرة وبالطريقة التي تريد.. يبدو أن هذا فتح لها بوابات الأسئلة التي لم تغلق منذ أن كانت في سنواتها الأولى.. الكتب والمجلات التي كانت حاضرة في المنزل والمدارس التي تعلمت فيها إلى جانب الدروس التعليمية الفن بأنواعه والرياضة وحتى تصليح الأجهزة المنزلية التي برعت بها يداها الصغيرتان التي كانت تناسب قصر قامتها غير منزعجة من هذا الأمر كما كتبت .. إلى أن تخرجت من كلية الإعلام وتوظفت في مؤسسة الفنون والآداب الكويتية… ماعدا فترة الاحتلال العراقي للكويت حين كانت في السنة الثالثة عشرمن العمر.. وقد تناولت هذه الفترة في رواية بعنوان (ثؤلل ) .. ولميس عشر مؤلفات بالمجمل .. لم أقرأ منها إلا هذا الكتاب الذي وصل إلى البصرة فاقتنيته ..

ام حنونة

لقد توحدت لميس مع ذاتها واعتنت بها كثيرا كانت أما حنونا وصارما لها تعبت في تهذيبها وتشكيلها بطريقتها لا كما يريد من حولها فهي لاتجامل تقول فقط ماتريد .. تمتلك ميس قدرة تعبيرية في السرد قلما تمتلكه كاتبات عربيات .. لغة رصينة مهذبة ذات طعم خاص بل متفرد ينساب بأريحية غريبة لأنه ليس سهلا أو بسيطا بل متينا وقويا يحمل نكهة البحر بأمواجه الهادئة الذي يخزن الكثير من اللآلئ يبهرك جماله وتوقفك بعض العبارات المسبوكة التي تقولها قبل أن تكتبها كما تعبر عن نفسها في الصفحة  277 سألتني صديقتي؛ حلاقة شعري الأرمنية في يوم: ” شعرك مليان شيب.. حرام”!

أجبتها[ ولا أدري كيف تمكنت من ترتيب العبارة ورأسي مبلل بالماء]:

“لأنني وبقبول تام، أصادف بشرا غريبي التخلق كل الوقت، بشر يسرحون بين البقية ولايأبه أي منهم ماذا يقترف، فتخيلي ثأرنا بالأسئلة الهاربة من رؤوس لاتحقن فيها الشكوك وتنام كل الوقت بالمسلمات والثقة؟ نشيب مؤكد، نشيب ولايحزننا هذا البياض، لأنه علامة عظيمة على الاقتراب من شبه الوصول..”

انتثر صمت وصوت مقص الشعر وحيد كعبارتي.

يمكننا بالإضافة إلى تأشير هذه الفداحة في التعبير اللغوي المتميز أن نستشف أيضاً مايدور حوله كتابها صندوق الأربعين وهو علاقتها بالآخر ونظرتها للسلوك البشري وتعاطيه مع الحياة والمسلمات والعادات والتقاليد واحتجاجها المتواصل على سياقهم الثابت الذي لايحيد بالتوارث والتأثير تحتج على اختفاء الشك والأسئلة من التكوين الشخصي للفرد وتبعيته المطلقة للجماعة معرضا ذاته للخسران ليكون نسخة مكررة للآلاف المؤلفة بينما هي جاهدت لتكون ذاتا متفردة تمنح الآخرين ماينقصهم في حياتهم الجامدة من خلال الكتابة .. إنه سيرة ذاتية مختلفة فهي تقتطع بعض المشاهد من حياتها لتنسق منها باقة من أغصان تلصقها على لوحة عريضة لتكون شاهدة على حياة كاتبة متمردة لكن باختلاف .. رغم أن هذه المشاهد تخلو من الدراماتيكية والإثارة إلا إن ميس لعبت على وتر حساس وهو العامل النفسي في التعاطي معها مع تلك اللحظات المهمة التي عاشتها مع الآخرين.

كانت تعمل مقدما على استكشاف المقابل لتحدد موقفها منه لاحقاً وإن تأخرت عن فعل ذلك تصاب بندبة مع كل خسارة لأحد منهم رغم إنها لاتندم على ذلك أبدا.

علاقة حب

مايلفت أيضاً أن ميس المتزوجة من كاتب كويتي معروف أيضاً وهو عقيل عيدان بعد علاقة لااستطيع أن أسميها كالعادة (علاقة حب) فهي لم تشر إلى ذلك مطلقا خلال سردها المقتضب عن هذه العلاقة ماقبل وبعد الزواج الرسمي. وهذا أمر على غير عادةالكاتبات اللواتي يركزن على علاقاتهن العاطفية بعبارات طويلة أو نصوص مكررة عن الغزل والعشق وما إلى ذلك وهذا ماميز شخصية ميس التي لم تكن تهتم كصديقاتها منذ فترة الاعدادية بهذا النوع من العلاقات التي انتهت بهن الى زواج تقليدي ومعاناة لاتنتهي مع الأولاد والأسرة.

اقلق ميس الوسط الثقافي الذي تنتمي إليه وسيطرة “ظلال المثقفين ” كما وصفتهم على المعترك الثقافي في الكويت وصراعها الدائم مع هراءهم المتواصل الذي تعده سببا جوهريا من أسباب النكبة الثقافية. وقفت أمام مديريها في العمل والزملاء وهم يشنون حربهم الخفية ضدها مثل شجرة تصد الريح بجذعها العريض ( لست شجرة عادية، لا.

شجرة عريضة

شجرة عريضة الجذع بلا شك. وليس مصادفة أن يطلقوا علي [في هذه الحياة] اسم”ميس″ خشب صلد عنيد لشجرة غير متطلبة للرعاية والماء.. لكن الفأس الذي قطعني لأجزاء توزعت بين الناس/ الحيوات نسي حتما فعلته، وتركني لأتذكر! ص204

ميس لاتحتج على الله بل تحتج على الذين في قلوبهم مرض واللذين شوهوا صورته بسلوكهم الشائن وهم يدعون أنهم يحرسون وجوده الأرضي. ( نحن شعوب وأمم؛ سخمها الإرث الثقيل، كل مانحتاجه هو التحول نحو الاستنارة الروحية كما ينبغي لها أن تكون )ص299

أقامت علاقتها الخاصة وبطريقتها الصوفية لتنجو من سفاهة وبشاعة مايدعون ليكون الله دليلها في الوقت الذي تحتاجه فيه ولم يخذلها بل طالما وقف إلى جانبها وملأ قلبها بالطمأنينة والسلام.كثيرة هي اللحظات الدقيقة والحساسة التي شكلت هواجسا لميس وعلقت في وجدانها وذاكرتها بل وتركت ندوبا في روحها اختارت أن تفرغها على الورق عندما اتمت العشرة الرابعة من عمرها .. لطالما كان (الأربعين ) علامة فارقة في حياة البشر ويبدو أن ميس العثمان أرادت وربما عن غير قصد أن تعلن نبوتها لنفسها لتهدأ وترتاح من الشكوك والأسئلة التي رافقتها طيلة عمرها ولكن لتبدأ مرحلة مختلفة من اللايقينيات والثبات إلا من الحب والخير والجمال.. وأخيرا أقول:

لن أتردد في قراءة كتب ميس العثمان إن وقعت تحت يدي مرة أخرى.

مشاركة