صادق الجمل في تراتيل لموت حر

368

صادق الجمل في تراتيل لموت حر

إقتطاف ومضة خلاص

ايناس البدران

تتجلى مقدرة النص وتأثيره في المتلقي بما يمتلك من جاذبية خاصة تستدرج الاخير الى عوالم خفية وبؤر ساخنة ومناطق توجيه وتناغم بين مستويين يتجاذبان ويتقاطعان في آن ، فالكتابة الادبية ليست محاكاة ولا هي عملية تقليد او استنساخ لما سبق والا لاصبحت كتابة بقلم من رماد ، انما هي ابتكار وتجديد وبحث دائب عن جوهر الاشياء هي غيمة اسئلة تمطر في صحراء حيرتنا ، وحجر يلقى في بحيرات وعينا الراكدة ! .  في ” تراتيل لموت حر ” الرواية الاخيرة للاديب صادق الجمل تتمظهر تمثلات انسانية ورؤى تلتقط معاناة شخوص تم اختيارهم بدقة في عالم يعج بالفوضى والشراسة عالم مسكون بالوحشة والتناقضات ومحكوم بشريعة الغاب . حيث يستجمع الروائي كل عناصر الخبرة وما اختزنته الذاكرة لاحداث مهولة ليست بالبعيدة في عملية اقتطاف لومضة خلاص من واقع جاثم بضغوطه وغثياناته على رئة الوعي والاحساس تعبيرا عن لحظة عراقية تحلم بدفقة هواء لرئة مخنوقة بدخان الانتظار ، ليصهرها الروائي في أتون اللغة التي تستحيل المصهر الذي تتشكل فيه عجينة النص معبرا عن صراعات واحداث جسام مرّت بالبلاد متناولا كل هذا عبر حوارات شخوصه سواء كانت داخلية ” مونولوك” او مع بعضها البعض بشكل” دايالوك ” وهو في كل هذا يحاور في اتجاهين الشخصية والقاريء مستنطقا الذاكرة الجمعية معبرا عنها بحرفية ووعي .

   مظفّر الشخصية المحورية في الرواية الشاب الهاديء الوسيم المحب للقراءة الذي وقع اسيرا مرة اخرى في ايدي (هؤلاء) بعد ان هرب بقدرة عجيبة من مجزرة سبايكر ليعيش تجربة لا تقل عن الاولى في بشاعتها وتفاصيلها الكابوسية.

هروب الجيش

” انهم على ابواب بغداد … لفّت الوجوه غيمة سوداء وهم يتابعون هروب الجيش من نينوى … ” واوراد زوجته الغالية ” التي تمكن بعد عذابات من ان يتسلق اسوار معبدها ويخطفها من بين اهلها ليقترن بها فخورا بها ، فخورة به رغم بداياته غير المشرفة ” اوراد التي لم تصمد لاكثر من عام بعد اذ سحقها الفقر مثلما اذل والدها خاصة بعد ان ابلغها المسؤول في دائرة المحاربين :

– ان مظفر الان في السجلات ميت

والتي وضعت حدا لكل تلك المعاناة حين وافقت على الاقتران بالثري صاحب الاسواق الذي استعان بالصبغ كي يخفي الشعيرات البيضاء التي غزت شعره . في الاسر يتعرف مظفر على نجلة السورية الضحية التي رش وجهها بالسائل الناري فتحول جمالها الاخاذ الى حفر واخاديد ، ويتعرف على مزهر الحارس .. حبل النجاة الذي خاطبهما قائلا في لحظة سحرية :

– اقتربا  .. تعالا  .. كان صوته هامسا رقيقا لم يعتادا على سماعه ، صوت طري فيه شجن ناي ، تحفز واتجه نحو الشباك .. قال له الحارس مزهر :

– هيّا تهيأ للهرب  وحين سأله غير مصدّق اجاب :

– نعم ! ماذا قلت نهرب ؟ اجابه : كما قلت لك .. هيا بسرعة سنهرب سوية !  توقفت المرأة فجأة وسألت مظفر

– اخشى اننا سنموت في مجاهل الصحراء ؟!

جرها مظفر من زندها وقال لها هامسا  :

– حتى لو متنا سنموت احرارا

كانت رحلة لابد منها هربا من وضع مستحيل حشر ( البطل ) فيه قسرا ، باتجاه عالم النضج والادراك لوقائع الحياة وخفايا العالم المادي .. هناك على قمة جبل اتيحت لمظفر فرصة ممارسة حياة العزلة عن ذلك العالم الموبوء ، في فسحة من الزمن سمحت له بالتأمل والعودة الى منبعه فتكشفت له آنذاك حقيقة الانسان الجوهرية التي لايدركها الا حين تنزل به كارثة من نوع ما ، كسرِّ لايسلم مفاتيحه الا لمن مرّ بتجربة رهيبة ، سر يفرض حضوره البسيط المستبد حتى انه ليلقي الى العدم كل فكرة اخرى تماما كما يفعل حضور الموت .  وطوال مدة عزلته ظل مظفر في حالة بحث عن حياة تتعرى من الزيف ليكتشف قوته الحقيقية الكامنة ما منحه القدرة على مواجهة الظلم ومقاومة الهوان . وحتى بعد ان استشاط غضبا لما اكتشف ارتباط اوراد بذلك الثري بعد عام من غيابه ، انقشعت بسرعة غيمة الغضب والانتقام وعاد اليه هدوؤه وصفاء سريرته ملتمسا لها العذر .  يتجلى هذا في السطور الاخيرة من الرواية اذ يصفه الراوي قائلا :

اجواء الصبر

” صقلته اجواء الجبل ، علمته الصبر وما معنى ان يكون الانسان فاضلا فقيرا باذخا للخير والعطاء دون اجر .. اجتاحه شعور جديد بعد ان غادره شقاء الانتقام والاخذ بالثأر .. طغى شعور الانسان الحقيقي واحس برغبة شديدة بالانسلاخ عن مجتمع اوراد والعيش بعيدا عنه حين اكتشف لأول مرة عظمة الجهاد من اجل الانسان ” .

ان كتابة قصة او رواية ليست مجرد تفريغ لشحنة ما او تنفيس يمارسه الاديب هربا من واقع مأزوم يحاصره ويسوّره بالاسلاك الشائكة والخطوط الحمراء بقدر ما هو انعكاس لوعي متقدم يجعل منه شاهدا ابداعيا على تفاصيل ومجريات عصره ، ليثبت ان الانسان ذاته يستطيع ان يعطي الحياة معنى فما بالك اذا كان ذلك الانسان مالكا لموهبة تؤهله لعطاء فريد من نوعه ، عطاء يصنع تغييرا ايجابيا ويدفع بعجلة الحياة الى امام عبر الخوض في ميدان استكناه الاشياء والغوص في اعماق النفس البشرية بكل تناقضاتها ورصد الواقع بتجرّد وموضوعية واستشراف المستقبل والتنبؤ ببارقة نور في آخر النفق المظلم .

مشاركة