النفاق الثقافي – علي لفته سعيد

338

النفاق الثقافي – علي لفته سعيد

يبدو السؤال غير مهني، أو أنه يحمل ملامح غير دقيقة، وربما انه سؤال منطقي يأتي في وقت حرج نحتاج فيه الى اجوبة صريحة.. هل هناك نفاقٌ بين المثقّفين ؟ وبشكلٍ أدقّ هل الأديب يمكن له أن يكون منافقاً؟ تعرّفنا وعرفنا إن هناك الكثير من المثقّفين شعراء وكتاباً وصحفيين من باعوا أقلامهم للسلطة سواء السياسية أم الدينية من أجل دراهم قليلةٍ يلقيها الحاكم المتغيّر بثيابٍ جديدةٍ ودمٍ جديدٍ وسوطٍ واحد.قد تكون الإجابة غريبةً ولكنها ليست مستحيلة.. ولكن هذا النفاق أو لنخفّفها فنقول الحسد الذي سيتحوّل الى نفاقٍ من أجل التأثير على السمعة أو الشهرة التي تم استحصالها من خلال النشر في مواقع مهمّةٍ وعريقةٍ كجريدة تصدر في لندن أو المواقع الأخرى لهذا الأديب أو ذاك، وهذا الكاتب أو ذاكإن الكثير من الناس يعربون عن دهشتهم لوجود نفاقٍ بين المثقّفين وخاصة الأدباء، لكنها بكلّ تأكيدٍ طبيعةٌ بشريةٌ لا علاقة لها بالمستوى الثقافي الذي يفترض أن يكون هو المصفاة التي يقلّل من نسبة منسوب الطفح النفاقي، أو أنه الشبّ الذي ينظّف الماء من غرين الحسد.. ولكن هل النفاق يتصاعد في حدّته كلما كان المستوى الثقافي هو الأعلى؟ بمعنى إن الفقراء قد لا نجد بينهم منافقًا لأنهم مكتفون بما عندهم وطامحين للتخلّص مما فيهم من مشاكل، سواء مادية ام صحية، ومن ثم فإن الحاجة الى النفاق تكاد تكون قليلةً، إذا ما استثنينا استغلالهم من قبل السلطة لقاء المال أو التخويف، لأن العوز هو الذي يدفع بالفقير الى أن يكون لسانًا للسلطة لكي يذرف في آذانها ما تريد.. ولكن هذا النفاق يكاد يكون محكومًا بمراقبة من هو معارضا للسلطة وهو خارجٌ عن منطقة الحسد وليس تبرّعًا من الفقير الذي قد يكون وصوليًا إذا ما رأى شخصيةً، لأن فيه من النقص ما يكفي للتعويض عن فعالياته التي يتبّرع بها، ويعرف إنه لن يحصد شيئا.. ولكن مع المثقّف قد يكون الأمر مختلفًا، إذا ما استثنيا من يتم استغلالهم للسلطة أو يكون بوقًا لها.. فالنفاق  هنا يكمن في توزيع المنافع سواء كانت حسدًا أو استكمال النقصان الذي يشعر به اتجاه الآخر المنافَق عليه، بهدف إزالة النعمة أو التأثير المكاني والإبداعي أو لأخذ المكان الذي عليه من يراد النفاق عنه. إن النفاق ذاته هو طفحٌ لنقصان متجذّر في المعرفة لماهية الكينونة والثقة بمقدار المستوى الثقافي ومستواه المعرفي، ليس في المجال التربوي فقط بل في المجال الإبداعي، حيث لا يتمكّن من الوصول الى المكانة التى وصلها الآخر، أو إنه قد يكون مثقّفًا مرموقًا ولكن شعور الأنا العالي هو الذي يجعله لا يريد لأحد الوصول الى المكانة ذاتهاـ، لأنه مغرورٌ أو يخاف أن يُسحب منه البساط.. وكأن الحياة ستتوقّف عنده دون أن يدرك إن التغيّر حاصل لا محال مهما طال الزمن..إن النفاق لا يشبه الكذب بل يعيش معه، ويستغله ولا يبتعد عن الغرض السلبي، بل هو واحدٌ من علامات النقص الكامنة في السلوك السلبي، وإلّا ما الذي يجعل مثقّفًا يتبرّع بالاتصال بناقدٍ يعلمه إن الأديب الفلاني ليس مبدعًا، وإنه لا يستحق الكتابة ؟ بل وما الذي يجعل منافقًا يتصّل بجريدةٍ ما ويخبرهم إن أديبًا ينشر ذات المقالات في صحف أخرى؟ أو إنه ينشر في أماكن تقف ضد الوسيلة الإعلامية التي  يكتب فيها؟ أو أن مثقّفًا يتبرع بنقل حديثٍ دار بينه وبين مثقّفٍ آخر الى من تمّ الحديث عنه في جلسةٍ خاصة.. لتحدث المشاكل والقطيعة والمناوشات التي قد تصل الى كتابة المقالات المضادة وردّة الفعل التي قد تكون الأعنف ربما؟

إنها أساليب غير مستغربةٍ، لأن الثقافة لدى البعض كلّما زاد وزنها زاد وزن البحث عن مخرجات البقاء لزمنٍ أطول حتى لو كانت نفاقًا. ولهذا فإن النفاق محمولٌ طبيعيٌّ خامدٌ في اللاوعي، يخرج مارده لحظة الوصول الى قناعةٍ إن لا طريق آخر للدفاع عن النقصان إلّا من خلاله.

مشاركة