أول قبلة في القرن الحادي والعشرين
دقت الساعة معلنة الواحدة بعد منتصف الليل من يوم الحادي والثلاثين من تموز يوليو عام 1999 واحمد ينتقل – كبندول الساعة- بين نقطتين ثابتتين في الغرفة وكذلك خياله ينتقل بين الفكرة ونقيضها, بين ذكريات السعادة وواقع الألم, بين طموح التفوق وواقع الفشل, بين واقع الحياة وخاطر الانتحار.
استذكر شريط حياته وابرز ما فيها قصة حبه المجنون منذ أول أيام مراهقته وكيف كان يرى كل شئ جميلا ويحب كل شئ الا مفاصل ساقيه اللتين طالما ارهقهما بالسير في شوارع حالمة مع صديق يحكي له يوميات حبه او بالدوران حول منزل الحبيبة -لعله يراها او يرى شخصا رآها – مترنما باغاني التسعينات حيث كانت الرومانسية تلفظ انفاسها الاخيرة .
تذكر كيف ان حبيبته اختارت انسانا اخر ونفخت في يوم شتائي ضبابا باردا في وجهه حين اخبرته بقرار زواجها من ذلك الشخص فكانت النتيجة الاكيدة فشله في دراسته الجامعية حيث تعاونت إرادة حبيبته المفاجئة مع إرادة الاساتذة المتوقعة, تعاونتا في طرده من الكلية.
واستعرض مجرى تطوره الفكري ومطالعاته للكتب الفلسفية أللتي خلصها من الأكل بأسنان الفئران في رفوف المكتبات العامة ولكنها تحولت إلى فئران تأكل دماغه وتركت له الكآبة أللتي حلت عليه كشتاء اسكندينافي لا يزول فاصبح لا يحس بطعم اي شئ وان كان شديد المرارة وصار يعبد اللحظات لعل بركاتها من لذات وآلام تنقذه من التفكير العميق في ما وراء الاشياء وفي معنى الوجود والموجودات واصبح كولن ولسون وبول سارتر وكافكا كأنهم اصدقاء سوء خطفوه من براءة طفولته ونشوة مراهقته.
ظل يدور ويدور في غرفته ومفاصله تئن كما في الماضي ولكن انينا اخر كان هو الاقوى هذه المرة قادما من جمجمته حيث مفاعل أفكاره الذري يحضر لقنبلة سوف يفجرها اسمها .. الانتحار.
نعم الانتحار ولكن ليس الآن بل بعد أن تدق الساعة معلنة منتصف الليل وبداية يوم الأول من كانون الثاني يناير عام 2000 ليصبح أول منتحر في القرن الحادي والعشرين.
ليالي رأس السنة , منذ ان تشكل وعيه وهو يحتفل بها بحلاوة لكن بلا طقوس فهو يستذكر ما جرى خلال العام ويخطط متفائلا للعام الجديد ويتابع التلفاز حيث يتم كبس حوادث عام كامل في مختلف المجالات في ساعة واحدة ويسهل كبسها لانها مجردة من مشاعر الفرح والحزن والغضب والمفاجاة اللتي تزامنت مع الحوادث .. وهكذا هو الانسان – بلا مشاعر واحاسيس – يصبح مجرد عضو في جمعية البشر يسهل كبسه او نملة في سرب نمل ان فكرت يوما ما في معنى وجودها فتفكيرها قد يكون اخطر عليها من قدم انسان يدوسها.
سيكون صوت الرصاصة في راسه اقوى من اصوات الاحتفالات الميلادية وسيعادل بها سنوات الخداع ومحطات الافراح والاحزان الوهمية وسيمزق بها قناع الحياة الزائف حيث تخبئ فلسفة رمادية مميتة خلف دمية طفل او نزوة شاب او مسؤولية رجل .
وبعد أن اتخذ قراره صارت” الأشهر الخمسة الباقية” من عمره عبارة عن لامبالاة وفوضى, وكذلك أصبح مغرورا يعد ملك الموت موظفا لديه سوف يستدعيه في ليلة رأس السنة ليقبض روحه بعد طلقة من المسدس المخبأ في خزانة الملابس ولم يخترق ” رحلته نحو الموت ” الا وصفة تفاؤل كان مجبرا ان يقدمها لصديق كئيب-عدنان- قرر هو ايضا الانتحار قريبا فسارع احمد ليبعد صديقه عن حافة الهاوية مستعينا بكل ما رآه في الافلام والمسلسلات من تعاويذ التفاؤل والامل..وكان هدف احمد ان لا يسمح لانتحار صديقه عدنان ان يشوش على احتفاله بالانتحار ليلة راس السنة .. وكما يريد احمد لتشاؤمه الشخصي ان يكون مثمرا ( وثمرته هي الانتحار) فقد نجح في جعل تفاؤله بعدنان مثمرا واقنع صديقه ان يعطي للحياة فرصة اخرى وقرر عدنان التراجع .
وعندما جاء يوم الحادي والثلاثين من كانون الأول ديسمبر1999 وفي الساعة الثالثة مساء بدأ يكتب مذكراته بشد وتوتر متصاعد تزامنا مع رحلة عزرائيل المفترضة بين السماء والأرض كما كتب رسائل لاشخاص عدة قبل ان يكتب برصاص مسدسه رسالته الاخيرة لكل البشرية ومضمونها (الحياة بلا معنى) .
وعندما أصبحت الساعة الحادية عشرة والنصف مـساء أغمي عليه من شدة التوتر وعندما دقت الساعة لبداية يوم جديد وعام جديد, بل لبداية قرن جديد دخلت أمه إلى الغرفة فوجدته يغط في ما ظنته نوما فاقتربت إليه وأيقظته وقالت له كل عام وأنت بخير وهذه أول قبلة في القرن الحادي والعشرين, وقبلته.
حيدرالهلالي
AZPPPL























