شخصيات في إطار عائلي ضيّق

238

مظاهر التحولات الكبيرة برواية الساخر العظيم

شخصيات في إطار عائلي ضيّق

ناطق خلوصي

 حين تصفحت رواية ” الساخر العظيم ” للروائي المبدع أمجد توفيق ووجدتها تقع في 662  صفحة ( من القطع المتوسط) تساءلت : كم من الوقت ستأخذ مني قراءة هذه الرواية الكبيرة ؟ لكنني ما إن شرعت بقراءتها حتى وجدتني أنشدّ إليها وتأسرني بمضمونها ولغتها فانتهيت منها في اسبوع دون أن أتفرغ لها تماماً . وما إن انتهيت منها حتى شرعت بمراجعتها بصورة متفحصة كانت حصيلتها هذه القراءة النقدية التي ربما لا تفيها حقها تماماً .

  صدرت هذه الرواية في طبعتها الأولى عن دار ” فضاءات ” في عمان عام 2018 وتوزعت صفحاتتها على ثمانية وخمسين فصلاً وتتمحور أحداثها الرئيسية حول الموصل حاضراً. لقد تناول عدد محدود من الروائيين العراقيين موضوعة الموصل  وهي في محنتها عند احتلالها من قبل داعش ، لكن ما يميز أمجد توفيق في هذه الرواية أنه ابن المدينة  وهوعلى إلمام كاف بتاريخها القديم والحديث  وبجغرافيتها المكانية والاجتماعية  فلم يضع في ذهنه احتمال الوقوع في خطأ ما في أي تفصيل من تفاصيل  الرواية لذلك تتالت فصولها بانسيابية  مثيرة.

 في ملاحظته التي تتقدم الرواية يشير الروائي إلى أن  روايته “عمل ابداعي معني بالبناء الفني والقيمة الجمالية ، وليس معنياً بتوثيق تاريخي للأحداث والشخصيات ،” ( ص 5 ). ونزعم بأن لهذه الملاحظة صلةًًما بالمقال الذي تُختتم به الرواية ويحمل عنوان ” السلطة ” وقد كتبه سيف ابراهيم الأصيل ، وهو الشخصية الرئيسية في الرواية : المقال الذي نسمع فيه صوت الروائي من خلال صوت شخصيته والذي يفتح أكثر من باب للتأويل لاسيما قي ما يتعلق بسياسة السلطة ونموذج الشخصية التي يرى فيها سمات القائد  مع التأكيد على أن  الروائي كان محايداً وهو يتناول موضوعه .

   تُستهل الرواية بمدخل يتقدمه مقطع يقترب من ايقاع الشعر ، يتحدث الروائي فيه عن نصه فيقول : ” أنا الراوي العليم   الذي قرر أن يكشف عن وجهه ويتخلى عن مساحيق التجميل ويمزق الستارة التي يختفي وراءها .. أشيد روايتي مستمتعاً بحكمة الساخر العظيم ،،،،،، إن الزمن هوالساخر العظيم أو الساخر الأكبر ” ( ص 9 ) ليشير بذلك إلى أن نصه الروائي سيكون واقعي المنحى ولكن دون الإخلال بفنيته .

سخرية القدر

   الساخر العظيم الذي تتخذه الرواية عنواناً لها بما يحمله ذلك من دلالة ،هو الزمن إذن . والزمن هو رديف القدر ولطالما سمعنا مقولة ”  من سخرية القدر ” لذلك فإن مقولة ” من سخرية الزمن ”  تبدو من صنع الواقع المر . فمن سخرية الزمن أن تقع الموصل  ، عن قصد أو غير قصد ، ضحية تهاون المكلفين بحمايتها ، ومن سخرية الزمن أن تحتل داعش المدينة بصورة سريعة لم تكن تحلم بها ، ومن سخرية الزمن أيضاً أن تعجز الولايات المتحدة والدول المتحالفة معها عن حماية فتاة يزيدية هربت من داعش ، وأيصالها إلى أهلها ففشلت خطة القيام بذلك ووقعت الفتاة في يد داعش وتعرضت للاغتصاب  . ومن سخرية الزمن أن عائلة  الأصيل المتزمتة أخلاقياً أنجبت زير نساء مثل سيف.ومن سخريته أيضاً ان صديقاً حميماً لسيف ممن كان قد أحسن  إليهم في العمل ، كان يرفع تقاريره عنه ليزيحه من منصبه ويحل محله .

  شخصيات الرواية محدودة  في جزء كبير منها وتنحصر ضمن إطار عائلي ضيق كان لدور الرجل حضور واضح في مقابل انحسار دور المرأة إلى حد الغياب التام أحياناً بالنسبة لنساء عائلة الأصيل بشكل خاص. ولعل هذا الغياب ناشىء عن طبيعة التقاليد الاجتماعية السائدة في الموصل .فلبيت العائلة مدخلان ،” الرئيس منهما يطل على الشارع ، والثاني يطل على الزقاق ، وهو مدخل تستخدمه النساء في الدخول والخروج التزاماً بوصايا الحاج ( كبير العائلة ) الذي لا يرغب في خروج نساء بيته عبر الشارع أمام أنظار المارة ” (ص 12)? وفي مقابل هذا الموقف المغلق المتزمت  ، وفي صورة نقيضة  له تماما ً ، نجد باب الحرية مفتوحاً على سعته أمام نساء ابن العائلة سيف ( عشيقاته ) اللاتي اختارهن الروائي بدقة ليرسم من خلالهن  صورة مغايرة للمرأة حيث تصبح هنا أداة متعة جسدية بالإضافة إلى احتمال الارتباط بجهات أجنبية  وقد وضعن أنفسهن ، أو أغلبهن ، في خدمة الاحتلال  على ما نعتقد . ولأن الأحداث المرتبطة بهن ليست على علاقة وثيقة بالتحولات الرئيسية  الكبيرة في الرواية ، لم نتوقف عندهن طويلاً مع أن تلك الأحداث تغطي مساحة لايستهان بها من زمن الرواية .

  وعلى الخط الأخلاقي الفاصل بين نساء العائلة ونساء سيف  تقف اليزيدية العشرينية بهار التي هاجم الدواعش قرية أهلها ” عين الذئب ” وأسروها مع أهل القرية واختارها أمير الجماعة  سبيّة له ليتمتع بها ، لكنها استطاعت الهرب حتى وجدها سعد (وهو أصغر أبناء عائلة الأصيل )قرب البيت الكبير فآواها وربطت بينهما  علاقة حب على الرغم من اختلافهما في الديانة  لكنه اختلاف سرعان ما تبين أنه لم يكن صحيحا ً  . لقد أحدثت بهار  نقلة نوعية في مسار أحداث الرواية حين عثرت على مخطوط يعود للجد ، وحضور المخطوط في هذه الرواية ليس جديداً ، فقد تكرر حضوره  في عدد من الأعمال السردية : عراقية  وعربية وعالمية ، لكن ما يميز مخطوط هذه الرواية أنه أحدث تلك النقلة النوعية التي كشفت  عن أن كاتب المخظوظ   هو جد عائلة الأصيل وكان يزيدياً قبل أن  تخدمه المصادفة في أن يصبح مسلماً . ولعل في هذا ما يفسر انشداد سعد غير الطبيعي الى بهار ( التي تعني الربيع) وارتباطه بها والمغالاة في خدمتها وسعي العائلة لتهريبها من الموصل للاتحاق بأهلها الذين كانوا قد نجوا من مذبحة داعش أولعل الإحساس الداخلي بوحدة الانتماء الأثني أوربما  الاعتقاد بمقولة ” العرق دساس “هو الذي جعل جلال ، وهو الأخ الأكبر لسعد ، يصر على اختيار عمال البناء اليزيديين ويمتدح مهارتهم واخلاصهم في العمل وكتن الجد سلمان قد استدعى أمهر بنّاء يزيدي لتشييد داره مع انشاء مخبأ سري فيه معتمداً على ثقته بأمانته  والمحافظة على سر المخبأ الذي احتفظ فيه بالوديعة التي سيكون لها حضور في مجرى الأحداث ، والجد   هو القائل في مخطوطه ”  فكرت ، تنتقل الوديعة من يهودي إلى مسيحي إلى يزيدي ، ليستولي عليها ابنه الذي أصبح مسلماً ، أي سر يجمع هذه الأحجية ؟اليهودي لم يتصرف بكنزه ، والمسيحي أضاف عليه و، والمسلم حافظ عليه وهو يتدبر أمر بقائه وعدم زوال قيمته ” ( ص 257) . وفي قوله هذا ما يومىء إلى قيم الثقة والأمانة التي كانت سائدة آنذاك بين أبناء مختلف الأديان والطوائف .. ومن الملاحظ أن  تحوّل الجد دينياً لم  يُحدث صدمة لدى أبناء العائلة . ولعل سبب ذلك أن الموصل مدينة للتآخي والتعايش بين الأديان والطوائف المختلفة ، مما جعلهم ينظرون إلى ما حدث بهدوء وكأنه أمر اعتيادي .

  لقد كتب الجد سلمان سيرته في المخطوط وتركه إرثاً لولديه شهاب وابراهيم وأحفاده منهما  مع ما تركه من إرث مادي . إنه ينفرد  بالروي في الجزء الخاص بالمخطوط من الأحداث  ، وهي أحداث من الماضي القريب ؛ لكن الروائي هو الذي يتقمص شخصية سلمان ويتحدث بصوته ، وسلمان آنذاك فتى هرب إلى إحدى القرى  مع أبيه وأمه بعد أن أتُهم أبوه بحادث قتل وحلّ الثلاثة في بستان القس الآثوري الأب ميخائيل وكان الثلاثة موضع رعايته مع أنه يختلف عنهم دينياً وهذا تأكيد آخر على ثيمة التعايش التي عرفت بها الموصل .وكان القس قد أودع لدى أبي سلمان أموال الكنيسة وأمواله الشخصية  فقام الأب وابنه بدفن الوديعة في البستان . القس ميخائيل هذا كان أحد قادة تمرد الآثوريين في العام 1933فقُتل مع من فُتل  ، نعيد  التأكيد  بأن الجد سلمان لم يشهر اسلامه علناً وبمحض ارادته . لقد حدث ذلك بفعل المصادفة فقد كان يقف إلى جوار القس ميخائيل مع الآثوريين المتمردين المحاصرين من قبل القوات العسكرية العراقية وحدث  أن نادته إحدى النساء باسمه “سلمان “فانتبه الضابط إلى ذلك وظنه مسلماً متعاطفاً مع الآثوريين فصفعه ودفعه جانباً .هرب سلمان بعد أن وجد أباه وأمه مقتولين ويظل الروائي يلاحقه وهو يواصل رحلة العناء  حتى وصوله الموصل حيث تبدأ مرحلة أخرى لكنها مختلفة تماما ً: مرحلة السكن مع أرملة وامرأة عجوز ليبدأ حياة جديدة من المتعة التي توفرها له الأرملة  : ” كانت الأرملة تمارس سحراً  قادراً على التغلغل في أعماقي  ” ( ص 56 ) ? ثم المرحلة التي فتحت له باب السعادة حين تعرف على التاجر اسماعيل الذي دعاه لمساعدته في  العمل في  تجارته  ، ثم زوّجه ابنته ، وفي آخر ليلة له في البيت الذي يستأجر فيه غرفة حيث سينتقل إلى بيت اسماعيل ليتزوج من ابنته نجاة : “اتجهت إلى غرفتي ، وأبدلت ملابسي ثم تسللت إلى غرفة الأرملة لأقضي فيها ليلةً من السحر والجمال وفوران الغرائز ما يجعل من الجسد الفتي للأرملة واحة نادرة للمتعة الخالصة ” (ص 125) لكنه واصل زياراته لغرفة الأرملة حتى بعد زواجه وبعد زواج  الأرملة نفسها ” نهضت الأرملة واقتادني من يدي وأدخلتني غرفتها ، كل شيء فيها كان قد تغير ،  وما أن أغلقت الباب حتى  طوقتني بذراعيها ، وأخذت تفك أزرار ملابسي ، وهي تهمس بكلمات تعبّر عن شوقها وحاجتها لي . كان عليّ أن أحتفل ، فليس من الرجولة عدم تلبية نداء الجسد وهو يعصف في جسد امرأة منحتني الجمال وفجرت خلاياي ” (ص144 ــ 145 ).. وحين وقع عمه في أزمة مالية تذكر وديعة القس ميخائيل ، وذهب وأخرجها وجاء بها إلى الموصل وفتحها وأخرج بعض ما فيها لكنه حاول أن يبرر فعلته ويبرىء ذمته من خلال القيام بأعمال الخيررولهذا السبب اكتسب لقب ” الأصيل ” الذي استمدته العائلة منه ،  غير أن ثروة ولديه لاعلاقة لها بالوديعة . وفي مظهر من مظاهر تحوله دينيا ً واجتماعياً أصبح مولعاً بالنساء حتى ليبدو أن حفيده سيف كان امتداداً له  .

شخصية الرواية

  تعد شخصية سيف شخصية الرواية المحورية  بفعل الدور الذي لعبه في مسار أحداثها . كان مثقفاً بخلاف أولاد عمه المنشغلين بالتجارة وكان اعلامياً بارزاً عمل في مؤسسة تحمل اسم “الفهد ” نسبةً إلى صاحبها ” فهد الجاسر ” وهو تاجر  مشبوه يرتبط بجهات أجنبية  تقوم بتمويل مؤسسته ولا علاقة له بالثقافة أو الإعلام  ولا يجيد ادارة مؤسسة إعلامية كبيرة  بسبب انشغاله بأمرين حيويين بالنسبة له  : المال والجنس ، لذلك كان يضع المؤسسة بيد سيف مع أنه يحيطه بشبكة من الجواسيس ثم يعرض عليه تقاريرهم في الوقت نفسه .ومثلما كان سيف ناجحاً في عمله الإعلامي كان ناجحاً في علاقاته النسائية التي ازدادت مع تواصل عمله الوظيفي . وعلى ما نرى ، لم يكن سيف نفسه بمنأى عن الشبهات فيما يتعلق بارتباطاته السرية والغموض الذي يحيط شخصيته، وقد استطاع أن يوظف علاقاته الخاصة لخدمة قضايا تخص اولاد عمه ومنها محاولة تهريب بهار إلى أهلها .غير أن تحولاً جوهرياً حصل في مسيرته حين تخلى عن عمله في مؤسسة الفهد وانظم إلى المقاومة ضد داعش وأصبح عنصراً مهماً قي الحركة ، موظِفاً خبرته الإعلامية فيها  وقد أصيب بطلق ناري لدى مشاركته في إحدى العمليات لكنه نجا من الحادث.

  ومن التحولات الرئيسية نمو حركة المقاومة ضد داعش في الموصل في تأكيد من الروائي على الرد على التقولات التي تفيد بأن الموصليين استكانوا للاحتلال .   كان الفتى بارق أحد رموز هذه المقاومة وقد حرص الروائي على أن يقوم بارق هذا بإيصال بهار إلى أهلها في الوقت الذي فشل فيه الأمريكان في القيام بذلك ، لكي يوحي بأن تحرير الموصل يتم بواسطة أهلها العراقيين ، وكان بارق يتلقى الدعم المالي من ابني عائلة الأصيل : جلال وسعد ،  الماكثين في الموصل وهذه اشارة أخرى في صالح أهل الموصل حيث أسهم تجارها في دعم المقاومة مالياً .وكان جلال وسعد يواصلان عملهما التجاري بهدف تصفيته  وقد ألجما فم  الدواعش بتنازلهما عن عمارة العائلة  لهم . ومن مظاهر التحول الأخرى التحول الايجابي في موقف الناس ضد الدواعش وقد هدموا جدار الخوف الذي كان قائماً أنذاك . في الأيام الأولى قال الحاج شهاب الأصيل لأبنائه وأهل بيته : ” لا أحب الذهاب إلى الجامع ، فالمصلون في الصف الأول خلف الإمام الأعمى يتوزعون ما بين غريب ولص وخريج سجون وصاحب سوابق وابن عاهرة ، وفي الصفوف الأُخر يقف المصلون خائفين ، يستجدون حياتهم ” ( ص 11 ) .  أما حين أعدِمَ رمز المقاومة بارق فقد اختلف الوضع تماماً. فعندما  تسلّم أبو بارق جثة ابنه الشهيد تلقى تبليغاً بعدم إقامة مجلس عزاء لكن جمهوراً واسعاً كان في انتظار تسلّم الجثة من الطب العدلي : ” تضخمت مسيرة التشييع  وصارت تضم آلاف المواطنين ، كانت في البدء مسيرة صامتة حزينة ، لم تلبث أن تحولت عند ساعة الدفن إلى أصوات غاضبة متوعدة ” ( ص556).

  لقد قدّم أمجد توفيق في ” الساخر العظيم ” شهادة وفاء وولاء وتأكيد انتماء لمدينته الباسلة ، الموصل التي سيظل الخريف فيها ، وسط الخراب ، ربيعاً ثانياً ولكنه مضمخ بالدم ، لتظل تحتفظ  بإسم ” أم الربيعين ” بامتياز !

مشاركة