قصة عائلة ومدينة وتاريخ وطن – حميد الحريزي

221

الساخر العظيم للروائي أمجد توفيق

قصة عائلة ومدينة وتاريخ وطن – حميد الحريزي

((الحياة ليست ما يعيشه احدنا وإنما هي ما يتذكره ، وكيف يتذكره ليرويه)) غابريل غارسيا ماركيز*

عنوان الرواية يحيل  الى  فاعل  يمثل دور  مراقب  عام  للأحداث ومجرياتها وتحولاتها ، للأفراد  وتحولاتهم  من حال الى حال ، كل  يظن او يعتقد  بان وضعه سيكون  باقيا  على ما هو عليه /وسوف يكون  عصيا على التغيير والتبدل ، فالبؤس دائم ، والغنى  والثراء دائم ، السلطة والحكم  والجاه دائم ، الفكر والمعتقد  دائم ، العزة والكرامة  دائمة ، الدونية  دائمة ، القبح دائم  والجمال دائم …

يقف هذا المراقب  شاهدا  على التحولات  باعتبارها هي حالة الثبات  فلا ثابت إلا المتغير ، وكأننا نراه يضحك  ملء شدقيه هزءا  في من يعتقد بالثوابت  مبعدا كل احتمالات التغيير والتحول ، انه  الزمن  هذا الشاهد والمشاهد  والموثق والمطلع  على  التحولات  رفيق التغـيير الدائم  وعدم الثبات…

((السخرية بلسم ضد تابوات السياسة والدين والجنس والمكانة الاجتماعية والصفة الوظيفية  او الحزبية ، أو اية صفات يتصور اصحابها انها تمنحهم حصانة ما)) رص266.

والسخرية هي امكانية تسفيه  ومقاومة  انسانية  لحالة او سلوك  او ظروف قاهرة يصعب عليه  مقاومتها  او ردها ، هي سلاح  فعال للنيل من الفاعل  ومقاومة  ذكية  فطنة من قبل  المفعول به ، تتخذ مختلف الطرق والوسائل والأساليب  تعتمد على  ثقافة وتجربة وحنكة الساخر ، غالبا ما تتسم بالتلقائية والعفوية  ومظاهر السذاجة  كسلاح للتهرب من العقوبة  وتجنب الاذى ، وتتغلف بغلاف  الحكمة  والدهاء  والتورية في وقت وظرف  لا يمكن الساخر من  الرد المباشر الصريح  وعدم توفر مستلزمات  المقاومة  وردة الفعل  الجادة  الواضحة  المباشرة ، هذا الاسلوب  هو اكثر الاساليب  الذي   يخافه  ويتحاشاه  الفاعل  مما يجعله  يحسب الف حساب للساخر … هكذا مثلا كان  ((البهلول)) في التراث العربي الاسلامي وغيره الكثير في مختلف الازمان والعصور…

اما  من هو الساخر العظيم  فهو ((الزمن ))  هذا التيار الجارف الزاحف  والمراقب الذي لا يمل والشاهد الذي لا يغفل عن تسجيل كل  واردة وشاردة في  حياة  البشر خصوصا  وهو مالك الحق الكامل  ليسخر مما يرى  ويشاهد من افعال  البشر  ووثوقيتهم   في اللاتغيير

((من حق الساخر العظيم أن يواصل سخريته وهو يرى ويسمع المحاولات الخائبة لحصر الحياة في تعريف ، من حقه أن يستلقي على قفاه من الضحك، وهو يشاهد أن ثمة من يحمل دلوا ، يتصور انه قادر على سجن ماء نهر)) رص613.

يشترك الروائي ((امجد توفيق)) مع الزمن  يرافقه وهو يشهد  التحولات العراقية للحكام والأفراد والمدن والعقائد  في روايته  لشهادات الساخر العظيم ،تحول الديكتاتور  العظيم  الى فأر صغير في حفرة  حقيرة  الذي  كان يتصور نفسه  انه ملك الجهات الاربع ، تحول ((سليمان)) الازيدي الى  مسلم ،المصلي في الصف الاول  الى  سارق  ،الوطني الى عميل  وخادم للمستعمر الفقير الى ثري ، العفيفة الى  عاهرة ….الخ .

فهو بذلك رصد الحياة بعين المراقب والروائي الفطن الحساس ، مدركا  ان نهر الحياة دائم الجريان  والتغيير ، اذا  سكن  او توقف اصابه الركود والعفن  فلاحياه له إلا بالحركة الدائمة الحركة المرئية والحركة الداخلية المستترة .

الصحافة  واقعها وتحولانها

الصحافة  النزيهة  والواعية  والممثلة بالصحفي الصادق الواعي  المخلص لشعبه ولوطنه ، المنحاز لقضية الحب والجمال  والعدالة  والديمقراطية  هو المصباح الوهاج الذي ينير الطريق  للجماهير  التي تفتش عن الحقيقة  وتتلمس طريق الحرية  والخلاص من القهر والاستغلال ، لذلك فالصحفي  والصحافة  لا تغيب عن عيون  قوى الظلام والتخلف والقمع والاحتلال والاستغلال  مما يجعلها   تسلك اساليب  الترغيب والترهيب  للاستيلاء  على عقول الصحفيين  وضم المؤسسات الصحفية تحت هيمنتها  لتكون وسيلتها في التضليل والتجهيل  وتأبيد هيمنتها على ثروات ومقدرات الشعوب …

يقدم لنا الروائي  نموذجا  لمثل هذا السلوك عبر مؤسسة  العميل ((فهد الجاسر)) زير النساء  والقابض على  مال العمالة  وذراع  الامريكان  وشركائهم  في  تجنيد صحفيات وصحفي  العراق  لخدمة اجنداتهم  وتنفيذ خططهم  في البلاد ، نعم هذا الحيوان المفترس الجاسر على  استقلال بلده وكرامة أبناء وطنه ، وقد وضع  الامريكان  تحت تصرفه  رزم الدولارات  ورهط من العاهرات الجميلات  كمصيدة  لاستدراج وشراء ضمائر  اصحاب الاقلام  الرصينة والحرة  وأصحاب الكفاءات في  ادارة المؤسسات الصحفية ، وهذا  ما اريد له ان يحدث مع ((سيف ابراهيم  سلمان الاصيل))،فباسم  المهنية  وتقدير الكفاءات  استدعي ((سيف الاصيل)) لترؤس المؤسسة الصحفية والإعلامية  الممولة من قبل الامريكان  تحت قناع   ((فهد الجاسر))، وقد زرعت  بالعديد من الجواسيس  كلاب الصيد من امثال ((ناظم )) الذي كان عين ((فهد))  على  صحفي المؤسسة ، بالإضافة الى  الصحفيات الجميلات  موضع تفريغ طاقة ((الحبوب الزرقاء)) لدى  ((فهد))  وأسياده  مثل ((ديك ستيوارت)) رجل المخابرات الامريكي  امثال ((نور)) و ((ندى )) وغيرهن الكثير…

كذلك   سعى ((فهد الجاسر)) وزمرته الى  قتل روح الوفاء والمبدئية  وخيانة قيم الصداقة  عند بعض الصحفيين   أمثال ((علي)) صديق  ((سيف)) الذي قدم له  افضل الخدمات وانتشله من البطالة  والبؤس  والفقر ، فيتحول الى  كاتب تقارير  تسيء الى صديقه علي  امل  ان يترأس  هو المؤسسة …  فهذا جزء من تخريب وتجريف القيم لدى المواطن العراقي  ومنهم  المثقف  الصحفي والأديب  ضمن مخطط  واسع ومبرمج  ومدروس  لتجريف  القيم  والكونفورميا الاجتماعية الايجابية عند الانسان العراقي لكي تحكم قوى الاحتلال والاستغلال  قبضتها  على الشعب  وسرقة ثرواته وسحق سيادته ، عبر التعهير  والتجيير  وسحق الذات  الحرة المستقلة ..

تمكن الروائي  أن يضع أمام القاريء  الأساليب القذرة  التي انتهجتها المخابرات الامريكية  وذيولها  لتسقيط  الصحفي الوطني  الحر ((سيف)) والذي كان سيفا   قاطعا   بتر كل مؤامراتهم وخططهم  القذرة   ، مترفعا على مناصبهم وإغراءاتهم  التي عجزت حتى ان تشتري  ضمائر العاهرات   فقد تمكنوا من شراء اجسادهن  ولكنهم عجزوا عن شراء  ضمائرهن ودفعهن  لخيانة اوطانهن فأثرن الهروب  بدلا من الأستمرار في  مهزلة  التعيير والتجيير والزيف  المتمثلة بشخصية ((فهد )) ومن على شاكلته .

رفض وكشف  ((الاصيل)) كلل هذه الأساليب وانتصر لذاته  ولعبه ووطنه  والتحق  بقوى تحرير  الموصل  من  ((داعش)) الأجرامي   وتعرض  لمحاولات الأغتيال  وتعرضه  للإصابة اثناء معركة التحرير   ليحتفل بالأخير مع  العراقيين وعائلة الأصيل   ومنهم ((سيف)) بعد تحقيق النصر على ((داعش)) في الموصل وغيرها ((حيث اصبحت ((السيكارة وقنينة الخمر اخطر من الطاعون ))ص464 في نظر الدواعش

(( بين التعجب والاعجاب بين الحماسة ووجيب القلب ، رسم سعد صورة جديدة تماما لابن عمه سيف ، لم يكن نائما ليسوغ لنفسه، كيف رأى سيفا يلوح بالنصر ، وهو يحتضن كنز جده)) ص646.

نموذج يقول ان الصحفي العراقي والمثقف العراقي الاصيل  كما هي كل عائلة الاصيل  لا يمكن  ان تخضع  لقوى الاستغلال والفساد والإفساد ، عائلة اختلط  فيها دم المسلم وازيدي  والمسيحي  وحافظت على ((كنز)) هم جميعا ليبقى في محفوظا في تراب الوطن  وضمن جغرافيته وبين ايدي اهله … فهو نموذج مصغر للامة العراقية  بكل مكوناتها  تمثثل فيها الشجاعة والوفاء والأصالة وحب الانسان والوطن  وعدم  الرضوخ  لأرادة المستعمر  والمستبد رغم كل الظروف . فكان  لقب الأصيل استحقاقا  وطنيا  وأنسانيا   لهذا النموذج  الحقيقي للأمة العراقية .

ثبات أصالة العراقي رغم  قوى الترهيب  والترغيب والتجهيل والتضليل :-

أصالة المواطن العراقي  وانهزام ألأرهاب :- كما  اوضحنا سابقا  ما تعرض له  الصحفي والمثقف العراقي  ، مورست  اساليب  اقذر وأحقر وأقذر منها ضد المواطن العراقي  ولعشرات من السنين  من قبل المحتل  الخارجي  و  المحتل ((الوطني))  المدعوم  خارجيا ، من  تجويع  وترهيب وتضليل وتجهيل مبرمج  ومخطط له   من قبل مؤسسات  كبرى  عالمية ومحلية  متخادمة  مع  قوى الاحتلال والاستغلال  على الاقل منذ الاحتلال  العثماني  التركي  لقرون من الزمان ، والاحتلال الانكليزي ، ومن ثم الحكم الملكي  التابع   للمستعمر  وشركات ألبترول ومن ثم  خنق حلم الرابع عشر من تموز  بالتعاون بين الرجعية المحلية والمخابرات الامريكية  وقد  استمر نزيف الدم العراقي  في العهود اللاحقة  وأخرها  زمن الديكتاتور  المنهار  وحكم ((الدم قراطية )) الحالية…يكاد كل منصف يقول  ان ما تعرض له  المواطن العراقي من القهر والتجويع والترويع  لم يتعرض له أي شعب  آخر لا من حيث الزمن  ولا من حيث الأساليب ، رغم ذلك  لم تتمكن هذه الماكينة  العملاقة القاهرة  ان تستأصل  قيم  الحب والتضامن والتكافل  والوحدة بين افراد الشعب العراقي بمختلف قومياته  وأديانه وطوائفه  وحتى طبقاته في وقت الشدة ….

سليمان الازيدي  يتحول الى مسلم  ويتضامن مع  الاثوري  المضطهد ومع اليهودي المطرود  ظلما ، وليبقى  محتفظا  بودائعهم  في أشد الظروف عوزا  وإرهابا  وخوفا ،  وكما كانت  المسلمة في حضن الزوج  سلمان الأيزيدي الاصل ،  عادت بهار لتكون  في حضن  ((سعد)) المسلم  الذي   كان له فضل حمايتها وتخليصها من  قهر الارهاب  والاغتصاب  مضحيا بحياته  وحياة اسرته ، لم يكن   لقب ((الاصيل)) إلا استحقاقا  لسلوك انساني لا يعرف التفريق على اساس ديني او عرقي ، ووطني  لم يعرف الخضوع  لقوى القهر   مهما كان  اسمه او دوافعه …

لقد كان  الروائي   غاية في الانسانية والإنصاف  وهو  يوثق  لما تعرض له  الاحبة الاخوة  الاثوريين  لمجزرة وحشية  لأنهم طالبوا باستقلالهم   او بنوع من الحكم  الذاتي  لقوميتهم  عام 1933(( بدأ الهجوم على القرى الاثورية من قبل العشائر ورجال الشرطة من القوة السيارة ، وقتل المئات من الاثوريين ، نهبت قراهم وممتلكاتهم…))ر ص44.

ف سليمان  وأولاده (( ابراهيم  وشهاب )) وأحفاده (( جلال  وسعد واحمد ومحمد )) ، والمقاوم الشهيد البطل  ((بارق)) و الشيخ ((هاني الاعمى)) وولده ، والتاجر اسماعيل وعائلته ، انما  هي  نماذج  لأقمار من  الانسانية والوطنية  تنير سماء  وفضاء وارض  بلاد الرافدين رغم دياجير الظلام  وأحابيل قوى الشر  والقهر  مما اثبت ولا زال يثبت  لكل من يسول لنفسه  قهر العراقي او اذلاله او مسخ  شخصيته    بأنه لازال  عصيا على  الترويض ليكون مطية  للقوى الاستعمارية والعرقية والطائفية ، وان باع الاسد  فان الروح تبقى  حاملة للسمو وللحب   والثورة  ضد القبح  والظلم . فعلا حكام الخضراء ومن  يسندهم ان  يستوعبوا الدرس ويتعلموا من التاريخ  فالذهب  النقي لا يمكن ان يتحول  الى نحاس مهما طال زمن غمره  بالعفن  والقذارة  والأوحال  فسرعان مايعود  لامعا  مشرقا   مبرزا جوهر الحقيقي …

ازدواجية وذليلة

فعلى كل  الاصوات  النشاز  الذي  يلقي باللوم على الشعب العراقي وتصفه  بالازدواجية  والذيلية والتبعية  ان تخرس ، فعود الخيزران  قد  ينحني امام الرياح الصفراء ولكنه لا ينكسر وسيبقى يحمل   صفة اللسع المبرح  على ظهور الطغاة  والقتلة …

 وأنا اكتب هذه المقالة  تشهد ميادين الكفاح من اجل  الحرية والرفاه  فوران شباب  وشيب  وصبيان  ونساء العراق  في ثورة عامرة  قدموا فيها قرابين الفداء   لطرد  قوى القبح والجهل والطائفية والعرقية والفساد ، تذكرنا  بانتفاضات شعبنا في الثلاثينات والاربعينينات  والخمسينات  ضد قوى التخلف والرجعية والاستعمار وتذكرنا بانتفاضة شعبنا  في  اذار  1990  ضد الديكتاتورية ، ضمائر الطغاة   تموت  ولكن ضمائر الاحرار   حية لا تموت .

يقف  ((بارق )) بكل عنفوان  الشباب والثورة والمقاومة ليهتف بحياة الموصل والموت للدواعش (( حينها بادر احد الدواعش وافرغ  مخزن بندقيته الاوتاماتيكية  في جسم بارق الذي اخذ يتخبط ثم سرعان ما هدأ)) رص554-555.

وقد ظهر جوهر الموصليين  الحقيقي الرافض للدواعش  ودولتهم دولة الخرافة  من خلال تحدي الدواعش  والتشييع المهيب  لجثمان الشهيد بارق  الذي عجز الدواعش  عن منعه  او تحجيمه  فلاذوا  بالهرب تلاحقهم لعنات الموصليين الاحرار …

وقد كان للروائي أشارة واضحة  الى عجز لمحتل مهما بلغت قوته  وقدراته التقنية  عن القيام بعض المهام  التي انجزها  العراقي  الوطني  بقدرة وكفاءة كبيرة  كما حصل  في محاولة تهريب  ((بهار))  وايصالها  الى اربيل  حيث فشل الامريكان  في مهمتهم  بينما تمكن المقاوم العراقي ((بارق))  من  تنفيذ لك  فابن الوطن هو الاجدر  والاقدر على الفعل في بلده …

المرأة  في  رواية ((الساخر العظيم)):-

((حيث يوجد رجل وامرأة مجتمعين، يكون الله  حاضرا))جوزيه ساماراجو –موت ريكاردوس ص246

في ((الساخر العظيم )) نطلع  على العديد من الاسماء النسائية  (( نور ، ندى ، بهار ،نجاة ، اسيا ، سليمه ، وداد ، كوثر ، بنات الصائغ )) ، تحمل مختلف الصفات  زوجة  وام  وعشيقة ومسبية  وصحفية ، ولكننا نلاحظ ان دور  المرأة  كان   شبه سلبي ان لم نقل سلبيا  وغير فاعل  في عموم الاحداث  بل  على الاعم الاغلب  ضحية  عنف  بشكل او اخر  ، اشد  واقسى حالاته  العنف  الذي تعرضت له  النساء  الايزيدات((بهار)) وغيرهن من قبل  الدواعش  وخصوصا بعد استيلائهم على الموصل  واطرافها وقد  اهتم الادب والصحافة كثيرا  بماتعرضت له  النساء الازيديات  من سبي واغتصاب وهو امر لم يكن  جديدا في  التاريخ العربي الاسلامي  بل رافق كل الفتوحات الاسلامية حتى في عصر الخلفاء الراشدين ، في حين لم  يركز على المجازر  والتعذيب  الوحشي الذي مورس ضد الرجال والاطفال ،  وبالمناسبة فان  اسم  ((بهار))  كان صاحب حظوة كبيرة في  الادب الروائي  العراقي    فان هناك رواية  بهذا العنوان ((بهار)) للروائي العراقي  عامر حميو  تتناول  مأساة سبية  ازيدية  بنفس الاسم  ….

ولكن الروائي  ((امجد توفيق))  لم يغفل  اشكال العدوان الاخرى التي   كانت تمارس ضد المرأة العراقية  عموما ومنها استغلالها جنسيا  واستباحة جسدها من قبل أصحاب المال والسلطة  سواء في الجانب الداعشي او في الجانب الاخر   فنموذج المراة العجوز العربية المسلمة  التي حلق شعرها وتعرضت للعض والاهانة  امام الملأ من قبل  دواعش الموصل  احد هذه التنماذج ، وماتعرضت له الصحفية نور و زميلتها  ندى  واسيا  من  امتهان الجسد  حد الابتذال من قبل فهد الجاسر ومن قبل الامريكان  نموذج  ا

آخر  من العنف الممارس ضد المرأة في  ظل سلطات  قمعية استغلالية   ومجتمع غير متوازن تمسخ فيه  ذوات الناس  وخصوصا  النساء باعتبارها  الجنس الاضعف في المجتمع … نلاحظ  مدى  استغلال المخابرات الامريكية  للفتيات الجميلات العراقيات المثقفات في  خدمة مصالحها  وايقاع  الرجال  من مسؤولين او  شخصيات  اجتماعية هامة في شباكهن ومن ثم  ارتباطه  بالمخابرات الامريكية وتنفيذ مخططاتها   وهذا ما حدث  لندى ونور  الذي اضطرها  اخيرا  الهجر الى امريكا .

كذلك يبدو لنا ان الروائي  يرى ان ليس هناك مايمنع من متعة  الجسد حينما تتوفر القناعة بين الطرفين ، بل على الرجل ان لا يرد  طلب جسد  انثى  لأي سبب كان ((ان الله لا يغفر لمن يتخلى عن دعوة أمرأة)) ر ص453.  طبعا هذه فتوى جريئة  في  أحقية متعة الجسد، لأنها حاجة انسانية عاطفية  لابد من اشباعها  وان  المرأة  ستجد الف ثغرة وثغرة  لتشبع رغبتها ان مورست ضدها  الموانع والكوابح التي تتبخر ولا تصمد  سواء عند الرجال او النساء حينما تتاح  لهما الفرصة  بعيدا عن مواعظ المنابر وصراخ الحناجر بالعفة والفضيلة  والشرف  …لا يمكن  أن تحد منها  ألا حرية ألاختيار العاطفي للمرأة والرجل  وهذا ما تفتقده مجتمعاتنا العربية والإسلامية خصوصا  وفي أغلب دول العالم عموما  نتيجة لفقدان العدالة والمساواة  والهيمنة الذكورية وسطوة المال والدين  على مقدرات الانسان .

مهارة وفطنة في توثيق الحاضر ، وذكاء في استحضار الماضي :-

تمكن الروائي الفطن  من استخدام حبكة  سردية فاعلة في التنقل بين الماضي والحاضر  والربط بينهما ، وتتبع الجذر  من قبل  امتداده  الحياتي  في الحاضر عبر  استحضار  مخطوطة الجد ((سليمان))  ضمن  بعض المحفوظات  في  مخزن  البيت الكبير للعائلة في الموصل  الذي اختفت فيه  الأيزيدية  الهاربة من داعش ((بهار)) وسلمته  لحفيده ((سعد شهاب الاصيل ))، هذا  الأصيل  السعد الرابط بين الحاضر والماضي منقبا  في الماضي وكاشفا اسراره  وحل الغازه ورموزه ودلالاته  وفك شفرة ارقامه   ليربطه بالحاضر والسعي للمضي الى المستقبل  السعيد  للأنسان بارتباط  ((السعد الأصيل)) بال((بهار ))  ربيع  الجمال المحرر من الاسر بغض النظر عن  الدين والقومية والجنس والطائفة ، وقد أنتصر لها  ال((سيف)) المثقف  الأصيل  عاشق الحياة  وقاوم كل  وسائل الترهيب والترغيب من قبل قوى الداخل والخارج   ليرفع  اصابع النصر وهو  يشهد استخراج كنز الجد الاصيل  المعبر عن  تلاحم كل فئات وشرائح الشعب العراقي  بقومياته   وأديانه  وطوائفه  وطبقاته  الحرة الوطنية (( مسيح ، يهود ، مسلمين ، عرب  ، اكراد ))، فكان  الروائي  موفقا جدا  في  شد القاريء في التنقل  الرشيق  مع  شخصيات الرواية  من عصر الى اخر  ومن زمن الى اخر لتكون الصورة بأوضح  حالة ، مفسرة  الحدث  الحاضر بما كان في الماضي  وكوليد طبيعي له  ، فاليوم أبن الأمس  كما سيكون الغد ابن اليوم …

الواقع والسلوك

تبدو الأحداث  عبر الرواية في غاية الواقعية  لسلوكيات مختلف  الشخصيات  ومشاعرها  وسلوكياتها  الظاهرة والمستترة  دون أن يفرض عليها أرادته وأيدولوجته  وينتصر للجمال  والوطن

نعم أنها رواية احداث  وأفكار  دون  شعارات   ودون  تقريرية صحفية أو  مباشرة ف الترويج لفكرة محددة أو محاصرة القاريء  ضمن  أسيجة وأقفاص  توجه محدد .

أمتدح الشيوعيين عبر  اتهام أحد الشخصيات الوطنية  الأصيلة بالانتماء اليهم ، فضح الأرهابيين عبر  عرض  افعالهم وممارساتهم  الوحشية  ضد  الناس  ومصادرة حرياتهم  كما في  عملية قطع  يد  الصبي الصغير بتهمة السرقة بدافع الجوع  ، أو  إعدام  عشرة من الشباب بدعوى  تزويدهم الجيش بالمعلومات عن داعش، والإرهابي  جامع أصابع  ضحاياه  في حقيبة خاصة  لإثبات قيامه بالقتل  لأمرائه ، وما سبق  وان ذكرناه حول  حلاقة  شعر ألامرأة العجوز …الخ. كما  أزال اللبس عن بعض الشخصيات التي تزيت مضطرة   وتقنعت بقناع داعش  من اجل القدرة على التحرك  والفعل  المناهض لهم  وليس حبا   لهم  كما هو حال  ابن  الشيخ ((هاني)) الملتحي والمتجلبب بجلباب الدواعش ، وابن أخت  ((ابوهاشم))المجنون . لم يغفل  الكاتب  بعض الشخصيات الطريفة  التي تعيش على هامش الحياة  مثل المجنون السكير ((ابو هاشم )) المتمرد على كل   ضوابط داعش وتعليماته  الاجرامية  الارهابية ، ونموذج غير مقنع  الى ماوصلت اليه الشخصية الممسوخة في  المجتمع العراقي  حيث  يخاطب  ال الاصيل  ب (( أيها الجبناء، المدينة تموت وأنتم تجمعون ألأموال أذهبوا واسألوا أُمكم عن أبيكم، ياأولاد الزنا))ر ص 497.

ولكنه سينقلب  ب 360 درجة تماما  حينما يؤمن له  ((أولاد الزنا)) ما يحتاجه من سكائر وخمر   يصفهم  قائلا (( أنتم أشرف خلق الله في هذه المدينة )) 498ر ص.

حقارة ونذالة  الداعشي (( حسن العفري)) ومحاولاته  لأ بتزاز اولا الاصيل  لعلمه  بهروب  ((بهار)) ، والتلويح يتهديهم  كونهم من قاموا بإخفائها  وتهريبها للحصول على المال ، لم يرتدع الابتهديده  بأخبار المجرم الداعشي  ((ابو حفصة ))  الذي كانت ((بهار)) اسيرته  قبل  أن يؤيها ((سعد الأصيل)).

هذا ما يؤيد رأي ((سيف)) حول  التحولات الخطيرة التي تعرض لها المجتمع العراقي

(( ان تصدعا من نوع غير مألوف اصاب المجتمع ، فغير مفاهيم وقيما ، وأخلاقيات كانت صامدة على مدى قرون ))  ر ص271.

 وكيف أصبح ((سامي)) ابن اشهر  قوادة في الموصل  احد قادة ((داعش))  ومتحكما  برقاب وحياة اهلها (( حين سقطت المدينة بأيدي الدواعش كان سامي من الأشخاص الذين أُطلق سراحهم ، فأطلق العنان لحنجرته بالهتاف لهم، ثم انتمى اليهم ، لبس الزي الأفغاني وأطال لحيته، وأصبح دليلا للأيقاع بخصومه )) ص503? ولكن  جلال   استطاع ان يوظفه بإيصال المشروبات والسجائر الى أبي هاشم  المجنون المتصعلك . وقد  نفذ المطلوب  والأكثر من هذا   جالس  ((أبوهشام))  وتبادلا الانخاب

(( جلس مع ابي هاشم وإذا يحتسيان الخمر ، ولم تبق شتيمة في العالم لم يستخدمها ابو هاشم لكل من يتجرأ على منع الدخان والخمر )) 505.

فللإنسان حد  في تحمل  الإهانة والإذلال  وسلب ومسخ الشخصية ، ان هو تجاوز هذا الحد ولم ينتفض لذاته ولكرامته سيتأقلم ان لم نقل سيأنس هذا الحال ويدمن عليه  وكما قال  أدغار الن بو :-

((اعلموا ان هناك حدا للعار في المستضعف والمسحوق، لا يمكن لهذا الانسان ان يتجاوزه، أن يحتمل فوقه حدا سيتقبل بعده العار نفسه كمتعة ذاتية هائلة …)) ادغار الن بو -سلسلة اعلام الفكر –جان روسلو –ترجمة وتقديم كميل قيصر داغرط2

كما يلقي الضوء  على  ان الحل العسكري وحده   لا يمكن ان يحل مشكلة الارهاب الداعشي او غيره  من منظمات الأرهاب والانحراف ، بل لابد أن ترافقها فعاليات ونشاطات اقتصادية  كتوفير العمل وثقافية لغسل الأدمغة الطرية من درن العنف  ومسبباته  وخصوصا الدينية منها ، وتوفير  السكن الكريم  وضمان حرية الفرد  لكي  لا يكون فريسة للتطرف والإرهاب .

كما أنه يواجه  أقذع العبارات  وأحقر الأوصاف للحرب مهما كانت  حيث  يمسخ كل  توصيف أنساني   (( في الحرب يصبح الحديث عن بطولات  ومآثر اشبه بالبحث عن عذراوات في المواخير ، فالحرب خديعة كبرى انتجها الانسان لتسويغ فشله في حل مشاكله ، وهي عجز صريح مهما برع الساسة في فنون تجميل الوجه المسخ لها)) رص502.

كما ان الروائي  لم يغفل  كشف زيف  واحة الامان والسلام في العالم الغربي كما يظهر الاعلام  ذلك  وذلك عبر  تعرض ((سيف)) للضرب والتسليب من قبل عصابة  اجرامية من السراق  في شارع الشانزاليه في فرنسا عندما سافر الى هناك  لزيارة   ولقاء عشيقته ((ليلى)).فالرواية قصة احتلال  وتحرير  مدينة الموصل  العزيزة من  داعش ،  وما كان عليه الناس  قبل واثناء الاسر الداعشي للموصل وما بعده …رغم  ضخامة وكبر حجم الرواية إلا  ان الروائي تمكن من شد القاريء الى احداثها دون ملل  حتى النهاية  دون ان تفلت  منه  خيوط السرد  او يتيه في كثرة الاحداث  والأماكن  والشخصيات  ، كانت العبارة رشيقة والكلمة معبرة  بشكل جيد  عن مضمونها ، والصورة مبتهجة بخطوطها وملامحها وألوانها ، ف((امجد توفيق))  روائي  يملك تجربة كبيرة في   مجال السرد الروائي والقصصي  وله العديد من المجاميع القصصية والروايات  المميزة .

{ عشت لأروي- غابريل غارسيا ماركيز-ترجمة صالح علماني – دار المدى .2005

مشاركة