البنية الواصف في النص الروائي – محمد المياحي

159

البنية الواصف في النص الروائي – محمد المياحي

يُعد الوصف لغة تؤسس لوجهات نظر سردية في الخطاب الروائي ، ومن منطلق أنّ منجزنا الكلامي يحفل بحيز كبير من الوصف ، إذ لا تخلو الأسماء والأفعال المحكية من شحنة وصفية ، فيصبح لهذه الشخصية دور في تمــيز خطاب عن آخر .

لكن على الرغم من أنّ عنصر ((الوصف)) في الأدب القصصي ، أصبح منذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين يتبوأ مكانة رفيعة لا تقل في الأهمية عن مكان السرد فأن هذا العنصر – أعني الوصف– ظل عهوداً طويلة عنصراً ثانوياً تابعاً للسرد، وبالرغم من أنّ نقاد الكلاسيكية دعوا إلى السخاء والإسراف في الوصف ، إذ نظروا إليه على انه عنصر تزييني أو زخرفي في النص، إلا أنّ هذه الرؤية لم تدم طويلاً ففي النصف الثاني من القرن العشرين ، الذي شهد تغيراً حاسماً في العلاقة بين عنصري السرد والوصف ، فقد تقدم عنصر الوصف إلى مقدمة الصورة ، ولم يعد ينازع السرد مكانته بل تبوأ ولاسيما في الرواية الجديدة، مكانه ارفع من مكانة السرد، بحيث بدا هذا العنصر الذي كان عنصراً مهيمناً ، وكأنه أصبح تابعاً للوصف ، ومن ثم صرنا نسمع مصطلحاً جديداً هو مصطلح ((الوصاف)) إلى جانب مصطلح السارد أو الروائي ، ومن الأمور التي لابد من الإشارة إليها هي رؤية بعض المدارس النقدية لطبيعة الوصف، ففي ((الرواية الرومانسية مثلاً قدمت نماذج وصفية للقلب … في حب وفرح وحزن ووصف للطبيعة من انهار وأشجار وطيور …الخ ، أمّا الرواية الواقعية فقد اتكأت على وصف الواقع ؛ للكشف عن المضامين النقدية التي تريد أن تنقدها أو تغيرها ، بينما الرواية الرمزية تجلّت أوصافها بلغة ايجابية مكثفة دفعت المتلقي فيها لتأويل هذه الأوصاف)).

إنّ إضفاء سمات فنية دلالية في المبنى الوصفي يثري لغة النص الروائي ويجعلها لغة أكثر حيوية ، من هنا توجه النقاد والدارسون نحو الوقوف على جزئيات هذا العنصر ، لاسيما الدارسون الغربيون فـ(ميشال بوتور) في كتابه (بحوث في الرواية الجديدة) إذ يولي الوصف اهتماماً لافتاً من خلال ربطه بما سماه بـ(فلسفة الأثاث) ، ولعل ما ذهب إليه (بوتور) هو التوسع الدلالي بجزئيات الحيز المكاني فهذه الجزئيات ذات دلالات إيحائية لمفاهيم أوسع من هنا يقول : (( إن لكل غرض وظيفته المباشرة الواضحة ، ولكننا حين ننظر إليه من الناحية الفنية فإن هذا الغرض يتعدى وظيفته الأولى، ويكتب وظيفة أخرى غير التي صنع من أجلها))، من ثم يربط (بوتور) بين مسرح الأحداث لاسيما الفضاء المكاني وسمات الشخصية فعنده ((الأثاث في الرواية لا يلعب دوراً شعرياً اقتراحياً فحسب ، بل دوراً ايجابياً لان هذه الأشياء مرتبطة بوجودها أكثر مما نقر ونعترف عادة . وان وصف الأثاث والأغراض هو نوع من وصف الأشخاص التي لا غنى عنه …)) ، وعليه فإنّ (ميشال بوتور) يعد الوصف الأثاثي ثيمة واعية للوقوف على ظواهر الشخصية وبواطنها وتأريخها ، ويضرب مثلاً بأحد كبار الروائيين ألا وهو (بلزاك) يقول : (( فعندما يصف لنا بلزاك أثاث قاعة ما فهو يصف تاريخ الأسرة الذي يشغله وإذا كانت المقاعد موزعة فذلك يدل على إنّ الأسرة قد ساءت أحوالها ولا ينطبق ذلك على الأسرة وحدها ، بل على البيئة بأجـــــــمعها …).

أمّا (ألان رون غريبة) في كتابه (نحو رواية جديدة) فقد قدم مقالة نقدية حول الوصف تحت عنوان (الزمان والوصف في القصة المعاصرة) ، تناول فيها بعض الإشارات حول تاريخ الوصف في الرواية ، ومن ثمّ أعطى بعض المفاهيم الواضحة والمحدودة لتمظهر البناء السردي في النسيج الروائي ، فمع اعترافه بأنّ الوصف ليس اختراعاً حديثاً بوصفه ثيمة سردية أخذت مساحة في نصوص الروائيين السابقين (بلزاك والرواية الفرنسية) ؛ إذ طفحت الجزئيات المكانية والملابس الموصوفة بدقة وإسهاب شديدين.

فضلاً على ذلك يرى (الان) أنّ الوصف في هذا الوقت يهدف في معظم الأحيان إلى بناء ديكور، والى تحديد إطار الحدث وتصوير الشكل الفيزيقي للأبطال والشخصيات الرئيسة( *)، ومن جهة لم تكن هذه الرؤية عنده مجرد طرح فني جمالي وإنما الوظيفة المتوخاة وهي المحفز لهذا التأطير الواعي لنسق الوصف ؛ ذلك لان ((ثقل الأشياء الموصوفة بهذه الطريقة الدقيقة يشكل عالماً مستقلا مؤكلاً يمكن الرجوع إليه بعد ذلك بسهولة ، عالم يؤكد بفضل تشابهه مع عالم الواقعة)) أضف الى ذلك إنّ (الآن من الدعاة إلى رواية جديدة جاءت أطروحة متناسقة مع رؤية هذا الاتجاه ، فهو يرى إنّ الديكور هو عبارة عن صورة للإنسان ، كل حائط وكل قطعة أثاث في الدار كانت بديلاً للشخصية التي تسكن هذا الدار ، غنية أو فقير قاسية أو عظيمة ، زد على ذلك دعا (الآن) إلى مراجعة سلطة القارئ في النص من خلال إسقاط الصفات الوصفية فهو يرى أنّ الوصف بالنسبة للمتلقي إطار على الرغم من إنّ لهذا الإطار معنى مطابق لمعنى اللوحة التي يحتويها.

أمّا (جان ريكاردور) فقد خصص مقالاً تناول فيها قضايا الوصف سماها (قضايا الاحتراب النصي اعتباراً من مدام بوفاري) ، لعل من أهم ما تناوله في هذه المقالة هو تقنية كتابة الرواية إذ عدّه نظام الحكاية الأساس في تحضير الرواية ؛ ذلك لان هذا النظام يقوم على التعرض لحوادث وأحداث من جهة وفق نظام من الوصف …وهو يرى انه لا توجد حكاية بلا وصف وقد نوه (ريكاردور) إلى فاعلية الوصف فهو يجد أنّ الوصف يقتضي انقطاع الصيرورة الزمنية ويعطل حركتها وهذا ما يؤكد قوله : ((بما إن الوصف يوقف سير الأحداث بعد أن يعلق الزمن ويثير نمواً عمودياً)) إلاّ أننا نلمح في بعض نصوص (ريكاردو) ، أنّ الوصف في المسار السردي يحمل بعداً دلالياً وسط أحداث النص وضمن إطار ألحكي وبهذا يكون هذا العنصر عنصراً خلاقاً يقول : ((إنّ الوصف مدرج دائماً في حكاية ، ونريد أن نكتب كل وصف يبعث حكاية بنفسه ، حكاية واضحة ضمن الوصف على وجه الأجّمال)).

مشاركة