
تراصّ دلالي يمنح النص الشعري رصانته
هجير الهواجس والتبادل الوظيفي للحواس – علي الشاعر
لم تأتٍ قصيدة النثر من فراغ ، وإنما ارتكزت على اشكال أخرى ، وهي تمنح لنفسها بذلك موقعاً متجدداً بين الاجناس الادبية الاخرى . يذكر تزيفتان تودوروف في ( أجناس في الخطاب ) : ” من أين يأتي الجنس الأدبي ؟ ببساطة متناهية : من أجناس أخرى ؛ فالجنس الجديد هو تحويل جنس سابق ، أو بضعة أجناس ، دائماً : بقلبه ، بإزاحته ، بالارتباط به ” .
(هجير الهواجس ) مجموعة شعرية للشاعر ( حامد عبد الحسين حميدي ) ، صادرة عن دار كريم للطباعة والنشر والتوزيع في بغداد – المتنبي 2017 ? تضمنت ( 19 ) قصيدة شعرية ، تمثلت فيها البنية الشعرية الرصينة بخطابيتها المرسلة ، والأنساق التي كانت حاضرة في وعي النصّ الناضج ، كونه خامة لغوية ذات زوايا دلالية ، يتوافر فيها الجانب الفني بمستوياته الاسلوبية والجمالية ، فالنصّ يمنحنا ذاك التراصّ الدلالي حينما نجده يتوالد في توافر الرموز والشيفرات والكتل الانزياحية ، ليعطي للمنتج الشعري رصانة في التوصل الى اسرار النصّ الداخلية في بنياته وأنساقه وعلاقات أنظمته ، فالنص له حضور معلق أمام القارئ / المتلقي ، والقارئ / الفاعل هو الذي يبحث عن العناصر الغائبة في النص ، لكي يبرزها ويمنحها حضوراً طبيعياً ، وخلافه يضيع النصّ .
مثل إيماءات ٍ تحدّقُ في…
رمضاء ِ ترقوة ٍ ،
أدسُّ أشتاتَ العراءِ ِ
في أجفان الدفلى
أمسحُ فيها كرى انكساري
الأعزل
وأنا أسندُ مواويلي وراءَ
شراع ٍ من الأتربة ِ … ( لا شيء إلا غمغمات ريح )
الانكسارات الباطنية لم تزل تهيمن على ذاتية الشاعر ، اذ / انها تشكل وصلة خطابية في تفعيل البوح على وفق نمطية المرسل الباعث / الفاعل ، هذه الايماءات التي تحدّق في العمق ، لتسبر اغواره من جهات عدة ، الشاعر ( حميدي ) لا يستطيع الانفلات من شرانق العزلة والشتات ، فهو يستخدم لفظة ( أدسّ ) بكل ما تحمله من دلالة لغوية تناسقية متضمنة ذلك الانزياح المترامي في اخفاء الظاهر ، فذاتية الشاعر مكشوفة ومتجليّة في الالفاظ : ( أدسّ / أمسح / انكساري / أنا / أسند / مواويلي ) انه يعمل على تشغيل تلك المهيمنات الحاضرة ، بطاقة تنظير التحديث اللغوي .
لم نعدْ نرى حبالَ الصوت إلا
بمصابيح ..
تقطرُ زيفا ً،
من جذع نخلة ،
الريح ترصّ أقدامها
في قضبان ِالصراخ ..
أنانية الرغيف ِ ، تطردُ
الفراشات ،
والفضول ، يأكلُ طيف
الشمس …
فهل يمضغُ البوحُ
ذاك الوصل الندي .. ؟ ( منافذ تأوي الشمس )
الشاعر ( حميدي ) لديه القدرة على الولوج باطنياً ، حيث يرى في منافذه كلّ الصور الشعرية الحاضرة ، هذه لوحة سريالية متناغمة مع تأطير صيغة المتكلم الجمعي في الفعلين ( نعد / نرى ) وغائبية الآخر المستتر ( تقطر / ترصّ / تطرد ) ، وهنا يبرز دور التبادل الوظيفي للحواس الذي يحرّض وعي القارئ / المتلقي .. الى تتبع الاشتغالات النصيّة ، وغرائبية الصّور ، والاختزال والتكثيف والبنية اللغوية ، فـ ( سوزان برنار ) تضع شروطاً تحديدية يجب توافرها في النصّ الشعري ، حتى يكون بالإمكان عدّه قصيدة نثر .. منها : ( الوحدة العضوية / المجانية او اللازمنية / الايجاز ) ، وبذا / كانت الاشارة الدالة لدى الشاعر تتحرك ضمن نسقية غير تصريحية ، أي اننا نقف امام بعض التراكيب لنفكّ شيفرات النصّ المغلق للتعرف عن كثب بما يحمله من تفرعات وصور ضاجّة .
وحيداً تحدّق بعواصف ،
تيبّست مطراً على ..
حوافر الضفاف ِ
متى تكفّ نظراتنا الثكلى عن
الانطفاء ِ ؟!
عندما تتفجرُ في أجسادنا رغبة ُ
الملل ..
نمارسُ طقوسَ النزف بالكلمات ِ
لا أحدَ ، يستلّ لغة الانقراض
من نوافذ ِالنجوم ِ ،
هذا الصمتُ صلصال يرتعشُ
بين أجنة ِالرفوف ِ
دعنا نتأسى .. للندى ( هجير الهواجس )
إن فكرة الصراع ألاشتغالي من خلال استخدام المجسّات التوصيلية ، تعد عاملاً اساسياً في التنقيب عن ما يدور لدى الشاعر ، من ممارسات لطقوس نزفت على عتبات نصٍّ كتجربة ابداعية حيّة ، فنلاحظ العزلة والانكفاء على الذات في : ( وحيداً / تيبست / نظراتنا الثكلى / رغبة الملل / النزف بالكلمات / لا أحد / الانقراض / نوافذ النجوم / الصمت / أجنة الرفوف / نتأسّى ) ، هذه الانعكاسات الباطنية المأزومة ، ولّدت لدينا بؤراً نفسية تحيلنا الى الوقوف على التراكمات المغروسة في ثنايا الشاعر ، الذي لم يجد انفلاتاً من تلك القيود التي حدّدت من حريته ، وحركيته ، فلا مشروع تحرّر او تجاوز ، كلّ ما حوله شكل ضغوطات فاعلة في تضخيم التفجّر الداخلي .























