أرباض مقداد مسعود

449

  أرباض مقداد مسعود

  التحليق خارج التجنيس الأدبي

عـلاء لازم العيـسى

 1

 يقول الشاعر الفرنسي ( مالارميه ) ما ملخّصه : أنّ الكاتب على علاقة متميّزة بالغياب ، وحين تتزاحم الموجودات فلا شيء ولا أحد ، وإنّنا بالكتابة نُبدع الفراغ المحيط بنا فنضع مسافة بين أنفسنا والأشياء .

   ويقول الروائي امبرتو إيكو ما نصّه : (( فمن أجل سرد شيء ما يجب في البداية القيام بدور مبدع يقوم بابتكار عالم ، ويجب أن يكون هذا العالم من الدقة بحيث نتحرّك داخله بكلّ ثقة )) ( اعترافات روائي شاب ص28 ) .

   ويصرّح الأستاذ مقداد مسعود : (( شخصيًّا كقارئ أنا مدين للمفكر الكبير سلامة موسى بالكثير .. وحده مَن فتح شهيتي على تنويعات القراءة ، وعدم التخصّص بنوع واحد من المعرفة الإنسانيّة )) ( زيادة معنى العالم ص84).

 2

منذ العنوان الرئيس (( أرباض )) والعنوان الفرعي (( وحدات شعرية )) ، حاول الشاعر والناقد الأستاذ مقداد مسعود ، أن يستقطب اهتمام القارئ ، ويدفعه لتوظيف ذخيرته الثقافية ، التي تمكنه من تجنيس العنوان وفهم دلالته اللغوية المباشرة ، ومع أنّ العناوين عتبات ( خارج ـــ نصيّة ) لا تمثّل جزءًا من المتن ، إلّا أنّها تعدّ مفاتيح تفتح أبوابه .

    فـ (( أرباض )) بوصفه عنوانًا للكتاب ، عبّر عن رفضه للمستهلك في العناوين  وعن توافقه مع لعبة الكلمة : كلمة في علاقتها بالمكان ( المدينة ) لا هي غائبة ولا هي حاضرة ، لكنها متفاعلة معها ، فالأرباضُ : نواحي المدينة ، وما يُبنى حول سورها من الخارج ، أي ما حول المدينة من العمارة والضواحي ، ففي ( العين ) للفراهيدي : (( والربَضُ : ما حول مدينةٍ أو قصرٍ من مساكنِ جُندٍ أو غيرهم ، ومسكنُ كلّ قومٍ على حِيالهم : ربَضٌ ، ويُجمعُ على أرباض )) .

   و (( وحدات شعريّة )) عبّرت عن التفرّد والتجريب في البحث عن جنس أدبيّ جديد ، ومحاولة التملّص من الحدود التقليدية للأجناس الأدبيّة ، التي يعدّ أرسطو هو الواضع الأوّل للأسس التي تقوم عليها ، والتي نظر إليها وكأنها كائنات عضوية  تنمو وتتطور حتى تبلغ كمالها وتستقر ، وتتوقف عن النمو .

   والحقيقة أنّ إبداع التداخل في الأجناس الأدبيّة ، وفي غير الأدبيّة كالتأريخ والفلسفة والسيرة الذاتيّة والتجارب التي عاشها كاتب أرباض ، ينبع من موهبة كبيرة تأبى الانحصار ضمن نطاق محدّد شكلًا ومضمونًا .

3

 وتأسيسًا على ما سبق استعان الكاتب عند كتابة وحداته الشعرية بـ ( ذاكرة بعيدة المدى ) اندمجت فيها أربع ذواكر : ذاكرته ككاتب ، وذاكرة المكان ، وذاكرة التاريخ ، وذاكرة المتلقّي ، وهذا الاندماج والتداخل بين هذه الذواكر الأربع ، أنتجَ نصًّا منتجًا للدلالات والرموز .

 فلا غرابة أن يتحوّل اسم ( المقبرة ) في أرباض إلى ( مزرعة ) ، لأنها تضمّ بين أطباقها عقولًا منتجة تركوا آثارًا في الإرث المعرفي لمدينتهم ، وهذا ما نقرأه في قول الكاتب : (( طيرٌ من أجله قصدتُ مزرعة الحسن البصري ، ويممتُ شطر ابن سيرين فانتشلته من حيرته بين المحاميد الثلاثة : البروف الاقتصادي محمود الحبيب ومحمود البريكان  ومحمود عبدالوهاب )) ( ص15 ) .

4

 ولكي يسحر القارئ ، ويأسر لُبّه ، فلا يستطيع الفكاك من لغة تجربته الفنيّة ، لم يكتف الكاتب بالتناول السطحي للأشياء والحيوانات والجمادات والأنواء ، وإحصاء أشكالها وألوانها فقط ، بل نفذ إلى جوهرها ، وأنسنها ، فأخرجها من إطار ماديتها ، لتصبح جزءًا من النسيج الإنساني ، وخلع عليها رموزًا وأحاسيسًا ، ومنحها قلبًا وذاكرة (( فالأشياء لا وجود لها ولا قيمة بدون المعنى الذي يخلعه الإنسان عليها ، وبدون المشاعر التي يلونها بها وبدون الأحاسيس التي ينفخ بها في روحها )) كما يرى أحد النقّاد .

   فالمطر عند مقداد مسعود (( يتباهى بعريه ويصفع الماء المؤطّر ، في تدفّقه أو تموّجه ، يهزأ بالماء الغضوب )) ( ص18 )  والبقاء للريح (( فتيةٌ دومًا ، وراقصة للأبد ، ولا تستحي لا تستحي ، تتسلّى بمصائرنا بسفائننا ، يستفزّها كبرياء الشجر )) ( ص17 ) ? و(( الفل يستحي مثل الفيل ومثل الفيل والفل يستحي الحصان … وحده الماعز لا حياء له ومنه انبجست عنكبوت التقانة )) ( ص12 ) ?       و(( الساقية الآن تعاني احتباسًا وسرطنة وكوابيس تسردها منهولات لا تتوقف عن تثقيب رئة الساقية وقلبها وذاكرتها )) ( ص72 ) .

5

 وبما أنّ الجسم والعقل والنفس ، كلّها تعمل مع بعضها البعض في أثناء التفاعل الاجتماعي ، فلا يعمل أحدها بمعزل عن الآخر ، عُدّت هذه الأجزاء أجزاءً أساسيةً من البناء التركيبي للمعنى .

    ومن يتتبع روحية وحدات أرباض يجد أن نفس الكاتب أبعد ما تكون عن الفرح والسرور ، فمن خلال تنافذه النفسي والمادي مع الواقع القاتم ، والمستقبل الأقتم ، طالما شعر بالغربة والحزن والخوف ، وهو حزنٌ دائم الحضور ، ناجم من الصدمات العنيفة التي عانى منها ، ولا زال ، ممّا جعله يسعى إلى بناء عالم خاص به ليأمن من سطوة البحر وصخبه وغدره : (( وأنا في كلّ هذا وذاك ، وخوفًا من البحر العميق ، صنعتُ لي صحرائي فيه ، ونأيتُ عن عمقه وصخبه وغدره ))     ( ص48 ) .

   وتصل رسالة حزن من نوع آخر ترثي الوطن الذي بيع في ملاهٍ ومقاهٍ ، وفنادق الدرجة الأولى والأخيرة (( ليتم المضاربة بها وتستبدل هيمنة بهيمنة أشدّ من الحنظل ، طغمة مالية ريعية طائفية مصابة بلوثة لاهوت الربض ، لا يتوقفون عن تصقيل مرايا أسيادهم )) ( ص43 ) .

 ويرثيه مرة أخرى لتقدمه إلى الخلف (( كروش الدولة تطوّق كروش السوق ، هنا يكون الإله المعبود ، هو : الريع .. إذن الديانة الاقتصاديّة السائدة هي وحدانية الريع ، لا لتنمية الوطن إنتاجيًا ، نعم لتهريب الأموال )) ( ص66 ) .

   وربّما داخله الحزن بسبب الديدان المجهرية التي (( تفتكُ مسرّاتنا فنتوقف عن الحلم بقرار من الغير البغيض )) ولكن رغم هذا الحزن والقلق والخوف يبقى الأمل بالانبعاث ، وباستمرار المسيرة ، ولذلك (( لا بدّ من حراسة أحلامنا بسراج الفطنة حراستها من الرابضين والمتربضين بنواظير بنادق القنص )) ( ص74 ) ? وإن كانت تلك الأحلام بعيدة المنال (( في أحلامها معانٍ مؤجلة ، في أحلامي أشجار نفضيّة ، لأحلامنا : ظلّ عشب يتدفق ، ، نتحاور ، نتكاتب ، هي تكتبني نهرًا ، أنا أكتبها وردة تغتسل بي كلّ فجر )) ( ص88 ) .

6

 أخيرًا ، فإنّ القارئ الدارس لكتاب ( أرباض ) للأستاذ الأديب مقداد مسعود ، تحت إجناسية ( وحدات شعرية ) ، الصادر عن دار ضفاف للنشر / بغداد ـــ الشارقة ، ينتابه شعور بأنه محلّق بين تركيبة ذات المؤلف بذواكرها المتعددة والمختلفة ، وعلائق محيطه القاتم ، ويشعر بأن الكاتب الكريم قد ضمّن وحدات كتابه رسالة ما ، فما هي الرسالة التي أراد الكاتب إيصالها لقرّائه .

مشاركة