بين الأسباب و الحلول

بين الأسباب و الحلول
ظاهرة التسرّب من المدارس
تراهم في الأزقة وبين الطرقات وعلى الأرصفة ينتشرون عند كل سيطرة للجيش وعند مفارق الطرق يتعلقون في العجلات الذاهبة والآتية بل أنهم يطرقون أبواب المنازل ، يرتدون سراويل مهلهلة وثياب أكل عليها الزمان وشرب يستجدون النقود منظرهم بات معروف ومشهود ومتكرر في كل يوم. لا تستطيع أن تتجاهلهم فهم يفرضون واقعهم ومرارته – رغماً عنك – في عقلك و تفكيرك ويخلقون غصة في الحلق وعصره في القلب أنهم المتسولون أو أولاد الشوارع إفرازات الحروب المتعاقبة التي تورط فيها النظام السابق وزج البلد فيها وما أعقبها من فرض عقوبات دولية على البلاد دفع ثمنها المواطن العراقي وعانى ولا زال يعاني من عبأتها إلى يومنا هذا حيث أن الإهمال والانعزال عن دول العالم المتقدم أثناء فرض الحصار على بلدنا خلف مشكلات كبيرة أولها الفقر و الجوع و الحرمان و ولد فوارق طبقية كبيرة بين فئات المجتمع مما جعل أسباب الجريمة ترتفع و تولد ظاهرة تسرب الأولاد من المدارس للجري وراء لقمة العيش لسد احتياجات العائلة هذا بالإضافة لتدهور الوضع التعليمي في العراق بعد عام 1990 وحتى احتلال بغداد الذي أدخل العراق في مرحلة جديدة وسلسلة من العنف والقتل والتهجير وتصارع القوى السياسية على المناصب متناسين الشعب المنكوب والمغلوب على أمرهِ والذي زاد الطين بله . مما حال دون وصول التلاميذ إلى مدارسهم لتدهور الوضع الأمني مما ساعد على زيادة حالة التسرب من المدارس.
أن مشكلة التسرب من المدارس أسبابها كثيرة ومتعددة ويحتم علينا متابعتها ومعرفة أسبابها وإيجاد الحلول لها ومن ثم تذويبها وهذا لا يتم إلا بتضافر جهود عدد من الوزارات لنستطيع حصر هذه الحالة ومحاربتها للقضاء عليها جذرياً كوزارة العمل والشؤون الاجتماعية و وزارة التجارة و وزارة الثقافة والأعلام و وزارة التربية لإيجاد صيغ قانونية تفرض على العائلة العراقية وعلى الفرد ومطاردته للالتحاق في المدارس ومن ثم متابعتهم المستمرة من المعنيين في المدارس .
كما أن لانطلاق مشروع محو الأمية أحد أوجه هذه الجهود للحد من الظاهرة والتحاق الشباب لتعلم القراءة والكتابة يعد حالة صحية نشجع على نجاحه. ولمزيد من التعرف لظاهرة التسرب التقينا الست (ساهرة الخياط) مدير التعليم العام في مديرية تربية بغداد الكرخ الأولى لنجري حواراً معها بهذا الموضوع المهم فبدأنا بالسؤال الأتي :
– نظراً أن مهام التعليم الابتدائي والإلزامي يقع ضمن أعمالكم نود أعلامنا عن أسباب ظاهرة التسرب من المدارس الخطيرة والتي تؤثر بشكل مباشر على النهوض بالمجتمع ورقيه من جهة وأثره في تقليل الجريمة من جهةٍ أخرى.
– أجابت الخياط : أن أي مشكلة لكي نعالجها لا يتم هذا إلا من خلال الغوص في أغوار مسبباتها والبحث عن حيثياتها لتأمين الوصول إلى وضع علاجات ناجحة لها بشكل جذري . وفي مقدمتها محاربة الفقر وتأمين فرص عمل للبالغين ليكون حافزاً لمن يتدرج في مراحل الدراسة إنه سيشغل مكانه في خدمة الوطن بعد كما أن تأمين الحماية الاجتماعية للعائلة العراقية في حالة فقدها للمعيل لكي لا يسبب غيابه فراغاً يرغم الأولاد من ترك الدراسة لسد حاجة العائلة . ووجوب تفعيل دور الأعلام من خلال التوعية في الصحف والمجلات والتلفاز له الأثر السريع والقوي في تحريك الشعور بالحاجة للتنوير الذهني والخروج من ظلمات الجهل ، حتى الجوامع ودور العبادة عموماً تتحمل وزراً آخر في توعية الناس لضرورة المواصلة في التعلم والدراسة كسنة نبوية أوصى بها الدين الإسلامي ورسول الأمة صلى الله عليه وسلم وكذلك منظمات المجتمع المدني أيضاً لها دورها الفعال بهذا المجال . وتشريع القوانين التي تحد من هذه الظاهرة وكل من تحتم علية المسؤلة الأخلاقية والوطنية أن يسهم من موقعة في القضاء على هذه الظاهرة الخطيرة وهنا أضافت الخياط وهي تتكلم بمرارة أن الوعي التام لخطورة ما نشاهده من ظاهرة التسول في الشوارع ما هي إلا ظاهرة حتمية متولدة من تسربهم من المدارس وكلنا نعرف ما يتولد من انتشار هؤلاء الأولاد وتسكعهم في الشوارع وماذا يتعلمون غير السقوط الأخلاقي والاجتماعي وتصاعد الجريمة ….
ثم نهضت من مكانها لتأخذني إلى الغرفة المجاورة حيث شعبة التعليم الابتدائي و الإلزامي ونحن نتجاذب الحديث عن أسباب التسرب لتعرفني بالست (سلمى خير الله حسن) مسؤولة هذه الشعبة فهي مهتمة بهذا الموضوع ولديها متابعات كاملة وهنا أنتقل الحوار إلى الست سلمى وهي شابة يملؤها الاندفاع وحب المهنة لجمع الكثير من المعلومات عن هذه الظاهرة .
– فسألتها عن الحلول أو المعالجات التي توصلت لها .بعد أن تطرقنا للمسببات مع الست ساهره مدير التعليم العام .
– فأجابت قائلة : أنا أتابع باستمرار البرامج والأفلام الوثائقية وكذلك أجلس ساعات طويلة أتصفح من خلال (الانترنت) وأجمع المعلومات عن كل ما يخصه وقد وضعت دراسة شاملة لهذا الموضوع قائلة :(أذا عُرف السبب بطل العجب) فإذا عرفنا أسباب التسرب فبالتأكيد بتعاون الجهات ذات العلاقة نتمكن من الحد منها بل أؤَكد لك نستطيع أن نقضي عليها لخلق مجتمع صحي مثقف خالي من أي صورة من صور التأخير والتخلف . ثم توقفت عن الكلام و شبكت يديها و واصلت متسائلة لو كانت هناك أبنية مدرسية تتوافر فيها مناخات دراسية ملائمة وكل الشروط الصحية هل يهرب التلميذ منها ؟ فقلت لا. وتساءلت لو كان هناك معلم متدرب ومختص بطرق تدريس تلاميذ الصف الأول ومتمكن من جذبهم للمدرسة والدرس هل سيهرب هؤلاء من المدرسة ؟ فقلت لا. ولو كانت الأسرة واعية ومتعاونة وتوفر الحنان والاهتمام والرعاية الأبوية ومتواصلة مع المدرسة من خلال الاجتماعات الدورية لأولياء أمور التلاميذ والتفعيل الجاد لمجالس الإباء في المدارس من خلال إداراتها والتعاون أول بأول مع هذه الأطراف هل يستطيع التلميذ من الهرب من المدرسة ؟ فقلت لا . واسترسلت الست سلمى متحدثة عن صعوبة المناهج الدراسية وطرق التدريس باتت غير مجدية مع هذه الأجيال وتسبب ملل وضجر ولا بد من أعادة النظر فيها وتغيرها بالاستعانة بالطرق الحديثة والتقنيات المتطورة.وهنا أريد أن أذكر توفر الأمن في البيت والشارع والمدرسة يُمكن التلميذ من الوصول إلى أي من هذه الأماكن دون خوف من حدوث شيء مفجع وبالتالي نحقق الاستقرار وهذا دور الدولة . فكل هذه الأسباب مجتمعة بالإمكان السيطرة عليها أذا كانت هناك خطوة جادة وحقيقية ونحن في مديرية تربية الكرخ الأولى مهتمون جداً بهذا الموضوع فالمدير العام الأستاذ (عوض صالح محمد) يتابع أول بأول عمل الأقسام ويشد على الجميع بالعمل والمتابعة من خلال المشرفين وتحقيق الزيارات الميدانية ومحاسبة المقصرين والاهتمام بالإرشاد التربوي وتفعيل دورهُ في مديريتنا قائم العمل فيه وإقامة الدورات المجانية للتلاميذ أو بأسعار رمزية جداً لرفع المستوى العلمي وتذليل الصعوبات في المواد الدراسية لتشجيع التلاميذ في المواصلة والارتقاء بالواقع العلمي والتربوي كذلك إقامة الحفلات التي يحضرها المدير العام بنفسه لخلق روح المنافسة بين التلاميذ بتكريم المتفوقين والمواظبين على الدوام الرسمي بين مدة وأخرى ويتابع الاجتماعات الدورية لمجالس الآباء من خلال أطلاعهِ على السجلات التي تثبت فيها هذه اللقاءات حرصاً منه على ضرورة تنفيذها. واختتمت الست سلمى حديثها مبتسمة وقالت دوركم أنتم كأعلام يتضح من خلال نشر الوعي الثقافي من خلال وسائل الأعلام المقروءة والمسموعة والمرئية لابد أننا سنصل معاً لنتائج مفرحة لكل الأطراف.
وفي ضوء هذا الاستعراض لظاهرة التسرب من المدارس أقول باختصار مهما عظمت المشاكل وكثرت لا تقوى بل لا تصمد أمام إصرار العراقيين فنحن صناع الحضارة ومنا أول من خط حرفا لسومر وأكد وملحمة كلكامش صورة أخرى ولن ننسى حمورابي ومسلته تاريخنا يشهد لنا عراقتنا وأصالتنا والرافدين الخير جعلا من أرضنا أرضاً طيبة بأهلها وزرعها فقد تكون لنا كبوة تكون بداية أنطلاقة لسباق جديد….
حذام اسماعيل العبادي – بغداد
AZPPPL