رواية بيت السودان

670

رواية بيت السودان

سطوة المكان وتداخل الواقعي والمتخيّل

ناطق خلوصي

يحظى المكان بموقع  خاص في رواية ” بيت السودان “التي صدرت للقاص والروائي محمد حياوي عن دار الأداب هذا العام ( وهي رابع رواياته الصادرة حتى الأن ) ،ويفرض عليها سطوة  تفوق السطوة التي فرضها على سابقتها “خان الشابندر”.والمكان هنا ليس محض وعاء خارجي لاحتواء الأحداث  فهو جزء مكمل لها ، يرتبط بها وترتبط به . انه الملاذ الذي اختاره محمد حياوي لشخصياته التي التقط أغلبها  من قاع المجتمع ( مثلما كان قد فعل في ” خان الشابندر “مع الإختلاف في نمط  الاختيار وطبيعة التناول ).ننتمي أغلب هذه الشخصيات  إلى شريحة اجتماعية ربما تُعد طارئة على مجتمع “الناصرية “التي تقع في جنوب العراق ( وهي المكان الرئيسي  للأحداث ) ، وقد تكون طارئة على المجتمع العراقي نفسه . وكما يدل عليها عنوان الرواية ، فإن هذه الشريحة لها حضور في مدن جنوب العراق، تكسب عيشها في بيوت تبيع المتعة بالرقص والغناء ، كما يقول الروائي عنها ، والبيت الذي اختاره واحد من هذه البيوت وكان واضحاً أن بطل الرواية وراويها علي (ويسمى “علاوي” تحبباً )عاش سنوات طفولته وصباه وشبابه في هذا البيت وكان فتى البيت المدلل لكنه ظل في معزل عن الأجواء التي اشتهربها البيت فكان واضحا ًأيضا ً أنه طارىء عليه ، متميز عن ناسه  بلون بشرته البيضاء في مقابل دكنة  لون من كان يعيش معهم ،ولم يمارس الغناء في يوم من الأيام . غيرأن الغموض يكتنف جانبين من شخصيته تتمثلان في : مجهولية نسبه وطبيعة علاقته بـ”ياقوت ” سيدة بيت السودان  وصاحبة المقام العالي فيه . وعلى الرغم من أنه قضى سنواته في ذلك البيت فإنه كان يشعر بالغربة  ولم يكن مطمئنا ً إلى كونه ابن ياقوت .  فيحاول البحث عن نسبه دون جدوى . يقول عن ” عجيبة ” (عجوز بيت السودان ) :  ” لا أدري إن كانت جدتي حقاً أم أنها أم ياقوت ، أم إحدى نساء بيت السودان العجيب  الذي اكتشفت أنني أعيش فيه منذ وعيت على الدنيا “(ص 18) فكان مسكونا ً بالقلق والحيرة والضعف والتردد حتى أنه كان يسأل مَن في البيت عن حقيقة نسبه لكنه يتلقى ردودا ً متباينة : ” منهن من تقول أنهم عثروا عليّ وليدا ًملفوفاً بقطعة قماش خلف سياج المستشفى الكبير ” ( ص 18) وينطوي هذا القول على إيماءة إلى كونه لقيطا ًيعزّزها قول ياقوت وهي في ذروة توترها في حالة رغبتها فيه :” ليت عجيبة لم تجلبك تلك الليلة” (ص124) وكان يتساءل عن السرالذي جعلهم يأتون به وهو أبيض البشرة في حين أن كل فتيات  البيت سوداوات .

علاقة غامضة

 أما طبيعة علاقته الغامضة بياقوت وأمومتها المزعومة له ،فكانت تحيره مثلما تحيّر قارىء الرواية بفعل غرابتها وغموضها. كانت تكبره بعشر سنوات ويقول عنها ( كما لو أنه يتحدث عن امرأة غريبة عنه مع أنه كان ينام في حضنها على السرير) : ” كانت ياقوت امرأة سوداء مشدودة القوام ، طويلة القامة ذات شخصية قوية تفرض احترامها وهيبتها على الجميع ” ( ص 18) و ” أي رجل سيصمد أمام جسدها العاجي  المنحوت هذا ؟ وأي أنوثة تُكتم عنوةً وهي تعض  على رغباتها الدفينة  بتواجد المكابرة واستدعاء القوة ؟” (ص 23). لم يتعامل معها على أنها أمه ولم نسمعه يخاطبها بـ ” يا أمي ” على نحوٍ مباشر سوى في مرات قليلة  انه يعترف : ” وهي في السابعة والعشرين ، كانت امرأة ناضجة وكانت علاقتنا لا تشبه علاقة الأم بابنه ” ( ص 19) ولم يكن يساوره مثل هذا الشعور هو أيضاً  على الرغم من أنها  كانت تبالغ في رعايتها له  . لم تكن تتحفظ أمامه : تغير ملابسها وترتدي ثوب نومها أمامه . ويعترف بأنها كانت تعامله كصديق: ” تتأملني  بصمت مشوب بنظرة عشق ووله عميق” (ص 19) وبدا كأنهما في حالة عشق خفي متبادل . كانت تتشهاه  ويتشهاها في المقابل :” فأغمضت عينيّ   ورحت أتخيّل تفاصيل جسدها المشدود ، وابتسامتها الآسرة ، ودفء صدرها حين تحضنني  وتدفن رأسي وسطه ……………. كانت تلك العلاقة الغامضة  التي تجمعنا مبعث قلق وحيرة بالنسبة إليّ فلا هي تفك أسري ولا هي تطفىء ناري  ولا هي تسمح لي بإطفاء تلك النار ” ( ص 45 ) وهذا صوتها يتهدج : “أحبك بل أعبدك يا مجنون . … لقد ربيتك في حضني فكيف أسمح لنفسي بمعاشرتك كما لو كنت رجلاً غريباً. أنا أحترق من داخلي يا عزيزي وأموت عشرات المرات في اليوم لهفة عليك . أريد أن أدخلك كلك في جسدي وأتوحد معك ” ( ص 123) .فهي إذن كانت تتكتم على حالة عشق خفي مخزون في الصدر . ورغم أن الغيرة تستبد بها وتخشى عليه من فتيات البيت ، فإنها كانت تكابر وتدّعي أن حرصها عليه انما هو حرص أم على ابنها  وكانت تعيش ذلك الوهم إلى أن استثير جسديا ًيوماً وهو في حضنها  وكان عليها أن تغادر وهمها لكنها ظلت تكابر . نزعم أن انفجارها بالبكاء لحظة اكتشفت استثارته الجسدية بسببها كان بفعل خوفها من أن تستحوذ عليه امرأة أخرى غيرها وكانت قد حرّمت اقتراب أي من فتيات البيت منه  مع أنها كانت تقول كذبا ً أو على سبيل المزاح ، بأنها على استعداد لأن تزوّجه بأية واحدة يشاء منهن . ومما يشي بأنها كانت ترغب فيه أنها كانت تجلس يوماً مع الفتيات ومعهن” عفاف ” ابنة الحوذي زيدان ( وسيكون لها حضور في الأحداث ) ، وهن يمارسن لعبة الصينية ، التي تقضي بأن تقوم من تتوقف فوهة الزجاجة الفارغة التي يتم تحريكها بشكل دائري ، فبالتها  بتقبيل الراوي من شفتيه . وحين توقفت الفوهة قبالة عفاف رفضت الإذعان لشروط اللعبة ، فاقترحت ياقوت : ” ما رأيكن لو تطوعت أنا في تقبيل علي بدلاً منها ؟ ” ( ص 65) و يشي هذا أيضاً بأنها كانت تتشهاه خفيةٍ .لقد كان واضحاً إن الروائي يغوص بعمق في داخل كل من هاتين الشخصيتين ويكشف عن مكنونات نفس كل منهما ويتعرض لها بوفق اسلوب التحليل النفسي . ولعل في هذا النمط الغريب من العلاقة ماجعل بطل الرواية يبدو ضعيفا ً ، متردداً ، منجذبا ً إلى ” ضُمد”رجل بيت السودان وقد وجد له ملاذا ً لديه  يضمد له فيه  جراح روحه الحائرة .

 يتداخل الخيال بالواقع في فضاء هذه الرواية فيفضي هذا التداخل إلى تشكّل لوحة تجمع بين ما هو روحي وما هو جسدي ، ماهو وهمي وما هو حقيقي ، ما هو مسحوب من عمق الماضي من قيم وما هو من صنع الحاضر ، فضلاً على الثنائيات التي تجمع ” بين العاطفة والرغبة  ، الاحتياج والارتواء ،النقص والاكتمال ” التي  وردت على غلاف الرواية الأخير .ويتجلى هذا التداخل منذ بداية الرو اية ، وتحديداً من المدخل  المتمثل بالصوت الداخلي وهو يملي وصاياه وتعليماته على بطل الرواية، يوصيه أن يتمسك بأذيال : ” تلك السمراء ذات الشعر الأجعد ، والتي تشبه عيناها بقعتي قهوة  …… لا تتركها ترحل ، حتى لو لزم الأمر تقبيل التراب  الذي تحت قدميها ” ( ص 7). ومن هذا المدخل الذي ينأى به الروائي عن المباشرة وأحاطه بشيء من الغموض ،تبدأ مرحلة التداخل بين الواقعي والمتخيل .

معالم المكان

يحدّد الروائي معالم المكان على نحو واضح ، وهو ليس فقط البيت بباحتـــــــــه وغرفته العلوية وســــــــــطحه وانفتاحه من الخلف على بستان ،يؤدى إليه عبر باب صغير ، وإنما يتمثل أيضا ً بأمكنة فرعية  تتمثل بـ : المقبرة والخسف والمنخفض المائي والفتيات السابحات فيه ، ثم منطقة أور الأثرية والشاخصة التي يقيم فيها ضُمد هناك ،والقاعدة العسكرية والفندق القديم ومحطة القطار، وغيرها ، وكلها أمكنة لها حضورها المتواتر في الواقع أو مسحوباً من المخيلة ، لكن بيت السودان بفنائه الواسع وحديقته الصغيرة ،يظل المحور الرئيسي للأحداث . أما البستان فهو مكان لبعض الأحداث لكنه لا ينفصل عن المكان الرئيسي . في هذا البستان  اعترفت ياقوت لبطل الرواية أنها كانت قد طردت  ” رُقيّة” ( وهي احدى فتيات البيت )، لأنها ضبطتها تطيل النظر إليه ، فألقت نفسها في النهر منتحرةً لتتحول روحها إلى كائن متخيل  بهيأة غزالة ظلت تلاحقه ، وأشعرت ياقوت بالذنب ، وتهمس له ياقوت وهما لوحدهما ليلاً في البستان فيما إذا كان يسمع صوتاً” فتجفل روحي ويزداد الوجيب في صدري” ( ص 31) وكأنه  كان يسمع أصوات حفيف الأرواح الهائمة حولهما .

  يشير الراوي إلى ولعه  في تتبع النساء منذ  طفولته وهو ولع سيجعله يسرف في المتخيل ، فيتحدث عن الفتاة ذات السبع عشرة سنة التي لاحقها  في المقبرة : ” كانت تنبعث منها رائحة غريبة تشبه رائحة الأضرحة . أمسكت بيدي وقادتني إلى مكان في المقبرة . كان أشبه بخسف مهول في الأرض الرملية ، تظلله الأشجار  والنخيل وتنبع منه عين ماء  رقراق  يتجمع في جدول صغير  …….. رأيت ، من بين ما رأيت ، سبع فتيات سوداوات يشبهن الحوريات ، يجلسن باسترخاء  حول العين “(ص12و13). ويحمع هذا المقطع بين ما يومىء إلى الموت ( المقبرة ورائحة الأضرحة ) ، وما يومىء إلى تواصل الحياة (الماء والأشجار والفتيات السوداوات ) ليكون ذلك مدخلا ً للوصول إلى بيت السودان ، وكأن في هذا المشهد المتخيل إرهاصاً بما سيحدث على مستوى الواقع.

  لكن السرد لا يلبث أن يستقيم على نسق واقعي : ينزل من فضاء المتخيل إلى أرض الواقع فينقلنا إلى أيام دخول القوات العراقية الكويت وحضور العلاقة بين الراوي وعفاف ابنة الحوذي زيدان وقد أصبحا في المرحلة الأولى من الدراسة الجامعية برضا ياقوت وتشجيع منها وقد ربط وثاق الحب بينهما ،إلى انتفاضة 1991وما صاحب قمعها من أحداث إلى جانب الحصار الذي عانى منه العراقيون وصولاً إلى حرب الكويت والاحتلال الأميركي للعراق ، لتعود الرواية من جديدإلي نقطة المتخيل التي كانت قد بدأت منها ولتكشف عن أن ما تعرض له الراوي في الفندق الذي ذهب إليه على أمل اللقاء بعفاف كان محض خيال وان حقيقة ما تعرض له يتمثل في أن ياقوت حاولت انقاذه من الحريق المتعمد الذي شب في بيت السودان فصعدت به إلى السطح ورمته إلى الخارج فتسبب ذلك في كسر ساقه . وعلى ما نرى فإن الروائي أحسن اختيار شخصياته وفق رؤية فكرية دقيقة ومنح كلاً منها دوراً أحسن أداءه على مستوى الأحداث المتداخلة وجميعها على ارتباط ببيت السودان ، بدءا ً من سيدة البيت ياقوت ومروراً بالعجوزعجيبة التي يبدوأنها هي التي كانت وراء نشأة بيت السودان وديمومته ورفده بالفتيات . وكلهن سوداوات  ،وهن أما لقيطات كانت ” تلتقطهن من الباحات الخلفية  لمستشفيات الولادة ( ربما كانت ياقوت نفسها واحدة منهن )، أو أتين بأرجلهن هرباً من فضيحة ما في مدنهن البعيدة  ص 23 وهي التي جاءت بعلي نفسه .وتكاد شخصية ضُمد تختلف عن شخصيات بيت السودان الأخرى فهو الرجل الوحيد بين  نساء البيت الللاتي يلتقي معهن في انتمائه ولون بشرته لكنه يختلف عنهن في تفكيره ونمط الحياة التي يمارسها . كان يقيم في البيت نهاراً ويعمل حارساً في منطقة أور الأثرية ليلاً ، وربما كانت له علاقة خفية بعجيبة ،وكانت لديه قدرة على التنبؤ: “فوق السطح حدثني “ضُمد”عما أنبأته به  الرّقُم التي لا تكذب  وراح يخبرني عن أحداث ستجرى”( ص 41) وقد تحققت، وكان سطح  البيت مكانه المقضل حيث يكون قريباً من الحمامات التي يهتم بها ، وربما يراها رمزاً للحرية التي ينشدها للخروج من واقعه . لقد أخذ علي  إلى منطقة الآثار ليخفيه هناك أثناء الانتفاضة : ” فوجئت بالعزلة الثقيلة في أور النائية عن المدينة  ولا يفكر أحد في المجيء اليها ، وبالظلمة المطبقة على التلال الغامضة  التي تضم رفات الملوك  السومريين وأميراتهم وجواريهم  وحراسهم وأسرارهم ، وشعرت بوطأة التاريخ الثقيبلة وغموضه  ” ( ص 47). لكن ضُمد  لم يكن ينتابه مثل هذا الشعور فهو مسكون بالحنين إلى الماضي ، إذ مالبث أن أخذ علي ومعه عفاف هذه المرة ليخبئهما هناك أثناء  الغزو الأميركي للعراق .

  من خارج أسرة البيت حلّت عفاف ضيفاً بعد هرب أبيها زيدان في أعقاب فشل الانتفاضة . كانت متحررة ومشبعة بالفكر الماركسي وأنشدّت  إلى علاوي الى الحد الذي جعلها  تمنحه جسدها ونالت من رعاية ياقوت ما لم تنله ابنة من أمها . وفي الأيام الأولى للغزو الأميركي فادت مجموعة  مقاومة واستطاعت مجموعتها آسر مجندة أمريكية واعتقلت لكن المجندة عملت على اطلاق سراحها .ثمة ثلاثة رجال من رواد بيت السودان والبستان الملحق به يلتقون في ليالي الجمعة الحافلة بالغناء والرقص  وقد صاروا كأنهم  جزء من البيت  . لقد اختار الروائي الثلاثة من انتماءات سياسة واجتماعية وفكريبة مختلفة : “الدكتور رياض ” القادم من (هيت) منذ سنوات و كان يحمل أفكارا ً قومية ،و”سيد  محسن ” رجل الدين المعمم الذي كان يعمل إماما ً لجامع في النهار ويأتي ليلاً وهو يخفي قنينة الخمر تحت جبته وكان يتحرش بالفتاة ” نعيم ” ، ثم الحوذي زيدان الذي يتحدث عن الرأسمالية والاستعمار ، وكأن الروائي أراد أن يقدّم صورة مصغرة  للمجنمع العراقي سياسياً حين اختار شخصياته من انتماءات مختلفة  كانت متعايشة في البدء: قومي ورجل دين وشيوعي . لكن الدكتور رياض تعرض لاعتداء قاسٍ أيام الانتفاضة بسبب الاعتقاد بأنه بعثي ، وهرب زيدان إلى مكان مجهول ، أما سيد محسن فقد ظل وحده يحضر جلسات بيت السودان : ” كان يتحدث بطريقة متعالية ـ كما لو اكتسب قوة ونفوذاً خفيين ، بعد أن سرت شائعات عن تعاونه مع النظام في الارشاد على الثوار وعناوينهم ” ( ص 59  ) وكان يمارس ضغوطه على ياقوت لكي توافق على زواجه من الفتاة ” نعيم ” وصار يستفز الراوي : يسبه ويصفه باللقيط والمخنث وحاول الاعتداء عليه بقطعة خشب كبيرة فرد له الصاع صاعين . ثم حاول الاعتداء على ياقوت نفسها وتوّج أفعاله المشينة  باصطحابه نفراً من جماعته إلى بيت السودان : ” وأوصدوا الأبواب  والنوافذ بالألواح والمسامير ، ثم راحوا يرمون المشاعل عبر الباحة حتى انتشرت النار في بيت السودان ” (ص 160). بما ينطوي عليه هذا الفعل من دلالة .  حين نُخضع هذه الرواية فكرياً إلى معايير التحليل النقدي سنجدها تنطوي على انحيازصريح للفكر اليساري من خلال شخصية زيدان وشخصيتي علي وعفاف بما يحملانه  من أفكار. وقد خرجا من المحن التي واجهتهما سالمين جسداً وفكراً توحدهما حالة الحب المتوهجة ،في مقابل إدانة الفكر المتخلف المتجلبب بجلباب الإســـلام !

مشاركة