شطرنج الكلمات الكاريكاتيرية

279

أسْمعي ما تقولُ يداي للفلسطيني رشاد أبو داود

شطرنج الكلمات الكاريكاتيرية

احمد الشيخاوي

لعلّ أول ما يدغدغ ذائقة التلقّي ،في حدود الاصطدام المخملي مع ما يمكن أن نسمّيه ” تجارب فنّ الشّذرة ” بوصفها موضة في فرو قشيب، ممتدّة الجذور في التراث العربي والإنساني إجمالا،ما تلبث تعاود انبعاثها واشتعالها الوامض الوالج في تلوين وتنويع مشهد الشّعرية، على نطاق واسع،تقيّدا بقوالب ومعايير مستحدثة تشبعُ فضولنا الخاطف،و تلبّي تطلّعات الإنسان المسكون بروح السرعة وتسارع أحدات الراهن وانسيابية الزمن.

هذه الموجة المنخرطة بكامل ثقلها في تأثيث أفق جمالية ومعلوماتية، راسمة لملامح القول الشعري في تفاقم انثيالاتها لمرحلة ما بعد القصيدة المنثورة ،الضلعُ الأول فيها للمفردة المثقلة بالحمولة النفسية والعاطفية الساخرة اللاذعة تحت غطاء كوميديا سوداء لا تدّعي المعالجات ولا الترجمات الحرفية للواقع، بقدر ما تضيء خبايا الروح وتلثم ما ورائيات خارطة المعاناة.

وقْفاً على تلكم الثيمة و ارتقاءاتها الشّعواء، فوق مجرد التغذية على الجرح الشخصي والمساومة في الوجع العام حتىّ، وبزوغها في أقاصي المستوى الرمزي،لكمّ الاستنساخات القهرية للذات المنطوية، و المثخنة بأصوات الجلّد وتجرّع مرارة الانكسار والتمزّق الهوياتي.

إنه بكل المقاييس،ذيوع جارف لثقافة تثوير تيار الوعي في الذات المتشظّية، داخل حدود استلهامات الكامن والدّفين.

وكأنّ زمن الشعر لم يعد يحتمل مقامرات الانطلاق من سوى نتوءات الذات ،قصد بلورة فلكلورية وازنة، مسعفة في قلب الطاولة وخلط أوراق اللعبة،بما يتيح لتناسل دلالي ،لا يعزل الحالة،بل يشفّرها ويختزلها إلى أسرار ،لا تتكشّف إلاّ إزاء مرايا الرسائل القصيرة جداّ،الملغومة ببساطة وتلقائية وتقريرية، إذا شئنا،إطار البوح.

وهو طرح يؤهّلنا لأن نسجّل لبعض الهامات بروزها اللافت ،وحرفيتها في الصياغة الكاريكاتيرية للمشهد ،وقولبة الإحساس.ولا يفوتنا ،هاهنا الإشارة لبعضهم على سبيل المثال لا الحصر، كالسوري نجد القصير،والتونسي محمد بن جماعة،والمغربي محمد اللّغاف وآخرين، وإن يك هاجسنا ضمن هذه الورقة ،مقاربة اسم رائد ومخضرم ، في خضمّ زعمنا هذا المفذلك له آنفا،والموسوم باستهلال أُجبرنا على اقتضابه نظرا لضيق المقال .

المبدع الفلسطيني المائز رشاد أبوا داود في عوالمه الكلامية العذراء، الباعثة على فضّ غير رحيم لملكوت الشّعرية المزدانة بسلاسة الواجهة وبر عميتها وغضاضتها؛من منطلق توصيف العملية برمّتها، على أساس تصادٍ مدشّن لاجتراح قاذف في متاهات للدهشة التي دونها خيوط سمّ تهبُ الحياة للمعنى والمعنى للحياة،وتسربل الإحساس المُنتَحِر بولادات وإشراقات جديدة.

دورة سرمدية

تلكم دورة سرمدية للحياة مع الإقامة في المعنى الزئبقي النافر، بشتى تجليات إبدالاته، حين يأخذ شاعر من هذا الطراز، بتلابيب عشاّق هذيان الكلمة،ويمضي بهم إلى دهاليز الغواية التي نخترق معها محطات الذاكرة ،بدءا من أولى أخطائنا الآدمية المنذورة لسلطة الأنوثة وصيحتها الناعمة، فيما يتعلّق بالصلة المبهمة والضمنية ما بين النوعين.

يقول: ..وأنتِ تُديرينَ ظهركِ /لتحضّري قهوتي/عرفتُ لماذا آدم/ أغرتْهُ التّفاحة.’

ومن زاوية تأمّلية تفكيكية، أكثر دقّة وشمولية،يمكننا القول أنّنا بصدد تغريدة مسترسلة لأحرف في ذروة الاحتفالية والتأسيس لمواقف دمثة ،من خلالها،تروم الذات سياقات تجريبية بامتياز،والتبطّن بتدويرات استعارية حاملة على استدعاءات للكامن في الأنوثة بما هي حالة تتقمّص تمظهرات ثلاثة:

1ــــ مثالية الحبيبة .

2ـــ تجليات القرين.

3ــــ هلامية الانتماء.

ومن ثمّ الانصياع التام لشطحات معانيها،أي الأنوثة ،دونما خصّ ما سواها من عناصر بخطاب مكشوف وعار، متشبّع بتردّدات الصوت الداخلي للذات.

وكون الومضة ليس تستقيم، بسوى فوضوية ذهنية،تبعا لقوانين معيّنة، موجّهة أو مؤطّرة للمخيال، كالتكثيف و المفارقة والتبئير وإقحام الرّموز والحوارية والأنسنة إلخ…

وجب خوض المغاير جملة وتفصيلا، عبر هذه التجربة الراقية ،في نزوعها صوب دوامة النصوص المتقزّمة المباشرة،بما الظاهرة في مجملها، أشبه بسقوط إلى الأعلى،وضرب من تماهٍ مع فعل إبداعي هشّ،ومعكوس بالمطلق، وتجوال في مرايا ذاتية مقلوبة،أو بالأحرى، غوص في البعيد،تحت ديدن الارتجال.

كأن يقول:

” في غزّة

القتيل لا يموت..

يصبحُ سنديانة”

وكانت هذه التغريدة ،ستتبدّى بنكهة أعبق،لو استبدلت لفظة” قتيل” ب”شهيد” على سبيل النموذج . بيد أنه خيار الشاعر،وتفشّي التعبيرية أخذ دوال الشهادة، على كل حال،وهو ما فسح لعنصر الإضمار بتسجيل وقعه وأثره الفردوسي انتهاء.

وبما الممارسة أيضا، ابتكار لمسافة وعي، تجبر الذات على الإقامة ما بين ذاكرة الطفولة وآفاق الحلم المبتور والناقص.

وفي مواضع أخرى:

” محوت الذاكرة

ودفنتها

… معي .’.'”

………….

” لولا قُبلة العصافير

على شفة الوردة

لما نبتت جملة

في ديوان شعر..”

…………

“دولة…

اعتراف…

أمم متّحدة…

تصفيق

غصنُ زيتون.”

…………..

” تمتّعي بكلّ الألوان

يا لون الله فيها

تعالي نزرع الفرح

إضحكي بملء…فمي.’.’ “

……………

“.. وربطنا

الماضي البعيد

مثل كلب أليف

لا ينبح

و لا يعضّ أقمارنا”

……………..

“اندلقَ النّهرُ

.. كنت أعرف

منذ أوّل الماء

أنّي ضفّتهُ الواحدة

.. هنيئا لك

مجد السّراب العظيم.’.’ “

………….

“السّرير

لا يتّسعُ لثلاثة :

أنا وأنت والحلم

.. لنوقظ الحلم إذن.’.’ “

……………..

“الياسمينة على صدرك

تستنشقك

لا تنهريها إن مدّت يدها

قليلا إلى.. تحت

ونامت

بين تنهيدة وتلّ.’.’ “

وهو تعاط وانغماس في طقوس الإيروتيكي ، وفق أسلوبية أنيقة جدّا ، واحتفاء باذخ بتضاريس الجسد على شاكلة لا تخلو من احتشام، وحذر واستفزاز كذلك، دونما اشتباك مع محرّم ، ولا اقتراف لمسبّبات الإحراج أو ما يذهب بماء الوجه ويخدش الحياء.

تلكم غواية النص الخاطف،العابر،في استغراقه لعالم من الألوان ،مثلما يوقّعها النّفَس الكاريكاتيري الصاعق بلذة وعمق المختصر.

بلسم روحي

منظومة دوال تتداخل وتتكامل واشية بالمكنون وفاضحة لاستذءاب الواقع،ومستعيرة للبلسم الروحاني ،من كتابة تُلبسُ الذات عنفوانها اعتباطيا وبدون مناسبة ، صوت مثقوب، على حدّ تعبير شاعرنا،ونبرة لا تبتل بغرق ولا تتشوه بمناطحة جدار ،أو تضع سقفا لحرية الكلمة الصريحة المربكة.

وإذن… هو تسكّع لا يمكن إلاّ أن يلملم انفلاتات الذات عبره ،شطرنج كلامي،حدّ الكفر بأدائية يتيمة ناشفة ومتيبّسة، والتحرّر من القيود الأجناسية الذابحة للمعنى أو الغاية التي في نفس يعقوب.

بحيث لا يفرغ صوتا ينشد رجعه القزحي ،رابطا إيّاه بما يعادل خيط أحلام كبيرة لمخيلة التوسع والتعدد، قلت لا يفرغه و يجرّده من مغزاه،ويلوّح بعدميته ودونيته ولا غائيته، سوى الاستسلام لتيار مضاد ليس يقود ويفضي إلى حيث جهة الأنوثة العارية الضاجّة بنبض الأسرار، في أبعادها الثلاثة السالف ذكرها والتطرّق لأهميتها ،اطّرادا مع ما تحيل عليه من تفاصيل جوهرية و حقول مُختزِلة للوجع الإنساني عموما،وسائر ما يتلبّس متن تاريخ البشرية من مناقب وعيوب وأخطاء، داعية إلى حتمية صياغة جديدة واستثنائية للذات والرؤى المفترض محاصرة عالمنا المشروخ،بها، تأمّما لصناعة تاريخ مواز قادر على غسل غربة الروح وانتشال هذه الأخيرة من هيمنة براثين الهيمنة المادية والآلية في صولتها المقيتة.

بهذا الزخم من دوال إنصاف إنسانيتنا المهدورة والهتاف استصراخا لنجدة ما فضل من قيم وهوامش جمال ، تهدل عبر مجموعة” اسمعي ما تقول يداي” وتشدو الذات المبدعة انطلاقا من أدغال قرين ما تنفكّ تتدلّى تجلياته،بكامل ما تحوي القطوف من عصارة علقمية تشجبُ الراهن.

كتابة تنزّه الأنوثة وتقاربها من زوايا مساءلة المعطّل والمجمّد والمستعمل، فيها، حدّ التّمجيد ونقر نرد الخلاص بهذا الشأن.

متتاليات قلبية تبرق سانحا أفولها لأغراض ومضامين أبدية، وكأنها تنير الدرب للمتلقي قصد استشفاف أسمى رسالة يمكن لمفهوم الانتماء أن يدلي بها دونما المتاجرة في القضية ولا اتخاذها كمطية لإصابة مآرب ضيقة مثلما تمليها النرجسيات والتضخم الأنوي المعتلّ.

بهذه الالتفافية تنثالنا شعرية هي أقرب إلى الاشتراطات السردية منها إلى شيء آخر،لتتحفنا حدّ الثمالة ببوح أنامل اسمعي ما تقول يداي  ليس ترضى بديلا،عن المفردة البسيطة الواضحة الدامغة بهمس وشاية المتن.

بساط الكلمات

تستقطبنا إلى بساط الكلمات الكاريكاتيرية، حيث تلسعنا بمعسول فرادة التجربة وخصوصية البصمة،كلما تعلّق الأمر بصوت صدّاح، يحاول التواجش والتأقلم والتصالح مع غربة وعزلة المسكون بانشطارات ذاتية تعلن بمنتهى اللباقة والهدوء تمرّدها،وعصيانها للمألوف والمستهجن ، متى لبستها حمى الحنين إلى الجذور.

بقي أن نشير في الختام إلى أن هذه المجموعة الماتعة والهادفة ، الثرية بجوانبها الرّسالية والفنية ،حديثة الصدور عن مجلة الرافد،عدد مارس المنصرم، في حلّة جذابة ومغرية تليق وسياسة وأهداف منبر عالمي راق، كبير بكوادره وبأقلامه،كما هو العهد به دوما، انتُدب لخدمة لغة الضاد والثقافة الإنسانية بشكل عام.

مشاركة