فزّاعات الموروث – محمد كتوب المياحي

348

فزّاعات الموروث –  محمد كتوب المياحي

قطرات الماء المنساب بشكل منتظم من احدى مغاسل المنزل المعطلة ؛ يذكرها بنداوة الورق في دفتر المذكرات الموجود في القبو ،انسلت قدماها بشكل نصف واع تقودها نحو ما امسى جزءا منها ،استشعرت ان هنالك قوة خفية تشدها بتجاه قبو الجدة … ربما يكون حدسا غامضا او ربما هو تيار قدسي يناجيني داخل هذا المكان – هذا ما حدثت به نفسها – وهي تسير ببطء لم تعهده من قبل كأن قوة خفية تضع يديها خلف ظهرها تقودها لصومعة الجدة ،لم تستشعر وهي في منصــــــف الليل بشدة البرد ولم يهز مشــــــــــاعرها الظلام الداكن في القبو ،فتــــحت الباب في أناة وحذر .

جلست على كرسي خشبي متهرء تنبعث منه رائحة الخشب العتيق ،فتحت دفتر المذكرات وأكملت ما أنتهت عنده (( … أرهقني ذلك التناقض الذي انبتني بين اصابع العشق و التقاليد ،انا اعلم تمام اليقين ان ما يُمليه الواقع فخٌ سحيق تجاه الحقيقة ،وكثير ما يعلونا غبار الطريق غير الصحيح ،والسبيل غير السوي متاع بهيج ،انا اعلم علم اليقين لم تعد صلتي بكل ما جرى اكثر من ذكرى زهرة موضوعة في آنية قُطع عنها الماء ،كما اني اعترف بان الحب اصم لا يصغي يرتدي معطفه ويذهب بعيدا الى من يريد تاركا صوتا يعوي دون جدوى … كلما حاولت ان انسى لا انسى وجعي تجاه كلماته النازفة اشعر بالانهزام ،كثيرا ما كـان يردد لي:

اني خُلقت لأجلك ،علمتني كيف اهوى احتضاري ،علمتني كيف بالموت اغامر ،اكتشفت اني اهواك دونما قاعدة ،كنت اعلم اني لست بمهاجر حين اجد نفسي في عالم اخر ،انما هو فراقك ليوم واحد ليس إلا ,كتبت وكتبت إلا اني اعترف ببقاء استجدائي للحروف ولطالما ابديت عتبي لها لأنها لم تدنو من سورك مع علمي ان سورك لا يحوي شكلا بل روحا قل نظيرها … كثيرا كان يردد : بالرغم اني لا اشعر بالوحدة لكني وحيد استشعر ذلك ؛ لان احساس قاتم ينبئني بان الهوة التي بيننا ستكبر اليوم بعد الاخر ،فتعسا لتقاليدهم المقية . التقاليد البالية هي من فرقت شتاتنا ،هي التقاليد من نسفت وشائج العشق ،حطمت الاعراف كيان من تحبه حد الهيام انهار الجزء الاكبر من انسانيته ؛ فقد انتمى الى حركة متطرفة ،تكفر كل شيء حتى الايمان ،فعجزه عن الحصول على من يحب بسبب انها تنتمي لقبيلة يرجع نسبها الى ال بيت الرسول ( ص) ،فرجالات القبيلة ترفض تزويج بناتها الى غير ممن ينتهي نسبه الى الرسول الاعظم،باءت كل محاولات الحصول على من أحسست بأني خُلقتْ من أجله ،كثيرا كان يُردد : ما معنى ان نسبي غير نسب الرسول وما دواعي ذريعة أهلها بأنهم منتمون لبيت الرحمة ،أليس من الرحمة ان تحظى بمن تحب ،ألم تأكد الشريعة على ان اكرمكم عند الله اتقاكم…) ).سرقت هذه الكلمات الدمع من عيونها ،احست انها امام بوح ملثم يخفي في طياته رثاء داكن.

وهي في دوامة الحزن ومن خلف عفونة ظلام القبو احست بحركة من خلفها ،ينتابها شيء عكس الخوف ؛ فباب القبو موصد ،تلتف الى وراءها ،لا يبدو ان احد كان خلفها ،إلا أن حدسها ينبئها عكس ذلك ،خلال لحظة خاطفة اعتقدتْ تحقق ما تؤمن به ،هو أن أدراج الخديعة تفوق الحواس وأننا مبعثرون مبين الواقع والحُلم ،تميل رقبتها البيضاء كزهرة الخزامى ؛ لتتفحص المكان يُدهشها منظر ستائر الشباك إذ أنها في آخر دخول لها لم تكن بهذا الشكل ،كانت تغطي النافذة بأكملها ،هناك فتحة وقد حُل حبلها ،يبدو أن أحدهم قام بذلك ،راودتها خواطر بأن أحد أفراد الأسرة من قام بذلك ،مع علمها بأن هذا مستبعد .

تناولت آمال قصاصة صغيرة وضعتها داخل دفتر المذكرات دلالة على الحد الفاصل لما قرأتْ على أملٍ ان تكمل فيما بعد ،انسلتْ خُطاها الى الباب ومازلت الافكار الغريبة المعلقة بالقبوة يثُير الخوف والتساؤل في طيات ذهنها المرهق… أ يوجد عالم غير عالمنا ام نحن فريسة لأوهام تفوقنا قوة وقسوة ؟!.

مشاركة