اللاتناص بين فكرين

277

اللاتناص بين فكرين

أفعى كلكامش يقاومها الحطّاب بعشبته الجديدة

حسين سرمك حسن

بغداد – سورية – شبكة أخبار العراق

صدر عن “دار نينوى” للدراسات والنشر والتوزيع، والتي مقرها سورية- دمشق، كتاب جديد للناقد العراقي المثابر الدكتور” حسين سرمك حسن” يتناول فيه بمجموعة من الدراسات والبحوث، التجربة الابداعية للشاعر العراقي الكبير “جواد الحطاب”.

وعبر 194 صفحة من القطع المتوسط، وفي كتابه الموسوم ” افعى كلكامش، وعشبة الحطّاب الجديدة” يتابع الناقد سرمك والمختص بعلم نفس الابداع، في جزء أول من جهده النقدي، منجز الحطّاب،عبر خمسة فصول مطولة، فضلا عن المقدمة التي ارادها الناقد ان تكون وافية عن الشاعر وموضوع كتابه، وجاء ترتيب هذه الفصول كالآتي:

1- مُقدّمة

2- الفصل الأول : عشبة كلكامش وأفعى الحطّاب الجديدة

3- الفصل الثاني : فندق الموت والخلود

4- الفصل الثالث : نرسيس الحطّاب

5- الفصل الرابع : دماءٌ على القباب المُذهّبة.

6- الفصل الخامس : سرمك يحاور الحطّاب

ونقتطف مما ذكره الدكتور حسين سرمك، ، ما يلي (“جَواد الحطّاب ظاهرةٌ فذّة في الأدب العراقيّ المُعاصر ، لا يمكن إلا الوقوفُ عندها ، وتأمّلها ، ودراستُها بعمق ، شعراً ونثراً . وهذا الكتاب محاولة في الإمساك بالخيط المركزيّ النفسيّ المتين الذي يحكمُ وحدةَ منجزه الإبداعي والمُتمثل في الموقف من الموت ؛ الموتُ الحيّ الذي لا يموت ، والذي أعتبرهُ العاملَ الحاسم الذي يحكمُ الموقف الخلّاق ليس لهذا المبدع فحسب ، بل شعبه أيضاً ، من معضلات الحياة والكون والإبداع . وهذا الموقفُ الحاسم الذي يُنضج الشخصيةَ الفرديّة والقوميّة –سلوكاً وإبداعاً- ويؤذنُ بولادة حضارةٍ جديدة ، ورثه جَواد الحطّاب من جدّه العظيم كلكامش ، صاحب أوّل صرخةِ احتجاجٍ ضد الموت في تاريخ البشرية . لذلك طلع علينا الحطّاب – وبعد أربعة آلاف عام ، برحلة ثانية جديدة وفريدة ؛ رحلة خراب ودمار وشدائد فاجعة تجعلُ الوِلدانَ شِيبا ، حبث لا تكتفي فيها الأفعى الجديدة ؛ أفعى الحرب المُسلّحة ، بسرقةِ العُشبة كلّها فقط ، بل تدمير وجود صاحب العشبة كلّه أيضا(.. يذكر ان الحطاب قد ترجمت اعماله الشعرية الى العديد من لغات العالم، مثلما وجّهت له الدعوات من مختلف البلدان العربية لقراءة قصائده المنتمية في مجملها الى الوطن والانسان.. مثلما يذكر ان الناقد الدكتور حسين سرمك قد نشر العديد من الكتب النقدية التي تناولت مختلف المبدعين العراقيين والعرب، وسيشكل كتابه هذا اضافة نوعية لمحبي ودارسي منجز الحطاب الابداعي خصوصا وان السنوات الاخيرة قد شهدت العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه التي تناولته ليس في العراق وحده وانما في مصر وايران وتركيا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليلة تسليم كلكامش لليهود؛ فضح مغالطات التناص بين الفكر العراقي القديم والفكر التوراتي (29)

حسين سرمك حسن

بغداد المحروسة

 2016

# الصحيح هو “اللاتناص” بين كلكامش ويوسف التوراتي وهذه هي الأدلة :

——-

سأنتقل الآن إلى القسم الذي يتحدث فيه الأستاذ ناجح عن (ملحمة كلكامش وقصة يوسف التوراتي) ، ومن العنوان أتساءل هل يجوز مقارنة ملحمة أبطالها – بالتعريف – خارقون ومنهم من هم آلهة ونصف آلهة بقصّة بطلها إنسان بشري عادي حتى لو كان نبيّاً ؟؟

الجواب هو : كلّا .

لكن متى يصحّ ذلك ؟

يصحّ ذلك تحت خيمة الفهم التبعي والمستسلم لأطروحة (التناص – Intertextuality) التي تحدثتُ عنها سابقا حيث يصبح كل شيء شبيها بكل شيء لمجرّد أنه يشبهه في شيء بسيط ومحدّد . ووفق هذا الفهم المطّاط يبدأ ناجح بذكر التناصّات بين كلكامش ويوسف التوراتي على الشكل التالي :

(-ساهم الإله انو بخلق الملك كلكامش وكان شبيها له وسيما وجميلا ، ومنحه الاله (انليل) سلطة قوية ومنحه الملوكية ، وفوضه حكم الشعب . لقد صممت هيأة جسمه الالهة العظيمة

الملحمة/ ص 76 )

أما يوسف التوراتي :

(منح يعقوب (اسرائيل) ولده يوسف مكانة خاصة ومتميزة بين اولاده الكثر. واما (اسرائيل فاحب يوسف اكثر من سائر بنيه لانه ابن شيخوخته فصنع له قميصا ملونا فلما رأى اخوته ان اباهم احبه اكثر من جميع اخوته ابغضوه ولم يستطيعوا ان يكلموه بسلام.

تك 37 : 3-4) (6) (ويقصد ناجح بالـ “تك” سفر التكوين)

وحسب رأي ناجح سنجد في المقطعين السابقين “تناصا” بين كلكامش ويوسف التوراتي !!

وأنا أسأل : أين التناص ؟

دعوني أحدّث ناجح عن “اللاتناص” بين كلكامش ويوسف التوراتي :

– كلكامش خلقه إله ، ومنحه مكانة مميزة على شعب سومر ، ويوسف – حسب النص التوراتي – بشر مولود ، ميّزه أبوه يعقوب الشيخ ومنحه مكانة خاصة بين إخوته وهو أمر بشري طبيعي جدا حيث يكون الطفل الأصغر الجميل مميّزا من قبل أي أب خصوصا عندما يكون الأب طاعناً في السن (يوسف هو الإبن الحادي عشر ليعقوب وبعده بنيامين).

– ويقفز ناجح فوق حقيقة أن الملحمة تقول إن كلكامش ثلثه بشر وثلثاه إله ، في حين أن يوسف كلّه إنسان عاديّ .

– وإن كلكامش بدأ أصلاً ملكاً منحته الآلهة السلطة ، ويوسف بدأ صبيّاً راعياً (عمره 17 سنة) يلعب ويرتع ..

– كلكامش كان جبّاراً شجاعا ماردا وله حق الليلة الأولى ، ويوسف صبي ألقاه أخوته في البئر بسهولة ..

– وهذا الصبي في الوقت الذي كان فيه كلكامش يجوب جهات العالم الأربع ، تاه وظل الطريق عندما ترك بيتهم  حين أرسله ابوه ليتفقّد إخوته ودلّه أحد الرجال على الطريق !! .

إذا ، أين التشابه بين يوسف وكلكامش ؟

ناجح يقفز فوق عشرات الإختلافات بين الإثنين ، ويتمسك بتشابه أو تشابهين بينهما !! ولكي لا أتعب السادة القرّاء لنقرأ ما سطرته الملحمة عن البطل العراقي كلكامش في اللوح الأول منها :

(إنه البطل ، سليل أوروك ، والثور النطّاح

انه المُقدّم في الطليعة

وهو كذلك في الخلف ليحمي اخوته واقرانه

انه المظلة العظمى ، حامي اتباعه من الرجال

انه موجة طوفان عاتية تحطّم حتى جدران الحجر

نسل “لوكال – بندا” . إنه كلكامش المُكتمل القوّة

ابن البقرة الجليلة “رمات – نُنسن”

كلكامش المُكتمل في الجلال والألوهية

إنه هو الذي فتح مجازات الجبال

وحفر الآبار في مجازات الجبال

وعبر البحر المحيط ، إلى حيث مطلع الشمس

لقد جاب جهات العالم الأربع ، وهو الذي سعى لينال الحياة الخالدة

وبجهده استطاع أن يصل إلى “أوتو – نبشتم” ، القاصي

وأعاد الأحياء التي دمّرها الطوفان

من ذا الذي ضارعه في الملوكية ؟

من غير كلكامش من يستطيع أن يقول : أنا الملك ؟

ومن غيره من سمي كلكامش ساعة ولادته ؟

ثلثاه إله ، وثلثه الباقي بشر

لقد صمّمت جسمه الآلهة العظيمة) (7).

فانظر ، سيّدي القارىء ، إلى كل هذه الإختلافات الرهيبة – وهي غيضٌ من فيض – بين كلكامش البطل ويوسف التوراتي الصبي المراهق ذي السبعة عشر عاما ؛ كلّها قفز فوقها ناجح ، وبسرعة ، ليطلع علينا بنتيجة غير مقنعة ، وهي أن يوسف التوراتي في مرحلة مراهقته تلك يشبه البطل العراقي العظيم كلكامش تمهيدا للوصول – ومن دون أن يعلم طبعاً – إلى الغاية الخطيرة ،

وهي أن يوسف التوراتي موجود أصلا في ثقافتنا ووجداننا كعراقيين ، وأن التوراة – وهذا هو الهدف المستتر البعيد الذي لا يدركه ناجح ويجب علينا تبصيره به – هي جزء من ثقافتنا العراقية القديمة وجذورها فيها !!

مشاركة