إستعادة موفّقة لأدب غوركي بترجمة عراقية – عبد اللطيف الموسوي

472

 

_حكايات إيطاليا وروسيا جديد دار الرافدين

إستعادة موفّقة لأدب غوركي بترجمة عراقية – عبد اللطيف الموسوي

مرة اخرى تطل علينا دار الرافدين بإحدى روائعها لأحد مشاهير العالم فتقدم مجموعة من القصص القصيرة للكاتب الروسي الشهير مكسيم غوركي بالاضافة الى احدى اهم مسرحياته بين غلافي كتاب واحد تولى ترجمتها المترجم العراقي منذر كاظم حسين. ضم الكتاب الذي حمل عنوان(حكايات ايطاليا وروسيا) 13 قصة من إيطاليا التي عاش فيها الكاتب مدة طويلة و9 قصص من روسيا لكن القاريء يفاجأ في منتصف الكتاب بمسرحية الاعماق السحيقة التي لم يرد لها ذكر في الغلاف الخارجي للمطبوع  ولا في صفحة العناوين الداخلية التي عادة ماتتصدر أي كتاب او صفحة التعريف بالكتاب الداخلية وكإن الناشر هنا يقدم بذلك هدية لقارئه. وقد اجتهد الناشر فأقدم على تغيير العنوان الاصلي للكتاب من(حكايات من بلدين) الى حكايات ايطاليا وروسيا ومع انني ارى ان العنوان الاول أوقع واكثر جذباً للقاريء ولكن ربما لدار الرافدين رأي آخر . وما يحسب للدار انها تعزو استعادتها لأدب هذا المبدع الكبير الى  ايمانها بأن (الفن الحقيقي يليق بكل العصور) كما انها ترى في رفد المكتبة العربية بهذا العمل (سلواناً للمحرومين والعاطلين عن العمل واليائسين). ودار الرافدين تحاول في هذا الكتاب ان تنشر ثقافة الحب والسلام التي سعى اليها غوركي فتنقل عنها قوله (لقد طغت في داخلي رغبة عارمة في ان احرر العالم واحرر نفسي بعمل سحري… حتى  يصبح كل انسان قادراً على ان يمنح حبه الى انسان آخر على الارض وحتى يكون بإمكان الناس  ان يعيشوا من اجل بعضهم بعضاً وتغدو حياتهم باسلة ومجيدة وجميلة).  وهنا نشيد بالجهد الذي بذله مترجمنا منذر كاظم حسين في نقله الكتاب من اللغة الانكليزية الى العربية مع انه مكتوب اصلاً باللغة الروسية وهنا نقدر الصعوبة التي تواجه المترجم عندما يقدم على ترجمة عمل عن طريق لغة ثالثة ويكفي القول بهذه المناسبة ان المترجم عادة ما يكون بعيدا الى حد ما عن اجواء وثقافة وحضارة البلد الام للكاتب الاصلي اذا ما ترجم عن لغة ثالثة فربما يكون المترجم المختص باللغة الروسية اقرب منه الى روسيا والى روحية الكاتب نفسه. ويبدو ان المترجم قد شغف بإنسانية غوركي وفكره ونضاله واحتجاجه ضد الجوع وماعاناه من شدائد جراء مواقفه المناصرة لأبناء شعبه ولاسيما الطبقات المسحوقة ومثقفي الاتحاد السوفيتي في حينه ، فآثر ان ينقل لنا هذا الفكر عبر أدب غوركي.

غوركي الانسان

يلقي المترجم في مقدمته الضوء على غوركي الانسان والثائر فيشير الى تناول هذا الروائي ادب الاحتجاج في اعماله التي تعلم منها كثيرون التمرد والثورة وقد شاطر ابناء الشعب الآلام والمعاناة والحرمان وصرخ محتجًا بوجه الجلادين وعارض الحكام  كما دافع عن الفقراء والعمال والمشردين والعاطلين محتجاً ضد الجوع .  ويلفت المترجم نظر القاريء الى احتلال المرأة حيزاً كبيراً من تراث غوركي وعمله كما انه لم ينس الطفل المشرد. ويرى المترجم ان هذا الكتاب رسالة واضحة تدعو للحياة  والثورة والانعتاق وتؤكد قدرة الانسان العامل على تغيير الواقع وتحرير الانسان من الانعتاق والاذعان وبناء مجتمع جديد يتسم بالعدالة وانسان جديد حالم سعيد وكريم يكون سيد نفسه ومدافعًا عن سيادة وطنه وشعبه. ان إلقاءنا نظرة على عناوين القصص القصيرة التي ضمها الكتاب يؤكد لنا صحة ماذهب اليه المترجم إذ نقرأ في باب الحكايات الايطالية عناوين مثل(أم الخائن، الطفل الغريب، جبروت الامومة، سمعة القرية، الاشتراكي، الاحدب) وفي باب الحكايات الروسية نقرأ قصصاً تحمل عناوين لافتة مثل (الشاعر، الكاتب، الرجل صاحب الشخصية الوطنية، الليبرالي، اليهود وأصدقاؤهم ، المقاومة السلبية، وصناعة السوبرمان). واذا استعرضنا قصص الكتاب للاحظنا ان غوركي قد ركز من خلال ثيماتها على القضايا الانسانية المهمة التي ذكرناها آنفًا ففي قصة الليبرالي نرى الرجل الاقطاعي الذي يدعي انه نبيل وليبرالي والذي اعتاد على تعزيز أقواله بحكم واحداث تاريخية ليثبت صحتها لكنه كان قد امر في وقت سابق بتمزيق الكتب والاحتفاظ بأغلفتها فقط لكي يثبت عكس ما يشاع ين الفلاحين بشأن ملكية الارض وغيرها من القضايا وكان يساعده في ذلك رجل وصولي داهية وهو يمثل المثقف الروسي العادي الذي يفتقر الى المبادىء لكن الرجل النبيل اضطر لشراء نسخ جديدة من الكتب التي اتلفها وأمر بمحو الحقائق التي قد تسهم في دفع الاهالي الى الليبرالية وامر بأن تصاغ دلالات جديدة لما تم محوه.وفي قصة (المقاومة السلبية) يتحدث غوركي عن رجل طيب يقرر ان يتوقف عن مقاومة الشر بالقوة ليستخدم الصبر في مواجهته فأوصل مساعدو الحاكم  الخبر اليه وأبلغوه بأن الرجل الذي كان تحت المراقبة اخذ يتواصل مع نفسه بطريقة غريبة من دون ان يتحرك من مكانه او يتفوه بكلمة، جيء به الى الحاكم الذي امر بتفتيشه وسلب ممتلكاته حتى حفروا حشوة اسنانه لأنها كانت من الذهب وعند استجواب الحاكم له قال المواطن انه لايريد شيئاً سوى تعليم الناس الصبر لكنه جوبه بقسوة من الحاكم فيما تأثر به الاهالي ويمضي غوركي في سرد الاحداث التي تظهر خنوع الناس البسطاء وجزع المواطن من ضعفهم حتى اضطر لمناداتهم (ايها المواطنون، ايها الرفاق، ماذا افعل هل اقوم بالثورة بمفردي؟).

خطوة موفقة

اشيد هنا مرة اخرى بإقدام مترجمنا ودار الرافدين على هذه الخطوة الموفقة المتمثلة بإستعادة ادب مكسيم غوركي وارى ان هذه الاستعادة مهمة للغاية لما يحظى به غوركي على الصعيد الادبي والانساني فهو ليس مجرد كاتب وانما يمكننا القول انه ثائر ومناصر لقضايا الشعب. وتتجلى هذه الاهمية بإطلاق اسمه  على معالم وشوارع ومصانع ومكاتب ومسارح ومتنزهات  وحتى سفن وطائرات في عهد الاتحاد السوفيتي وهو امر لم يحظ به كتاب أفذاذ آخرون مثل تولستوي ودستويفسكي وتشيخوف وغيرهم. وقد بدت مكانته الادبية واضحة منذ بداياته فقد كتب النقاد عنه نحو ألفي دراسة ومقالة في العشر السنوات الاولى لظهوره على الساحة الثقافية . لم يكتف بالعمل الادبي وانما أنتقد بعنف البلاشفة فكتب سلسلة مقالات تحت عنوان(افكار في غير اوانها) ولم يتوان عن نعت البلاشفة بـ(المتعصبون العميان). وقد اثار الاستياء اكثر بمواقفه ودفاعه عن الادباء والعلماء المضطهدين حتى ان لينين نفسه هدده مازحاً عبر نصيحته له بأن يسافر الى الخارج للعلاج واردف ملطفًا الجو(وبعكس ذلك، سنرحلك). وبالفعل توجه غوركي الى ايطاليا ومكث فيها طويلاً رافضًا في مابعد الاغراءات التي قدمتها له الحكومة لكي يعود الى البلاد ، قبل ان يرجع في وقت لاحق الى بلاده ليفجع في ما بعد بموت ابنه بشكل مفاجىء. ولكنه شعر ان الامر كان مدبراً لأنه رفض كتابة رواية عن ستالين بعد ذلك اصبح قيد الاقامة الجبرية بدعوى حمايته كما رفض ستالين السماح له بالسفر الى الخارج من اجل العلاج حتى توفي في 1936 لكن الشكوك حامت بشأن وفاته وجرى تحقيق بفرضية انه كان ضحية عملية قتل مدبرة كانت ايضًا بأمر حكومي.لا أريدالحديث طويلاً عن غوركي لكني اوجز القول فأوكد اهمية استعادة اعمال هذا الكاتب العظيم.

 

مشاركة