دحّام صنيعة الأيام
نظر دحّام من نافذة صغيرة تجاوره في طائرة كبيرة اقلعت لتطير به ومن معه من ركاب آخرين، فوق الأراضي اليابسة والصحارى القاحلة في وطنه، وجهتها ربوع أوربا الخضراء.
كان سفره للدراسة ضمن منحة (زمالة) خصصتها حكومة بلده الفتية في سعيها للارتقاء بقدرات الشباب من خريجي الجامعات، فترسلهم لينهلوا من مناهل العلم في بلدان متقدمة ليعودوا بتقنيات متقدمة ودرجات علمية رفيعة تمكنهم من خدمة الوطن على أكمل وجه.
لو أن أحدهم أخبر دحّام بأنه سيتم اختياره لبعثة من هذا القبيل لما صدّقه دحّام ولظن الامر لا يعدو مزحة ثقيلة.
كان دحّام حديث العهد في عمله في مؤسسة عامة كبيرة تعنى بالتعليم في بلده، وكان لدعم قريب له يشترك مع رئيس المؤسسة في الحزب السياسي ذاته، الدور الأكبر في انتقال دحام إلى العمل فيها، وهذه المؤسسة يتهافت الكثيرون للعمل فيها لما تمنحه من فرص واسعة لأكمال التعليم داخل الوطن وخارجه، ناهيك عن أرتفاع ما تمنحه من مرتبات للعاملين فيها.
كان المؤهل الذي يحمله دحّام (ليسانس في العلوم الاجتماعية) لا يسمح له بالتقدم والأرتقاء في وظيفته، ومرد ذلك عدم وجود حاجة ملمموسة لمثل هذا التخصص في المؤسسة، فكان عليه التنقل باستمرار بين الأقسام المختلفة فيها، نقطة ضعفه الأخرى كانت عدم ألمامه بأي لغة أجنبية وافتقاده لمهارات استخدام الحاسوب، تلك المهارات التي لا غنى عنها لكل من يعمل في المؤسسة العليا للتعليم.
حالفه الحظ حين تم نقله إلى أهم الأقسام في المؤسسة الذي كان دوماً يحتاج المزيد من الموظفين ليتجاوب مع واجباته الكثيرة على الدوام، وكان عمله في ذلك القسم بسيطاً في بادئ الأمر، إذ كان يساعد الموظفين الآخرين الأكثر كفاءة وتأهيلاً في أعمالهم.
وجاء يوم كان انعطافة كبيرة في حياته الوظيفية، إذ سمع أو أسترق السمع من مدير القسم الذي يعمل فيه كلاماً فيه انتقاد لرئيس المؤسسة وتحديداً للكيفية التي يدير بها دفة العمل وشؤونه، ولم يكن ذلك بالأمر الجديد فمدير القسم كان يجاهر بانتقادة الرئيس نقداً مهنياً لأداءه لا لشخصه.
أدرك دحّام أن هذه فرصة سانحة عليه استغلالها، فأنتظر في مكتبه لحين انتهاء ساعات العمل، وتوجه بعدها إلى مكتب الرئيس الذي كثيراً ما كان يطيل البقاء بعد أوقات الدوام الرسمي للمؤسسة، طلب من مدير مكتب الرئيس مقابلة معاليه لأمر هام يــمـس شخصه.
وكان لدحّام ما أراد، إذ قابل الرئيس وأسر إليه بما سمع من مدير القسم ومن موظفين آخرين، ولم يكتف بذلك فقد أضاف إلى ما سمعه كلمات أخرى من جعبته أنتقاها بعناية وتعمد!! وكان وقع الكلام كبيراً في نفس الرئيس لكنه كان بارعاً في عدم أظهار ذلك! بعدها أذن الرئيس لدحّام بالانصراف دون تعقيب على ما نقل من كلام وأكتفى بقوله (شكراً على اخلاصك!!).
خرج دحّام من مكتب الرئيس وقد ادرك بدهائه أن الكلام التي تصرّف في كلماته وعلى إثرها معاني الكلام فعلت فعلها في نفس الرئيس، فقد كان ذلك جلّ ما يتمنى سماعه عن مدير ذلك القسم، وكان الرئيس يتحين الفرصة لأستبعاده من القسم.
في الأيام التي تلت، تعمد دحام البقاء إلى وقت متأخر لساعتين فأكثر متظاهراً باكمال ما لم يكتمل من أعمال، لإعداد ما يحتاجه الغد من ملفات وأوراق… لاحظ مدير القسم ذلك فشكره على جديته وتفانيه في العمل وأبلغه أنه سيكون موضع ثقته وأنه سيكلفه بالكثير من الأعمال.
احس دحّام بزهو الانتصار فقد بات مقرباً من رئيس المؤسسة ومن مدير القسم في آن واحد.
بعدها بأيام أبلغ دحّام بالحضور إلى مكتب الرئيس، بالطبع بعد ساعات العمل الرسمي، وهو الأمر الذي صار دحام يترقبه بفارغ الصبر، حيث كان يحمل في جعبته المزيد من الاحاديث أجتهد في جمعها من دهاليز القسم وخلف مكاتب الموظفين مهما كان شأنهم، وأشفعها بعدد من ملفات رسمية منتقاة لاحظ فيها هفوات إدارية صغيرة برع دحّام في تصويرها للرئيس وكأنها قرائن على فساد القسم ومديره والمحاباة لأشخاص دون غيرهم بالاستناد لأسباب فئوية وحزبية!!
عززت الملفات التي جلبها دحّام مصداقية ما ينقل من أحاديث، وادخلت السرور في نفس الرئيس الذي ضاق ذرعاً بمدير القسم وانتقاداته التي بالغ دحام في تهويلها إلى حدود لا يمكن السكوت عليها، فأمر الرئيس بترقية وظيفية لدحّام وأرفقها بمكافأة مالية سخية.
مرت أسابيع أخرى والأمور تسير على هذا المنوال… وتقارير دحام تتوالى على مكتب الرئيس ومسامعه، فتنهال عليه معها وبنتيجتها الترقيات والمكافآت، وصارت لدحّام مكانة وحظوة لا يجاريه فيها حتى مدراء الأقسام في المؤسسة، وقد كان ذلك ملفتاً لانتباه سائر الموظفين الذين باتوا يقرنون ما تمنح لهم من المكافآت مع ما يناله دحّام… أدرك الجميع أن دحّام صار وبلا منازع “الطفل المدلل” لمكتب الرئيس.
وشاءت الصدف أن أحد الموظفين لمح دحّام وهو يتسلل كعادته إلى مكتب الرئيس متـأبطاً بعض ملفات العمل الحساسة… دون علم مديره المباشر ولا أي مسؤول في القسم، فأنتشر هذا الخبر انتشار النار في الهشيم، وباتت اللعبة الخفية التي دأب دحام على ممارستها مكشوفة وواضحة كل الوضوح… زميلهم دحّام يتجسس لمكتب الرئيس!!
صار الجميع يتوخى الحذر من دحّام وتعمدوا عدم تجاذب أطراف الحديث في حضور دحّام، واصبحوا يطرون على الرئيس ويمدحون عبقريته وكيف أنتشل المؤسسة من الحضيض التي تركها فيه رئيسها السابق لتبلغ الذرى في عهد الرئيس الجديد!!! حينها بدا وكأن عدوى النفاق أصابت الجميع!!!
بعدها وفي اجتماع للرئيس مع المدراء ومسؤولي الشعب وعدد كبير من الموظفين، بدأ الرئيس يستعرض انجازاته والمامه بتفاصيل سير العمل في مفاصل ومديريات المؤسسة كافة، وأنه على دراية بكل عمل وحديث (صغيراً كان أم كبيراً) يجري في مكاتب وأروقة المؤسسة… وكأن معاليه يعترف (بل ويتفاخر) بأن له عيوناً في كل قسم وشبر في المؤسسة.. وأن على الجميع مدراء وموظفين الحذر والعمل بنشاط أكثر وإلا…
أما دحّام فلم لتثنه الأقاويل والشبهات التي حامت حوله وحقيقة دوره في المؤسسة، عن المضي قدماً في واجبات “البصبصة والتلصص” بل ووسع نشاطه إلى أقسام أخرى في المؤسسة!!! عندها جاءت المكافأة الكبيرة وتمثلت في اختـيار (ترشيحه) لمنحة دراسية ضمن مجموعة من المنح مثّلت حصة المؤسسة في برنامج للمنح الدراسية تموله الحكومة. اعترض مديره بشده على أختيار دحّام حيث أن مجال تخصصه لم يكن من التخصصات المطلوبة في المؤسسة، كما أن سجل علاماته الدراسية لم يكن بالقدر الذي يساعده في التنافس على هذه المنح مع موظفين آخرين لهم علامات ومؤهلات أعلى شاناً.
ولم يأبه الرئيس بأعتراضات مدير القسم وأظهر الكثير من التصميم على ترشيح الموظف المخلص (ومن غيره دحّام) للمنحة الدراسية وذلك ثواباً له لما قدّم من خدمات “جليلة”، وتغاضى الرئيس كذلك عن تلاعب (تزوير) أقترفه دحّام لبعض الأوراق الخاصة بابتعاثه، الأمر الذي لم يكن عصياً عليه كونه يعمل في القسم ذاته وكافة الملفات في عهدته.
وهكذا كان لدحّام ما أراد وأكثر من ذلك، واصبحت المنحة الدراسية أمراً و واقعاً لا يردّه أحد، بفضل رئيس المؤسسة!!!
وهو جالس على مقعدة الوثير في الطائرة، استعرض دحّام كل هذه الاحداث وكأنها شريط سينمائي مثير، كان على قناعة تامّة (أملاها على نفسه) بأنه نال المنحة عن استحقاق وجدارة ، وأنه يقطف ثمار مواهبه ودهائه ليس إلا.
إلا أنه كان في الوقت ذاته، يضحك على الجميع، على الرئيس الذي أهداه المنحة، وعلى مديره الذي حاول دون جدوى الحيلولة دونها، وعلى سائر الموظفين في المؤسسة. فقد أستغل الجميع وأنتزع جائزة اللوتو (المنحة الدراسية) وتقدم بذلك على الكثيرين من زملائه في العمل الذين كانت علاماتهم الدراسية أعلى وتخصصاتهم أشد ما تحتاجه المؤسسة في أعمالها. أحس زملاء دحّام بالمرارة من نيله لمنحة لا يستحقها، وقد أدركوا، بعد حين، الوصفة السحرية التي جعلته يحظى بها، إلا أنهم في الوقت ذاته كانوا سعداء بالتخلص من متلصص كان ظله ثقيلاً عليهم… وإن كان ثمن خلاصهم من دحّام حصوله على جائزة قيّمة تمثلت بالمنحة الدراسية.
تنويه:
أحداث القصة أعلاه فيها مزيج من نسج خيال كاتبها وشطر من وقائع حدثت في مكان ما من عالمنا.
وأن تشابه الأسماء مع أشخاص لهم وجود في الواقع قد يكون محض الصدفة.
ان دحّام نموذج لأناس أذكياء ودهاة يعيشون بيننا بأسماء مختلفة، ليس بوسعنا، ولو شئنا، أن نستاصلهم من مجتمعنا ومن ميادين ومؤسسات الخدمة العامة، وإن دحّام (وجماعته) صنيعة ونتيجة طبيعية لعصر تسوده الماديات والنفاق، هؤلاء لهم في كل زمان ومكان حواضن وأحضان يزدهرون فيها ويتكاثرون…
يكفينا أن نعرفهم وأن نعرّف الآخرين بهم وبشائن أفعالهم، وأن نطلق عليهم ما يستحقّونه من أسماء ونعوت.. وذلك أضعف الايمان.
كوفند شيرواني- بغداد
AZPPPL























