محنة الديمقراطية

محنة الديمقراطية
في اعقاب الثورة الفرنسية تموز 1789 وما تلاها من ثورات سادت العالم ديمقراطية واحدة هي الديمقراطية الفرنسية الانكليزية التي انتقلت فيما بعد الى الولايات المتحدة حينما ثارت على الانكليز سنة 1776 ونفضت عن نفسها حكم الملك جورج الثالث . ولقد اسس هذه الديمقراطية وبشر بها وعمل لها جان جاك روسو ومونتسكيو (الفرنسيين) وهوبز ولوك (البريطانيين) وخلاصتها اذا صلح حال الحكم واستقام الحاكم ساد العباد عدل حقيقي وتستقيم الامور وتنتهي عن الناس حالة الضيق والحرمان . وصاحب العقد الاجتماعي جان جاك روسو تدفق قلمه لكي يؤكد ما قاله في كتابه معنى الشاعر العربي الذي قال :
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم
ولا سراة اذا جهالهم سادوا
فقد راى ان السلطة او الحاكم الذي يقود عليه ان لا يفرق بين فرد وفرد وطائفة واخرى وكان الملك في فرنسا يقول (الدولة انا) واصبح البلاط مرتعا للفسق والضلالة وعدم اعتبار الشعب واهماله كليا . هذه الديمقراطية التي الهمت اهل الفكر من الادباء والمشرعين ورجال السياسة والحكم سرعان ما وجدت لها كثير من الانصار وطالبت بان تكون القوانين والقرارات صادرة من الشعب وليس فيها صفة النفعية والشخصانية اي انها تؤكد مصلحة المجموع وبدأ الناس وفق هذه الافكار الجديدة يستشعرون ان الحاكم ليس حالة مصغرة للديكتاتورية المقيتة كما يحدث اليوم في بعض الانظمة وان وعي الشعوب المضطهدة اصبح يتزايد وما على الحاكم الا الاستماع لراي الشعب واحترامه وجعله رقيبا على البرلمان والحكومة مادام الشعب هو الذي انتخبهما .
اننا لا نريد ان تكون هنالك ديمقراطيات حسب الطلب ووفقا لرغبة الديكتاتور فحينما تصبح المطالبة بالحقوق والميل الى التفكير الحر نقيصة يحاسب عليها المفكرون الذين يحاول الديكتاتور ملاحقتهم ومطاردتهم ومحاسبتهم حينئذ ينزل الفكر من عليائه ويسود الفساد في المجتمع وتتعطل الحياة لانحرافها عن اهدافها النبيلة وذلك للاكتفاء بالانقياد لاوامر المتجبرين ولا خلاف في ان الاحزاب المتباينة والطوائف المتعددة لها مكانها في التفكير الاجتماعي لكنها عندما تزعم لنفسها حق احتكار الاراء وفرض المذاهب والضغط على الحريات عندئذ يبطل نفعها ويعظم ضررها بدلا من ان تكون عوامل لحفز الهمم وطريقا الى الحق فانها تعمل للاغراض الصغيرة والمآرب الشخصية والاستغلال الذميم فتنتشر الفوضى ولا نعرف اي ديمقراطية هذه ؟ فالنظام السياسي الذي يعتبر الشعب تحت الوصاية ولا يقيم وزنا للعقول والافكار العلمية بل ولا اعتبار لكرامة الانسان ولا يرضى منه باقل من الخضوع التام والاستسلام الخالص له ولبطانته لابد ان يكون نظاما فاسدا ومسرفا في الفساد مهما افتتن دعاته بالاشادة به وبصفته الديمقراطية ، الديمقراطية اذن تعني تمتع المواطنين في الحرية في انتخاب ممثليهم بطريقة مستقلة وحرية المنظمات الجماهيرية ومؤسسات المجتمع لمدني بدون سيطرة الدولة وتطبيق العدالة والمساواة بين المواطنين بدون تمييز وحرية الاحزاب السياسية وفق اسس وانظمة مقبولة وعدم انفراد حزب او كتلة واحدة في السلطة وكذلك ضمان حرية المواطنين التي وردت في لائحة حقوق الانسان كحرية العمل وحرية التعبير عن الراي وحرية الصحافة وبدون مضايقة من الدولة .
وعندما تكون السلطة مستغلة لمواقعها بعيدة عن مواطنيها متلاعبة بمقدرات الناس يساعدها في ذلك جحافل من المفكرين المأجورين عبيد المال والمناصب حينها تحدث المصيبة الكبرى لان الامة تفترق عن السلطة وتتغرب عنها ، فالسلطة ترى صورتها في المرآة عكس ما يتطلبه الواقع اي انها لا ترى صورة الظلم والاستبداد والاستئثار في السلطة والاهتمام فقط بجوقة المنتفعين والمنافقين حينئذ يجد المواطن نفسه غير ملزم بنظام او قانون لان البشرية جمعاء ومنذ فجر التاريخ لم تخضع لحكم لا يمثل ارادتها وهذا هو سبب قيام الثورات التحررية وقطع رؤوس المستبدين . لذلك فان الاتجاه اليوم هو التمسك بالديمقراطية من قبل اكثرية الانظمة وابتداع مبدأ المواطنة الذي يعتمد بدوره على المشاركة الواعية لكل مواطن من دون استثناء في مهمة بناء الوطن .
لفته عباس القره غولي
AZPPPL