الغائب والملموس والمتخيّل – علاء لازم العيسى

404

 الألوان والإنسان

الغائب والملموس والمتخيّل – علاء لازم العيسى

عرف الإنسان اللون منذ أن عرف نفسه ، وأحسّ بوجودها في لون عينيه ولون شعره وبشرته ، وبألوان الموجودات التي تحيط به ، فاللون موجود في زرقة السماء والماء ، وفي لمعان البرق ، وفي الزهور ، وفي الحيوانات المحيطة به ، ومن هنا جاء إحساس الإنسان باللون والتفاعل معه ، فلا يكون معنى للحياة بدون اللون . وقد لفتَ تأثير الألوان على حياة الإنسان ، وما تعكسه من أثر وتأثير جسمي ونفسي ، انتباه العلماء الباحثين ؛ فمن خلال التجارب اتضح أن الألوان تؤثر في شعور الإنسان بالسعادة أو التعاسة ، وفي الحزن والسرور ، وفي الشعور بالحرارة والبرودة ، وفي إقدام وإحجام الإنسان ، وما ذلك إلا بسبب تأثير الألوان على خلايا الإنسان ، إذ لكلّ لون موجة معيّنة ، وكلّ موجة لها تأثير على خلايا الإنسان ، وجهازه العصبي ، وحالته النفسيّة ، ولهذا عُرّف اللون فيزيائياً ، بأنه :    كلمة تستخدم لوصف الإحساس الذي يتسلمه الدماغ ، عندما تتأثر شبكيّة العين ، بفعل أطوال موجيّة معيّنة للضوء    . وشكّلت الألوان موضوعاً لنقاش جدلي حامي الوطيس امتدّ إلى سالف الأزمان ، وتساءل بعضهم : هل الألوان جزء من جوهر الأشياء ، أم أنها مجرد أقنعة زائفة تخفي وراءها الحقيقة ، وتطمس أصل الوجود وإبداع الخالق ؟ . ففي أوائل القرن السادس الميلادي ، انتقد البابا غريغوري الكبير رسميّاً الطبيعة الزائفة للألوان ، قائلاً : حمقى أولئك الذين يذعنون لخداع الألوان في أيّ تصوير لأنهم بذلك يعمون عن حقيقة الموضوعات المصوّرة     ألوان شيطانية ومقدسة ، هيرمان بلاي ص109    ولقد أعلى هذا الرأي البابوي من شأن الفكرة القائلة بأن الطبيعة الحقيقيّة لأيّ لون إنّما تجد تفسيرها في لفظة   colour   ذاتها أي اللون ، والمتفق على أنها مشتقة من الكلمة اللاتينيّة   celare   كيلاري بمعنى يحجب ويستر .

زينة الحياة

وشنّ العلّامة اللاهوتي   برناردو   المتوفى سنة 1153م ، مؤسس المذهب البندكتي في القرن الثاني عشر ، ورئيس جمعية الرهبان السيستريين البورغوني ، وكان معارضاً لزينة الحياة الدنيا ، حملة شديدة لا هوادة فيها على الألوان باعتبارها صنائع أرضيّة ، ومن هنا فهي إثم وشر ، وفتنة وغواية ، وكلّما اشتدت في الناس قوّة الألوان ، انهمك الأب كليرفو في تدعيم الركائز الروحيّة القويّة للحيلولة دون ظهور أيّ من صور الألوان والزخارف ، وهذا هو السبب وراء خلو أديرة الرهبان البنديكيت من أيّة ألوان ، وبقائها بيضاء مجردة .

وللألوان جذور عميقة في التراث العربي القديم ، لا سيّما في النصوص الأدبيّة الراقية المتمثّلة في شعر المعلّقات ، والشعر القديم بعامة ، وفي القرآن الكريم ذكرت ستة ألوان ، وقد خصّها الله تعالى بأسماء معيّنة ، وهي : الأبيض ، والأسود ، والأصفر ، والأزرق ، والأحمر ، والأخضر .

وقسّمت الألوان إلى : ألوان أساسيّة ، لا يمكن استنباطها من الألوان الأخرى ، لأنها أصل الألوان ، وهي : الأحمر ، والأزرق ، والأصفر ، وألوان ثنائيّة ، وهي : الأخضر ، والبنفسجي ، والبرتقالي ، وهذه نحصل عليها إذا مزجنا لونين أساسيين بنسب معيّنة .

أمّا العالمان برينيت برلين وبول كيه فأكدا في بحثهما المشترك ، الذي صدر سنة 1969 عن جامعة كاليفورنيا ، بأنّ هناك أحد عشر اسماً أساسيّاً للألوان ، هي : أبيض ، وأسود ، وأحمر ، وأخضر ، وأصفر ، وأزرق ، وبنّي ، وأفلاطوني ،  برتقالي ، ورصاصي ، وتوجد هذه الأسماء في اللغات بمقدار التطور الحضاري والتقني للمجتمعات ، فكلّما تقدّم المجتمع ، زاد عدد أسماء الألوان الأساسيّة في لغته .وقد أهتمّ المختصون بـ   علم الدلالة   بالألوان اهتماماً كبيراً ، وقسّموها من حيث دلالتها ومعانيها إلى قسمين : المعاني القصديّة   الدلالة المركزيّة   ، والمعاني الإيحائية   الدلالة الهامشيّة   ، والدلالة الأخيرة هي المقصودة ؛ إذ تبيّن الأبعاد النفسيّة والاجتماعيّة والتاريخيّة التي انطلق منها الأديب .

فاللون   الأحمر   مثلاً من الألوان التي تعطي الحياة والحركة والحرارة ، وهو لون الحُبّ والشباب ، وفي المقابل هو لون والثورة والانفعال والحياء والغضب ،  أمّا علماء الطاقة فيرونه رمزاً للانتماء ، السجّادة الحمراء التي تفرش لاستقبال كبار الضيوف ، أثناء زيارتهم لبلد آخر ، كي يشعروا أنهم في بلدهم     الألوان ، كلود عبيد ص11   .

ويُعدّ اللون   الأزرق   لون الوقار والسكينة والهدوء والحكمة ، وهو من الألوان التي ترتبط بالسماء والبحر والماء ، فكانت الصفة الأكثر التصاقًا به صفة النقاء والشفافيّة ، وفي سنة 2007 وضمن بحث أجري في جامعة نيوكاسل ببريطانيا ، تمّ توجيه سؤال إلى البالغين عن لونهم المفضّل ، كان اللون المفضّل للرجال والنساء على حدّ سواء هو الأزرق .

وفي تراث بعض الشعوب الكلاسيكي يبلغ الشياطين في أهاب اللون الأزرق ذروة التخويف والإفزاع ، فيقال :   الجن الأزرق   ، أضف إلى ذلك ما يقال عن احتفال الساحرات فوق الأرض بيوم السبت ، فوق تلّة تسمّى   التلّة الزرقاء   ، وعندما قاتلت الأقوام الجرمانيّة الرومان ، كانوا يطلون أجسادهم باللون الأزرق ليوقعوا في نفوس أعدائهم الرعب .   ألوان شيطانيّة ص140   .

لون الاسى

أمّا اللون   الأصفر   فهو لون الأسى والشهوة والجوع والموت ، وفي سنة 1296م أصدر البلاط الملكي الفرنسي مرسومًا يوجب على اليهود وضع شارة صفراء لتمييزهم عن باقي الناس ، ولقد فرضت تلك الشارات الصفر التشهيرية على المسلمين أيضاً ، وعلى العاهرات والزانيات ، والساحرات من النساء ، ولا يزال الأصفر يشكّل النذير للخطر المحيق ، والمثال النموذجي على ذلك بطاقة إنذار اللاعبين في مباريات كرة القدم .وفي العصور الوسطى عشق الناس في أوروبا اللون   البُنّي   ، لأنه يشبه لون تراب الأرض ، ولذلك عدّوه رمزاً للتواضع والبساطة ، ولقهر الرغبات الجسديّة والشهوات ، وإذلال النفس طواعية وبدون إكراه ، وكان بعض الرهبان يظنّون أنّه ليس لونًا مثل بقيّة الألوان ، ولكنه لون منزوع اللون .   ويعدّ اللون   الأخضر   من الألوان المهدئة والباعثة للانتعاش والطمأنينة ، إضافة إلى قدرته على امتصاص الطاقة السلبيّة من جسم الإنسان ، لذا فهو يستخدم في عيادات علاج الأمراض المزمنة مثل السرطان وأمراض الدماغ ، لأنه يقلل من الآلام المصاحبة لتلك الأمراض ، وعند علماء الطاقة ، فالأخضر هو لون الحُب والراحة والاسترخاء .

وبالرغم ممّا يعكسه اللون الأخضر من طاقات ايجابيّة ، مثل : الانسجام ، والانتعاش ، والحُب ، والحياة ، فإنّ له جانبًا سلبيًّا أيضاً ، فقد يمنح إحساسًا بالملل ، والركود ، والنمطيّة ، والضعف. ويدلّ اللون   الوردي   أو الزهري ، على السكينة وراحة البال ، والأنوثة ، والجنس ، وغريزة البقاء ، لكن الكثير منه ربّما أوحى بالضعف والعجز .

واللون   البنفسجي   ويسمّى باللون الملكي ، فهو مبعث للرومانسيّة والنعومة والانسيابيّة ، وهو يرتبط بالخيال والروحانيّة ، وله دلالات بحسب الثقافات ، فمثلاً : عند الغرب يدلّ على الثروة والشهرة والمناصب العالية ، وفي اللوحات الصينيّة يدلّ على التناغم والانسجام في الكون ؛ لأنه مزيج من اللونين الأحمر والأزرق ، وفي الشرق الأوسط يدلّ على الثروة والملكيّة والفضيلة ، كما ويجمع اللون البنفسجي بين الحُبّ والحكمة والتوازن العاطفي ، ومحبّي هذا اللون يتصفون بالهدوء ، وإنجاز أعمالهم على أفضل وجه .

أمّا   الأبيض   و   الأسود   فقد أطلق عليها الألوان الحياديّة ، لأنها غير موجودة على الدائرة اللونيّة ، وهي تتفق وتنسجم مع أيّ مجموعة لونيّة ، وحتى وقت قريب كنّا لا نرى العالم بأسره إلّا من خلال اللونين الأبيض والأسود ، سواء في الجرائد ، أو الصور الفوتوغرافيّة ، أو الأفلام السينمائيّة وبرامج التلفاز .

مشاركة