(الزمان) وأصالة الهوية العراقية
مفجأة صحفية أسعدت المثقفين – بغداد- الزمان
عندما صدرت جريدة ( الزمان) كانت تشكل مفاجأة سعيدة وجميلة للمثقفين العراقيين وتشكل نقطة تحول في الصحافة العراقية، ويحدث لاول مرة ان تخصص جريدة (يومية اكثر من اربع صفحات للثقافة وتصدرها ملحقاً يومياً بعنوان ” الف باء ” صفحة يومية ، وعرض لكتاب لم ينشر من قبل لباحث اكاديمي ومقابلات وحوارات عن موضوعات شتى اغلبها للعلوم الانسانية والفلسفة والتاريخ ، وكانت صفحات الاخبار والتقارير غير بعيدة عن الثقافة ، تنشر فيها في معظم الاعداد بعض الاخبار والتقارير عن الثقافة وظروفها ومشكلاتها وتطلعاتها .
تاهيل ابداعي
وكان بإمكان اي مثقف جاد ومثابر وله تجربة في التاهيل الابداعي والنقدي والعلمي ان يجد في جريدة ( الزمان) الصدر الرحب والحرص الشديد والمتابعة والصفحات المفتوحة لبثه الذي يريده كتاباً منجزاً دون ان يتلقى شروطاً اويواجه تدخلاً ويرغم على وضع شخصه في خانة غير مقبولة ، او دائرة من دوائر التصنيف السياسي والايديولوجي . وفيما كانت الصحف العراقية تعيش أسوأ مراحلها حيث الشكل والمضمون ، وتتحول الى اوراق صغيرة ومحدودة وخالية من التصميم الجميل ، ومن مغريات القراءة والمادة الصحفية الدافعة للاطلاع والمتابعة ، وفيما كانت هذه الصحف حريصة كل الحرص على دائرتها المغلقة في الارتباط بالنظام ورئيسه ، وما يتبع ذلك من إهتمامات ثقافية وسياسية واقتصادية وايديولوجية ، وفيما كانت الامور غير موحية بالتغيير الجذري رغم ضراوة التحديات والحصار المقيت ، جاءت جريدة (الزمان) لتشكل حدثاً مهماً ونوعياً في الصحافة العراقية والعربية .
فإذ كانت اغلب هذه الصحف تشكو من عزوف القراء عنها ، ومن قلة الاقبال عليها فأنا واحد من الذين كانوا يتابعون صدور ( الزمان) من عمان ، إذ كان القراء من المثقفين يتناوبون على قراءة الجريدة لعدة ساعات ، ولأن وضعهم المادي لايساعدهم على شرائها يومياً من قبل الشخص الواحد فقد كانوا يتناوبون على شرائها ، ومن المحتمل ان يقرأ العدد الواحد من جريدة ( الزمان) اكثر من شخص ، وان يتم ذلك على مستوى العوائل ، والتجمعات العراقية في المهجر ، وباقي بلدان الاغتراب .
تطور تقني
يعزز ذلك ان جريدة ( الزمان) رغم تطورها التقني وإستفادتها من التطورات الطباعية والفنية الحديثة كانت حريصة اشد الحرص على هويتها العراقية ، وانها جريدة عراقية ، وان العراق حاضر بقوة في جميع صفحاتها ، وانها اذ تضع صفحاتها للمثقفين العرب في كل مكان فإنها تمارس بذلك تقليداً عراقياً في الانفتاح الواسع على الثقافة العربية والاسهام الفاعل والريادي فيها ، وإذ تنقلك ( الزمان) بإي عدد من اعدادها الاولى الى العراق فإنك تشعر بالزهو والامتنان لما يحمله كل عدد من معلومات واجواء واخبار ، فالصحيفة تصدر في لندن ولكنها تحمل في صفحاتها الاولى اخطر واهم الاخبار والتقارير عن العراق وواقعه السياسي والاقتصادي وما يواجه من مشكلات واحتمالات .
وتأتيك صفحات اخرى بالعراق الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسكاني ، كما تجد في كل صفحة اسماً عراقياً من الذين هاجروا العراق او من الذين فضلوا البقاء في بلدهم .
ومن الجديد في ثقافة ( الزمان) لأنها مفتوحة امام الكتاب والشعراء اوسع إنفتاح ، وكانت في حينها تنشر الى جانب القصة والنص المسرحي روايات مسلسلة ، كما انها لا تنحاز لشكل شعري معين ، فالشعر موجود في القصيدة العمودية وفي قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر ، والمهم هو الشعر حتى وان جاء تحت اسماء مغمورة ومجهولة ، ومن اسماء لم ينشر لها اي نتاج سابق ، ولكن ذلك لا يتم على حساب الاسم انما روح المبدع والقصيدة الجيدة فالزمان رغم تقليل صفحاتها وقلة كادرها لا تحشر الاسماء في رؤية محدودة وضيقة ، وانما تضع كل شيء في مكانه المناسب الجديد، وإزاء هذه الحرية الواسعة التي ظهرت بها (الزمان) ودور مؤسسها سعد البزاز كان حديث واحترام العراقيين لموقفه الوطني الشجاع من النظام ، وخروجه عنه متخلياً عن جميع ما كان يتمتع به من امتيازات ، ولأن سعد يحتل موقعاً طيباً ومتميزاً في نفوس العراقيين ويمتلك علاقات واسعة مع المثقفين بشكل خاص بحكم قيادته لعدد من المؤسسات الاعلامية والثقافية العراقية إزاء ذلك التف المثقفون العراقيون في الداخل والخارج حول ( الزمان) وقد بادرت الجريدة فور صدورها الى إعتماد مراسلين لها في اغلب الدول العربية والعديد من الدول الاوربية فيما كان السلطات العراقية تصدر البيانات محذرة الادباء والصحفيين العراقيين من التعامل مع ( الزمان) والنشر فيها ، وقد اصدرت لجنة مكونة من نقابة الصحفيين والاجهزة الامنية بياناً بهذا الصدد مقترنة بقائمة من اسماء الذين تعاملوا مع ( الزمان) ونشروا فيها على انهم من المرتدين وكان اسم سعد البزاز رقم (1) من القائمة ، اما البيان الذي اصدرته اللجنة فقد دعا الكتاب والادباء المقيمين في الداخل والذين نشروا في (الزمان) الى تقديم شكاوى لمنظمة الثقافة العالمية واتحاد الصحفيين العرب بأن ( الزمان) نشرت لهم مواد منشورة في الصحافة العراقية دون الاتصال بهم واخذ الإذن منهم ، وان النقابة مستعدة لرفع هذه الشكاوى ومتابعتها لدى الجهات الدولية والعربية .
ويبدو ان هذه الجهة لم تتلق شكاوى من الادباء والصحفيين المقيمين في الداخل ، وحدث العكس ,او ربما بعض الادباء والكتاب يرسل مواده عن طريق الاصدقاء المسافرين وعن طريق سواق السيارات العاملة في طريق عمان – بغداد ، وقد مارست ذلك في العديد من المرات ، وقد سمعت من احد الادباء ان النشر في جريدة (الزمان) يثأر لنا إذ لا يوجد غيرها ما يصلح للنشر فيه ، إذ كانت ابواب اغلب الصحف العربية مغلقة ، او تعتمد على مراسلين يختالون على المكافآت ، ويأخذون الدولار لهم والدينار العراقي لنا ، ولم يكن النشر في الصحافة العراقية مجزياً ومقبولاً لدى هذا الكاتب يعد الصحف الاخرى التي تصدرها المعارضة بمثابة نشرات وليست بمستوى جريدة (الزمان) .
ولدت عراقية
ان جريدة ( الزمان) والتي صدرت في بغداد في الايام الاولى لسقوط النظام السابق قد ولدت وعاشت عراقية وصدورها في بغداد لا يعني إنتقالها من مكان لآخر ، بل انها ارادت الرجوع الى منبعها ، والى ارضها والى الذين كانوا يحملون رؤيتها ومطالعتها ، والسهر معها ، والتواصل مع رسالتها في السلام والبقاء والوحدة والتقدم .
وكان من المؤمل ان تزيد صفحات (الزمان) وان تصدر لها ملاحق وملفات ومطبوعات ، وان تكون حاضرة في جميع المحافظات والمدن والقرى العراقية ، ولكن ذلك لم يحدث بكل عناوينها ، فقد إزدادت صفحات ( الزمان) يوماً بعد آخر ، وإزداد اهتمامها بالكتابات الواردة غليها ولكن ( الزمان ) وهي تواصل الصدور كانت تصارع وضعاً اقتصادياً صعباً حاولت إجتيازه بتخفيض رواتب العاملين ، ولكن الوضع لم يتغـــــــير كثيراً ، وظلت الضـائقة المالية تطبق على الجريدة ، الامر الذي اضطرها الى الصدور بـ 12 صفحة بدلاً من 24 صفحة ، وإستقطاع النصف من رواتب العاملين
الى ( الزمان) إذ تعلن ذلك مؤكدة تضامنها مع الصحف الوطنية المستقلة التي تعاني الوضع نفسه ، لا تطلب بذلك مساعدة مجانية من السلطة ، وإنما تريد ان تصدر في بيئة تتوفر فيها إمكانات الصدور ، وتستطيع فيها ان توفر لكوادرها عملاً كريماً حلالاً ينسجم مع دورها في الحفاظ على حرية الرأي والتعبير ، ودورها في الدفاع عن الوطن وتعزيز الوحدة الوطنية والعراق الواحد .
وهي ليست دعوى جديدة ناشئة من الوضع المادي الصعب وانما هي راسخة في مسيرة وضمير (الزمان) وعزة أبنائه رغم ما عانت وتعاني الوضع المادي كما هو حال الصحف الوطنية المستقلة الاخرى .























