النيسابوري إضافاته وإختلافاته مع الزمخـشري في تفسير الكشّاف – فــلاح المرســومي

النيسابوري إضافاته وإختلافاته مع الزمخـشري في تفسير الكشّاف –   فــلاح المرســومي

يتضــح جلياً أن جــذب الأنظــار إلى بعــض التفـاسير في القــرآن الكــريم وتناول المنــزلة والرفعــة عنــد القارئ وفي الــركــون والــرجــوع إليهــا أكثــر من غيــرهـا مــن التفــاسـير يكمــن في شــدَّة رســوخ أصحــابها المفســرين في عدَّة علوم، وكذلك ضروب جذورهم بقــوَّة في علمــي المعــاني والبيــان فضــلاً عن حــسّ المفسر المرهـف وذوقــه اللغوي الســليم، فظهــر هــذا الذي أحببناه في التفســير في تصــوير كــلام اللــه عــزَّ وجــلّ على أحســن تصــوير، وهــذا القــول يليــق بأن نطلقــه على الزمخشــري صاحب تفســير (الكشــاف) حيث أورثنــا “رحمــه الله” تفسيراً رائعــاً زاخــراً بفنــون البــلاغة، إذ كان مصدراً ومرجعاً اغترف منه الكثيرون ونهلت من معينــه الفياض أجيــال من المفسـرين وغيـرهم. ومن جاء من بعــده لم يكمل المسير، بل كانت بعده محــاولات باهتة ولكن قد يدعي أحدهم أنه أضاف شيئاً من البلاغة إلى تفسير الكشاف في إبراز المقدرات وإظهار المضمرات وصرح الكنايات وحقق المجازات والاستعارات.

نظام ديني

 ومن ادعى ذلك نظام الدين النيســابوري الذي كتب في مقدمته أنه أضاف شيئاً من البلاغة إلى تفســير الكشاف للزمخشــري، وقد وجدت أنَّ هــذا الادعاء هو الذي دفع الباحثــة والكــاتبة زينــب فخــري حســين للتحري والبحث فيــه، فكان كتابها عن هذا الموضوع  بعنــوان “النيســابوري إضافاته واختــلافاته مع الزمخشــري في تفســير الكشاف”.

وقد بدأت من حيث ما يتوجب التعريف بكليهما، فالزمخشري ولد في رجب من عام 467 هجرية – 1075م، وقَدِم إلى بغداد وسافر إلى مكة فجاور بها زمناً فلقب بـ”جار الله” وتنقل في عدَّة بلدان ثمَّ عاد إلى جرجانية فتوفى فيها ليلة عرفة بعد رجوعه من مكة سنة 538 هجرية – 1144 م، وكان بعمر ناهز ســت وسبعيــن ســنة. وهو مفسر ومحدث، متكلم، نحــوي، لغوي، بياني، أديب، ناظم، ناثر، مشارك في عدَّة علوم ويعــدّ من أئمة العلم بالدين والتفسير واللغة والأدب. أما النيسابوري فهو نظام الدين الحسن بن محمد بن الحسين القمــي النيسابوري ويقال له “الأعرج” تاريخ لادته غير معروف ولكن تاريخ إنهاء مجلــدات تفسيره بعد 850 هجرية، وهو عالم ملم بالعلوم العقلية، جامع لفنون اللغة العربية له القدم الراســخ في صناعة الإنشــاء، والمعرفة الوافرة بعلم التأويل والتفسير.

 لقــد شرعت الباحثة زينب فخري بشرح الأسباب لولوجها بهذا البحث بجرد الإضافات البلاغية التي أضافها النيسابوري، فضلاً عن أن أهمية البحث تكمن في أنه يسلط الضوء على تفسير النيسابوري بشكل واسع جداً بخلاف ما سبق، وهي دراسات لا تتجاوز أصابع اليد على الرغم من جهود مؤلفه الواضحة في اللغة والبلاغة والعرفان، وإن دراسته كانت بلاغية لمعرفة التطبيقات البلاغية التي أضافها النيسابوري إلى تفسير الكشاف، لتصل الباحثة بالتالي إلى مقارنة بين التفسيرين، وتحاول معرفة الأسباب وراء عدم ذكر الزمخشري لهذه التطبيقات البلاغية، محاولة منها لمعرفة علّة بعضها، مؤكدة أنَّ بحثها يبدأ مع بداية الأسطر الأولى لتفسير غرائب القرآن وغرائب الفرقان للنيسابوري (أي مع بداية تفسيره لسورة الفاتحة) وينتهي بنهاية السطر الأخير من التفسير (أي إلى نهاية تفسيره لسورة النــاس)؛ وذلك لمعرفة الإضافات والاختلافات البلاغية بينه وبين الزمخشــري.

سيرة واعتزال

الكتاب ضم أربعة فصول، الأول كان بمبحثين “أبو القاسم محمود الزمخشري وفيه السيرة والاعتزال وأهمية الكشاف، ونظام الدين النيسابوري السيرة والتصوف، وأهمية تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان، أما الفصل الثاني فكان مباحث النيسابوري البلاغية في علم المعاني وبمبحثين أيضا الأول إضافات النيسابوري في علم المعاني والمبحث الثاني في الاختلافات البلاغية بين النيسابوري والزمخشري في علم المعاني، أما الفصل الثالث والذي حمل عنوان “مباحث النيسابوري البلاغية في علم البيان” فقد كان بمبحثين الأول: إضافات النيسابوري في علم البيان والثاني الاختلافات البلاغية بين النيسابوري والزمخشري في علم البيان، وكان الفصل الرابع والأخير بعنوان “مباحث النيسابوري البــلاغية في علــم البديع”  وبمبحثين أيضاً، الأول إضافات النيسابوري في علم البديــع، والثاني الاختلافات البلاغية بين النيسابوري والزمخشري في علــم البــديع. ثمَّ جاءت الباحثة على الخاتمة لتؤكد فيها أنَّ الكثير من البلاغة التي أضافها النيسابوري قد استمدها من كتب أخرى، وقد سمتها وأن إضافاته الشخصية وتطبيقاته البلاغية كانت قليله لا بل أن بعض إضافاته قد استقاها من كشاف الزمخشري نفسه، وأن معظم إضافاته كانت في علم المعاني.

 وأشارت الباحثة زينب في دراستها إلى أنَّ بعض أسباب عدم ذكر الزمخشري لهذه التطبيقات البلاغية يعود لمنهج الزمخشري الاختصاري، فحين يذكر تطبيقاً في موضع ما لا يذكره ثانية، وكأن منهجه البلاغي في تفسيره موجه للمختصين في الشأن البلاغي، وكان بعضها بالنسبة له كالبديهيات: كالالتفاف والإظهار والإضمار والقصر.

 خلاصة القول أنَّ النيسابوري لم يضف شيئاً إلا النزر اليسير ليظل كشاف الزمخشــري هــو الــرائـد في مجــال البلاغة، كما وقد رصدت الباحثة في دراستها أيضاً اختلافات بلاغية بين النيسابوري والزمخشري يرجع جُّلها إلى الاختلاف الفكري بينهما. لقد اعتمدت الباحثة زينب فخري حسين في بحثها ودراستها إلى 158 مصدراً أولها القرآن الكريم وإلى خمس رسائل وأطاريح جامعية.

ويشمل الكتاب 264 صفحة، وهو من إصدارات دار الشؤون الثقافية العامة في وزارة الثقافة عام 2018.