الإنغمار في منطقة السؤال والشك بحثاً عن وهج الحقيقة – أيا د حياوي الحفار

325

بابل سامي – مور   11

الإنغمار في منطقة السؤال والشك بحثاً عن وهج الحقيقة – أيا د حياوي الحفار

سبق وان قرأت رواية (ادم سامي – مور) (الجزء الأول) للدكتور علاء مشذوب  قبل بضع سنين وتحديدا عام 2015   وكان لي رأي فيها وقد نشر في بعض الصحف وقد أسعدني صدور( الجزء الثاني)منها لكونها تمتلك  فضاء واسعا يمكن أن يملاء من قبل الكاتب وهي خطوة كانت ضرورية لابد من استكمالها فنيا وإبداعيا . لاغناء القارئ بالمعرفة التاريخية,وكشف بعض الأسرار التي لم يسلط الضوء عليها   فعبر312) ) صفحة تلك السياحة المميزة  استطاع أن يشكل في ذهن  القارئ كثيرا من الحقائق والغزارة في المعلومات من خلال النسق السردي الممنهج والوصف الدقيق لتلك الحضارة  وخلق حالة ترقب لدى القارئ وإعطائه رغبة بمواصلة القراءة والكشف عن معنى النص وماهيته  فاعتمد الدكتور علاء مشذوب في تشكيله السردي بروايته إلى محورين وكلاهما كانا مهمين جدا بتشكيل الرؤيا العامة للنص وأسباب تزامنهما طوال زمن السرد أولاهما الفلسفة التأملية وهي التي تتميز بقدرتها على طرح التساؤل في مكونات الفكر بكل تشضياته معتمدا في ذلك على إظهار اعتقاداته من خلال إثارة الجدل بشان تلك الأسئلة الأزلية والتي رافقت الإنسان منذ القدم  فعقد مقارنات بين التاريخي والمقدس وهذه نقطة كانت مهمة جدا لدى الكاتب قد يلمسها القارئ منذ الصفحات الأولى حيث  ابتدأ بالآيات الكريمة من سورة البقرة بوصفها المقدس من جهة  وأقوال المشاهير من الباحثين وعلماء الآثار أمثال هيرودوت وكتاب ( بلاد ما بين النهرين ) وكتاب (كنا في بابل ) وغيره مثل جورج سميث من جهة أخرى.

(1)

لدعم المدعى التاريخي من خلالهم وتأكيده على انه الحقيقة من وجهة نظرهم  فمن هنا كانت التوطئه الأولى   أما المحور الأخر والذي كان  يشكل هاجس خوف لدى الكاتب على أثار بلاده واعتزازه وافتخاره  وزهوه بذلك التاريخ التليد ولأنه كان يمتلك الحماسة والدهشة والحب لحضارته حضارة وادي الرافدين حث على إرساء وإشاعة ثقافة الحفاظ على آثار البلاد وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من ذلك الإرث العظيم .

فحملت الصفحات في طياتها سمة الحزن والألم الممض على ما آلت إلية تلك الحضارة من اندراس بسبب الإهمال المتعاقب من قبل الحكومات فلذا كان نذير الشخصية الرئيسية في الرواية وهي الشخصية المحورية كان ينوء تحت ثقل تلك الأسئلة أولا واحتدامها وذلك الخوف والألم ثانيا  فسعى جاهدا الى ترسيخ تلك الثقافة  وإظهار قيمة تلك الحضارة الممتدة لأكثر  من ألف وخمس مئة عام وهي تحكي قصة الإنسان عبر تلك ألازمنة فاستطاع ان يجد من خلال البحث في الرقم الطينية التي تزخر بها حضارته العريقة إجابات لتلك الأسئلة فاستخدم الراوي الحوار المتنامي المكتظ بالأسئلة التي من خلالها تطرح أفكار الراوي من إشكالات عقدية ومنها التشابه الحاصل بين قصص بعض الأنبياء وبين الأساطير والمدونات في الرقم الطينية فأعطى مساحة واسعة لكشف جوانب الإبداع   للأسطورة معتمدا في ذلك على المصادر والدراسات المهمة في ذلك المجال وربطها بالمقدس من حيث التشابه والحيثيات وهنا كانت الإشكالية التي من خلالها كان الكاتب يريد طرح رؤيته هو بين الحين والأخر وذلك كان واضح جدا وهذا من حقه فكما يقول في احد حوارياته النابعة من ذاته (الأفكار الحية تخلق من الأرواح المتحررة لتبقى فنارا للأجيال التي تعشق الحياة)  فالدكتور علاء مشذوب اظهر مقدره عالية بتوصيف الحضارة البابلية بكل جوانبها السياسية والاجتماعية والعمرانية بل ذهب إلى ابعد من ذلك.

(2)

الى تفاصيل المعيشة الأسرية وحقوق الوالدين وقانون الوراثة والتبني وحياة العبيد والجواري والخدم والزراعة والحرف والعادات والتقاليد البابلية , اما ما يخص الحكام البابليون فسطر لهم  وصفا جميلا ممتعا لأنه كان لا يهمل جانبا من  جوانب حياتهم وانجازاتهم العظيمة  الا وذكره ومن الملفت للنظر انه كان يسلسل أسماء حكام المدن وأصولهم الآرامية وانجازات كل منهم- وإحصاء أعمالهم إحصاء دقيقا موثقا بالأرقام حسب ما نقل عن التراجم وهناك شيء جميل يحسب لصالح المؤلف وهو السرد المفصل لنشاة وحياة حمو رابي الملك البابلي  العظيم صاحب أول مسلة ومشرع القوانين كيف ترعرع وكيف قضى طفولته وصباه ودراسته في المعبد وزواجه وعلاقته بأمه وأبية وكل رغباته وهذا مالا تجده في اغلب المصادر التي كتبت عن حمو رابي, ومن المتعة التي تستحوذ على روح القارئ قبل ذهنه النصوص التي تقرا من الألواح الطينية والمصحوبة بشاعرية عالية وبصياغات متعددة تستمد قيمتها من قوة الوصف العالية واللغة السيمفونية الساحرة التي تأخذ القارئ إلى عوالم ملحمية قد أبدع الكاتب في صياغتها كما خاض في مجال السحر بوصف ان السحر من الأمور المهمة في حياة البابليين مصنفا استخداماته إلى سلبي وايجابي إي الخير والشر وهذا كان أيضا طرحا جديدا غير مسبوق  وكذلك عرج على الأشعار و الاوزان الشعرية وحياة الأدباء وما يتعلق بهم من شؤون ثقافية هكذا ظل يتنقل في تلك المحطات من الحياة البابلية دون ان يترك مجالاً الا وأغناه بمخيلته الخصبة وتوصيفاته التي لامست المبنى الفني الحقيقي, (بابل سامي – مور 11 ) عمل جميل رائع فيه الشيء الكثير والاهم ما فيه فوق جمالياته ظاهرة القلق و(هي ظاهرة انسانية لا تتوفر في اي من الكائنات الاخرى على وجه البسيطة ) وكما يقول الكاتب (يموت الانسان من غير اجوبة افضل من العيش دون اسئلة ) فكل ذلك ليس بالجديد على الدكتور علاء مشذوب فكل متتبع لنتاجاته يجد مثل هذا الطرح ودوامة الاسئلة العميقة  التي لا تخلو من الحكمة وكما يقال ان الحكمة ضالة المؤمن.

مشاركة