إمرأة ولكن

369

إمرأة ولكن

فـــــــلاح المرســــومي

ربما جولات الشد والجذب الفكري التي تصل الى الهوس هي من أشد الأعاصير السلمية عند الكاتب والأديب والمفكر لينتج عنها شيئاً مميزا في كل مجالات الأدب والثقافة والفكر فيسطّرها بقلمه الثاقب أحرفاً بكلمات وجمل ترتقي لأجمل الأفكار أو القصائد أو الروايات أو القصص طويلة كانت أم قصيرة والأجمل حين تتوج في كتاب بأجمل عنوان ومتن وتصميم ، وهذه المجموعة القصصية ” إمرأة ولكـــن ” واحدة من هذا الذي تفتق عليه ذهن الكاتبة الدكتوره ياســمين مغيب لإثارة القضايا الجدلية بين الرجل والمرأة فيما أجتمع حال ومال وأحاسيس ووجدان كل منهماعليه ، على الرغم من أن المرأة التي تكتب عنها الكاتبة والقاصة ياســمين على حسب وصفها بأنها امرأة استنائية ، حبها سرمدي ، وفاؤها أبدي ، شخصيتها يشوبها الغموض ، مُلبّدة الفكر مليئة بالتناقضات ، قوية حــد القســوة ، يحتلها الوهــن حـــد البكــاء ، تُجابه الظروف تغلبها تارة وتخذلها تارة أخرى ، قابلت الكثير في هاوية الحيــاة ، فمنهم من أرهقها فكراً ، ومنهم من جعلها تُقبّل وجنتيّ خلقه ، نالت من صفعات القدر ما يكفي لنضوج لُبّ إحساسها ، وكشــف مستور نوايـا قربهم ، تترنح على حافة الطموح ذهاباً وإياباً ، ولكنها أبت أن ترفع رايتها البيضاء ، قررت أن تبوح بصمت خفقاتها خلف تلك الأسطر العالقة في بوتقة الزمــن علّهــا تلامــس شــغاف أفئــدة البعــض ، أو تشــاكســهم أحاســيــس فكــرهـم .. ، ولغرض وصول الكاتبة الى القارئ بكل ما في هذه المرأة فقد جاءت عليها في مجموعتها القصصية بثلاثة أقسام ، الأول ، يوميات قصيرة تدون فيها بعضاً من ترهات فكرها ، أسمتها ، مقتطفات من أيام إمرأة ، فكان نص اليوم الأول ” تمر السنون ، تختفي غيوم المحبة من ربيع عمرنا ، تغتال فرحتنا طلقات القدر ، أفتقد طفولتي ببعدي عنك ، أحتال على الشوق ببعض الصور تحتمي بغلاف زجاجي يحجب نداها ، أسدل ستائر خوفي من الغد ، ، ترتعد أشواقي على مفترق الحكايا ، أنشد أبجديات أسمك ، وأمد يدي لأضمها على لا شيء ، فالفرحة أنت ، وأنت لست معي ، أشــعر بالوحشــة دونـك يـا أبــي ” وانتقلت من ولعها بأبيها الى ولعها بحبيبها كما في نص اليوم الرابع ” مــدت ذراعها في المــدى لتحضنه .. فجاء مهرولاً باتجاهها .. لكنه احتضن غيرها … وقتها تعلمت أن ليس كل من فتــح ذراعيــه كان ينـوي احتوائهــا … فلربما أشــار للــودائع وهـي لـم تعِ …” وحيرتها كما في نص اليوم الرابع والعشرين ” لا حياة معك ولا حيــاة دونــك ، إذن كيــف الســبيل الـى الحيــاة !!! ، وفي نص اليوم الخامس والتسعين كان حلمها ” ســألها بهـــدوء : مــاذا أعنــي لك ؟ فأجابتــه : كنت وما زلت وستبقى أروع حلــم حققــه لـــي ربــي .. ” وختمتها بثقتها برب البشر في نص اليوم الأخير اليوم العاشر بعد المائة ” لا تثق بفكر الإنسان ، قد تخونه ترتيبات القدر ، فيخذل توقعات رؤيتك ، وثق برب البشر الذي تسير كل الأقدار وفق تدابيره ، فإن قال كــن … حتمــا كل الأمــور ســـتكــون ..” أما القسم الثاني فقد أسمته ” خواطــر ” ، ربما ترى حين تقرأها الكاتبة فيها حقــاً من نص الخاطرة  (56 ) التي ختمت بها خواطرها واختارت لها عنواناً ” مغيب الياسمين ” ليكون أبوها أولاً وتكون هي من بعده ” لم أكن أدري أنك راحل، لم أكن أتخيل أنك تاركني ، أبي تركتنــي ؟؟؟ تركت أشلائي ممزقة ، تركت بقايا إنسان مكسور ، مرارة تغصني ، خنقت نجوى كل شيء جميل في فمي ، لم أعد أدري أأنا على قيد الحياة أم أنا قصة أوشكت على الانتهاء ؟! أشعر كأن الزمان أطبق عليَّ كل مصائبه  ، وقرر أن يقتلني ببطء، نعم خارت قواي ، انهارت كل أحلامي ، لم أعد أهوى الوجود ، لم أعد أرجوا الخلود ، أمات أبي ؟؟؟!!! أذهب حقاً ولــن يعـــود ؟؟؟!!! … وكان مسك ختام الكتاب القسم أو الجزء الثالث ” القصص القصيرة ” وضمنته تسع قصص حملت الأولى عنوان ” صافرة القطــار ” تقول فيها ” كانت تجمعنا صافرة القطار ، فكنا نتسابق في الوصول اليه قبل أن يغادر الرصيف ، وكان يشاطرني مقعدي في القطار ، وكان يقاسمني في هوائي الذي أتنفسه ، وليته تكلم وخرج عن صمته وشاركني في الحديث ، استمر على هذا الحال عدة أيام يركب القطار ويجلس بجواري دون أن يكلمني كلمة واحدة ، وكنت لا أدري هل كان الجلوس محض صدفة أم أنني كنت أبحث عنه كي أجلس بجانبه ؟ …..” .

الكتاب ب( 175 ) صفحة ومن اصدارات / أطلس للنشر والانتاج الإعلامي / الجيزة / طبعة 2017

مشاركة