الإيحاء والدلالة لدى جبار هادي الطائي .. عناوين تقترح جسوراً مع القصائد
صلاح حسون جبار
إقترحتُ وأنا أشعرُ بحماسة متدفقة وشعور غامر أن أكتشف أغوار مجموعة شعرية وضعتها بين دفّتي ذاكرتي مثلما تلاقت كلماتها الجيّاشة بين دفتي هذه الأشعار ، وبقراءة متواضعة لشاعر عراقي إمتهن الحرف وعشق الكلمة ، فكلما أقترح الشاعر دلالة جسور الذكرى الطيبة والحنين الدافئ ، فاني أجعل كلماتي هذه التي وشمتها على جسور المحبة والإخلاص وأنا أمدّها بين يدي أخي الأستاذ جبار الطائي علّها تصلني الى أصبواليه من المودّة والوفاق ، كما أمدّها بين يدي القارئ الكريم علّه ينظر الى قراءتي هذه بعين الرضا والقبول .
لقد التقَت العديد من الدلالات والمضامين التي نطقت بها هذه المجموعة الشعرية ، وكانت دلالة عنوانها أولى تلك الدلالات الموحية الى تشكيل المعنى ، فالعنوان ( أقترحُ الآن جسورا ) يوحي الى معانٍ متواصلة تدعوالى تشكيل تلك اللوحة التي تعكس روح الواقع وذات التجربة ، كما يجمتع العنوان مع دلالة الإهداء وعنوان القصيدة الأولى ضمن وشيجة واحدة ، وكأن هذه الأقطاب الثلاثة تدور حول محور واحد وهوترسيخ أطر التواصل الشعري والتعبير عن الواقع وعمق التجربة وأبعادها ليكون مدخلا مباشرا لولوج ذلك الأفق الشعري الا وهوالجسر ودلالته. فلكل جسر لا بدَّ له من طرفين ، وأغلب الظن ان دلالة الجسور في هذه القصائد هي ذات طابع معنوي استعاري قصد الشاعر فيه خلق أجواء من التواصل بينه وبين محورين صوَّرا المشهد العراقي ، وهما التجربة والواقع ، وثمة دلالة أخرى تنبع من هذه القصائد حيث امتزجت معها الأطياف اللونية لتتناوب من خلالها مظاهر شاخصة كـ( الحزن والليل والمطر) وتتعدّد الأمكنة والألوان وغيرها من الصور الدلالية الشّعرية وبإسلوب شعري متدفّق ذي عنفوان يرسم بريشته لوحة فنيّة تجسّد ذلك الواقع وعمق تلك التّجربة .
وعندما نبدأ التماس أبرز الظّواهر الفنيّة في هذه المجموعة الشّعرية ، نجد أهم تلك المحطّات الأسلوبية التي سنقف عندها ونستعرض محاور توظيفها الشعري ، وأولى هذه الظواهر الفنية هي ( طبيعة اللغة وأساليبها الشعرية ) التي تناولها الشاعر ورسم بها كلماته المعبّرة ، ولا شك أن لغة الشاعر هي إنعكاس لتظافر الواقع والتجربة الشعرية ، وهي لغة مستمدّة من روح العصر الذي عاشه الشاعر ، لغة امتازت بالشّفافية ومهارة التعامل مع واقع الحال وتفاصيله من خلال التّوشّح بالإستعارات والمجازات الكثيرة ، وقد جاءت الشّعرية الباعثة وهي ملوّنة باطياف تظهر فيها الثّورة الإنفعاليّة من خلال الإندفاع نحوتطويع لغة تنسجم مع هذه المواقف ، فقد جاءت الألفاظ وهي مشحونة بحرارة التّعبير باستخدام النبرات الموافقة لها كصيغة القسم أوالنّفي أوالإستفهام من خلال عرض صور كـ( الليل ، والحرب ، والحزن ، والموت … ) وغيرها من الأساليب الشعريّة الباعثة على فخامة التعبير ، ويمكن أن نلحظ اتجاه اللغة الشعريّة عند الشاعر في جانبين : جانب استخدام اللغة الفصيحة المتراصفة والموشّحة بالكثير من الصّور البيانيّة ، والجانب الآخر توظيف بعض الألفاظ المنبعثة من التّراث الشعبي المُنسجمة مع روح العصر ، وهي لغة مزدوجة تستطيع الدّخول الى نفس المتلقّي بكل طلاقة ورحابة دون توقّف أوتعثّر .ومن الأساليب الشّعريّة في شعر جبار الطائي : ( أسلوب الإستفهام ) الذي دعا الى التّساؤل الذي اقترن بالواقع الراهن وهوموشّح بصور مجازيّة أواستعاريّة متداخلة مع هذا التّساؤل الذي ينبع من التّجربة الذّاتيّة ، ومن أمثلة ذلك : (من يغفر ذنبي ؟ فما خطبنا ؟ أي الأكوانِ سأطرق ؟ من أي بحار الكونِ أتيتِ ؟…) ومن الأساليب الأخرى استخدامه : (أسلوب الدّلالة العدديّة ) في مواضع في قصائده ، فبعض هذه الأعداد مرتبطة بدلالة الجسر وما يوحي اليه من التواصل بين طرفين ، أوتأتي معبّرة عن واقع معيّن أوحالة حزن أوانفعال أوتجربة ما كما تخيّم على هذه الأعداد فنون الإستعارة والمجاز لتكسوها حلّةً تعبيريّة انفعاليّة ، ومن تلك الشّواهد العدديّة ( ما بينَ الجسرِ الثّالث والرّابع .. ، ثلاث صبايا ، عشرة أقواسٍ .. عشرين ، ثلاثُ وريقاتٍ ، ثلاث وصايا ، سبع فقاعاتٍ ، ثلاثة مشاهد قبل بدء الحرب ، ثلاث مسافاتٍ ) .
كما وجنحَ الشاعر الى : ( الدّلالة اللونيّة ) التي جاءت بدورها معبّرة عن ثنائيّة الواقع والتّجربة كما في قوله : ( عصفور أزرق – أربع مرات – ، عصا العرّاف زجاج أزرق ، قاتم اللون ، ثوباً من الرّيشِ أصفر ، لا أحبّ الفواكهَ الصّفراء .. ولا اصفرار الغروب ، فتهربُ منه نهارات زرق ، خلعَ الليل عباءته السّوداء ، الحمائم البيضاء ، الورد الأبيض .. ) ولهذه الألوان دلالات تكشفُ عن روح الواقع الذي يعيش المرء تجربته من خلال درجاتها اللونيّة المرتبطة بالحالة النّفسيّة والشّعوريّة في ظل هذه الأجواء ، وقد عرّج الشّاعر على : (دلالة المكان ) وما توحي إليه من ذكريات وارتباط النّفس بالأرض ، كما أن توظيف المكان في هذه الأجواء يهيّئ للإنتقال والتّحرّك بحريّة من موقع لآخر ممّا يهيئ طاقة تعبيريّة أكثر ، الّا أنّ السّمة الغالبة للمكان في شعر الطائي أنّها ذات دلالات رمزيّة استعاريّة ومجازيّة تعبّر عن عمق الإنفعال وحرارة الموقف إبتداءً من العنوان : دلالة الجسر وتكرارها على مدى شعرهِ ، أوقوله : ( أنبتُ في رأسِ الشّارعِ نخلةَ زهديّ ، أبحثُ عن لحظة حبٍّ سُرقَتْ منّي في أوّل مُنعطفٍ … ) ومن الظّواهر الفنيّة الأخرى التي نلتمسها في هذه المجموعة الشعريّة : ( البناء الفنّي للقصائد الشّعريّة ) فقد جاءت أغلب هذه القصائد على أسلوب الشّعر الحر( التفعيلة ) دون التّقيّد بنظام الشعر العمودي (الكلاسيكي ) المكون من الشطر والعجز ، وقد وجد الشّاعر من خلال هذا الشّعر الحر متنفّساً ينطلق من خلال التّدفق الشّعوري للكلمات المُنبعثة والمُعبّرة عن عمق التّجربة ، وقد جاءت قصيدتان فقط على نظام الشّعر العمودي كما في قصيدة (بكائية على جداريّة الحلم ، والخاتمة) والمُلاحظ في عناوين هذه القصائد أنّها جاءت معبّرة عن الواقع وهي ترسم لوحات عن الحيرة والألم والدّهشة والعنفوان ، والحريّة ، والأمل ، من خلال انتقاء الكلمات المعـــــــــــبّرة عن تلك المعاني الجيّاشة .
ومن الخصائص الفنيّة التي برزت في شعر الطائي أنّهُ وشّحَ ( الإيقاع – الموسيقى الدّاخليّة ) للكلمات بوسائل بلاغيّة جماليّة تكسب الألفاظ فيما بينها حرارة التّعبير وتماسك الأفكار وحسن االصّياغة حتّى تأتي تلك الألفاظ وهي مشحونة بجوٍّ موسيقيٍّ متسلسل في نبراته الإيقاعيّة ، متدفّق في حسّه الشّعوري ، ومن هذه الوسائل : ( فن التّكرار ) الذي جنح إليه أغلب الشّعراء لما فيه من قوّة التّأكيد وروح الإصرار على عمقّد المعنى الذي يُراد به إيصاله الى المتلقّي ، وقد يأتي أُسلوب التّكرار في الألفاظ أوفي الجمل لتحقّق غايتها التّعبيريّة في لوحة شعريّة متماسكة ، وقد لمحنا الكثير من صور التّكرار في شعر جبار الطائي ، لما فيه من دلالات شعرية تؤكد على تجدّد المعنى وتواصله بانفعال ، وأُولى الدلالات المتكرّرة في شعره هي دلالة الجسر ، ومن أمثلة التّكرار : ( أخطو.. أرجع .. أخطوثانيةً .. أرجعُ ، تُدهشُ .. تكرّرُ دهشتها ثانيَةً ، …. فاخرجوا موسما يحزنُ النّخلُ فيه ، .. واخرجوا موسماً تجمدُ النّارُ فيه ، …. وجهكِ يتعبني .. يتعبني ،… يتعبني حدَّ الخوف ، …. تتسلّقني غصناً ، غصناً ، ….. وينزلُ التّيارُ قطرةً ، فقطرة ، ….. أُكرّرُ صوتي : رويداً – رويداً ، ….. ما بينَ تجاعيد الزّمن الأبخس مارتا ، مارتا ، مارتا ))
ومن وسائل الموسيقى الدّاخليّة : (جماليّة فن الطّباق ) الذي يُيّئ جوّاً من المتضادّات التي تتقابل فيما بينها للتعبير عن لوحة الثّنائيّات المتقابلة في القصيدة الشّعريّة ، ومن أمثلة الطّباق التي جاءت في شعر جبار الطائي : ( قد يأتي .. أولا يأتي / أفواجٌ تأتي ، أفواجٌ تذهبً / وجهي يمقتني .. لكنّي لا أمقتُ وجهي / في الرّكنِ امرأةٌ تستقبلُ يوما وتودّعُ آخر ) ومن الوسائل الأخرى : ( فن الجناس ) الذي جاء دوره مكمّلاً لتناسق موسيقي موحّد للكلمات وتقابلها من خلال أسلوب التّجانس في الحروف والألفاظ ، ومن أمثلة الجناس الذي يكون بفارق حرف واحد : ( تطاردهُ الصّغارْ ، فنراه مختبئاً في جوفِ غارْ ) أوبإختلاف حرف حرف : ( تغمرهُ النّجوى .. قالوا : نزوى / أُضمّدُ جرحي وجرحك / فإني بكيتُ كثيراً لأجلي ، وأجلك ) ويمكن أن نلمس ظاهرة فنيّة شغلت مساحة شاسعة في مجموعة الطائي الشعريّة الا وهي ( الصّورة الشّعريّة ) وأهم مرتكزاتها من وسائل بيانيّة ، وكذلك عرض أهم الصّور المعبّرة عن مضمون الواقع وعمق التجربة ، وأبرز تلك الفنون البلاغيّة التي جنح الشاعر إليها في عرض صورة : ( الإستعارة والمجاز ) فقد إتجه الشاعر الى أن يعزف على نغمات الألفاظ المُعبّرة عن تلك المعاني الشّعريّة بكل صدق وعنفوان من خلال التّعامل مع الصّور المجازيّة والإستعاريّة التي خيّمَتْ على معظم أجواء شعرهِ ، فرسمت بريشة الإبداع أجمل اللوحات الشّعريّة المّعبّرة عن المعاني المُتقابلة والثّنائيّات المُتضادّة من بهجة وسرور وحزن وأسى , وأمل ، وألم ، وحرب ، وسلام ، أوقيود ، وتحرّر وعنفوان … ، وغيرها من الصّور المُعبّرة عن هيأة الواقع ، ومن أبرز الصّور التي تناولها الشّاعر هي : ( الليل ، والقمر ، والوطن ، الصّور الدّينيّة ، المرأة ، الحرب ، الحزن ، الموت ….
أما ( صورة الليل ) فقد جاءت مكثّفة وقويّة الحضور في شعر الطائي ، وهذا ينبعث من نظرة الأدباء الشّعراء الى وقت الليل كونه الباعث على الشّكوى أوالتّأمّل أوكونه سجلّاً لإبداع تجارب الحياة وخلاصة مجريات كل يوم ، وقد جاءت هذه المعاني متجاورة في ذهن الشاعر الذي قرن الليل ودلالة لونه الأسود القاتم بمعاني الحزن والتأمل والحيرة والصّبر ، وغيرها من هذه المعاني ،ومن أمثلة ذلك : ( ما بينَ الليلِ وعينيها ثمة عصرانْ / الا تنبتُ في ليلي سنبلةً …؟ / يتساقطُ ليلٌ فوقَ الجسرِ / وسيسلخُ جلدَ الليلِ بأظفرهِِ فيسيلُ رماداً / أوصاني جدّي : الّا أجلسَ في هذا الليلِ وحيداً / أُمزِّقُ جسدَ الليلِ بسيفٍ ورقيٍّ )
كما جاءت صورة خرى مكمّلة لدلالات الليل وهي ( صورة القمر ) التي اقترنت هي الأخرى بدلالات التّأمّل والحزن وكيفيّة التقاء هذه المعاني مع تجارب النّفس ، ومن أمثلة ذلك : (والقمرُ الواقف ما بين جيادي أنهكهُ الجوع ، قمرٌ جائع ، ورحلتُ الى قمرِ الحبِّ حزيناً ، دعاني قمرُ الحب هذي اللليلة ، جذرهُ سطح القمر ، عصفورٌ يبحثُ عن قمرٍ … ).
والشّاعر كجزء من هذا الواقع فقد عبّر وانفعال عن ( صورة الوطن ) ذلك الفضاء المكاني الذي ثبتت جذوره في القلب فكان ولايزال جرحاً نازفاً عصفت به الحروب والمآسي المريرة على مر الدّهور ، وقد بيّنَ الشاعر تجربته الإنفعاليّة والذّاتيّة في ضوء واقع الوطن ، كما في قوله : ( مزّقْ حدودكَ يا عراقُ … ولا تفكّر بالذينَ تجبّروا ، وذروا الرّمادَ على عيونك / مسكين يا وطني كل الذين أتوا ما همّهم إلّا دماكَ تسيلُ على ثراكْ / يا هذا الوطن المسكوبُ دماً في أوردة الفقراءْ / يا عراق .. تقاسمتكَ زليخاتُ هذا الزّمانِ ، وقد شحَّ صحبُكَ أوضاعَ فيكَ الأمان … ) وقد ذكر الشاعر بعض ( المشاهد الدينيّة ) التي خلد أثرها في ضمائر المحبّين والأحرار ، ومن ذلك صورة البطولة والفداء في كربلاء المقدّسة وجهاد الإمام الحسين ( ع ) وثباته في وجه الطّغاة ، أوصورة الحُسْنِ التي ضربت في مثل النّبي يوسف ( ع ) ، وقد قرنَ تلكَ المشاهد بثبات الوطن من جهة وحسنهُ وبهائهِ من جهةٍ أخرى .
وقد مثّل حضور ( صورة المرأة ) في شعر الطائي وجوداً في عالم التّأمل نحوالتحرر من الحزن وقيود الهموم ومحاولة الخروج الى أمل وأفق الفجر الجديد ، كقولهِ : ( إنّي أحتاجُ الى إمرأةٍ – تقلعُ لي شجرَ الليلِ ، تشاطرُني حزني / لوحة سرياليّة لإمرأةٍ رومانسيّة : آثارُ خطى لإمرأةٍ رحلَتْ .. ) ، كما تطالعُنا ( صورة الحرب ) التي رسمها لنا الشّاعر في لوحةٍ شعريّة جسّدَتْ الواقع المرير الذي مرَّ به الوطن ، وهويكشف لنا عن هذه الحروب من خلال ثلاثيّة التعبير ( الذات ، الموت ، والحرب ) كما في قصيدته : ( أنا والموت والحربُ المريره ) التي صوّرَ فيها مآسي الحرب وما تخلّفه من الموت والدّمار والدّم والرّصاص ، وكذلك الحال في قصيدته : ( هكذا أورثتنا الحروب )
وقد مثّل حضور ( صورة المرأة ) في شعر الطائي وجوداً في عالم التّأمل نحوالتحرر من الحزن وقيود الهموم ومحاولة الخروج الى أمل وأفق الفجر الجديد ، كقولهِ : ( إنّي أحتاجُ الى إمرأةٍ – تقلعُ لي شجرَ الليلِ ، تشاطرُني حزني / لوحة سرياليّة لإمرأةٍ رومانسيّة : آثارُ خطى لإمرأةٍ رحلَتْ .. ) ، كما تطالعُنا ( صورة الحرب ) التي رسمها لنا الشّاعر في لوحةٍ شعريّة جسّدَتْ الواقع المرير الذي مرَّ به الوطن ، وهويكشف لنا عن هذه الحروب من خلال ثلاثيّة التعبير ( الذات ، الموت ، والحرب ) كما في قصيدته : ( أنا والموت والحربُ المريره ) التي صوّرَ فيها مآسي الحرب وما تخلّفه من الموت والدّمار والدّم والرّصاص ، وكذلك الحال في قصيدته : ( هكذا أورثتنا الحروب )
أما ( ظاهرة الحزن ) فهي الصورة الأخرى التي اجتاحت عتبة النّص الشعري عند الشّاعر جبار الطائي ، وهذا ما يكشف عن عمق التجربة الذاتيّة والواقع الذي عكسهُ الشعر ، ومن ذلك قوله : ( أكرّرُ صوتي رويداً – رويداً .. لألفِ سنونوةٍ هاجرَتْ ، فيرجعُ صوتي حزيناً .. بلونِ الشّحوبِ ، وهمس الوترْ ) وكذلك قصائده ( بكائيّة تحتَ جداريّة الحلم ، مارتا والقمر )
كما يذكر الشاعر فلسفة ( صورة الموت ) الباعثة على التّأمل والحيرة وخلاصة تجارب الحياة من خلال عرض الألفاظ الدّالة على الموت كالقبور ، ومن أمثلة ذلك في شعره : ( الآن ترثيكَ المآذنُ قبلَ الممات ، وتبكي عليكَ القرى …/ ثمّة خوف وبقايا أزمنةٍ حاصرها الموت ، … فلم يبقَ سوى أرقٍ فصّلهُ الصّمتُ على أقبار الموتى … يا حفّارَ القبرِ تهيّأ … لك أن تحفرَ ما شئتَ ، ولا تتعبْ .. يا حفّارَ قبورِ الموتى ، لا تتعبْ .. لا تتعبْ ، … رائحة الموتِ هنا ، وهناك).
وفي مسك الختام ، وفي ضوء ما سبق ، يمكن القول إنَّ الشاعر جبار هادي الطائي قد رسمَ لنا بريشةِ إبداعه الفني لوحةً شعريّة متعدّدة الألوان والأطياف ، مكثّفة المعاني الدلالات ، وذات كلمات باعثة على كثير من الصور الشعريّة التي تدعوالى التّأمل في ثنائيّات الحياة وتضادّها من حياة وموت ، وحرب وسلام ، وفرح أوبهجة أوسرور وحزن وأسى أولوعة ، تلك اللوحة الشعريّة التي عنوانه : ( أقترحُ الآنَ جسوراً ) هي جسورٌ للتواصل بين الذات الإنسانيّة وتجاربها ، والواقع وتفاصيله ، فتناسقتْ ألوان هذه اللوحة بعناصرِها الفنيّة من لغة شعريّة ، وأساليب فنيّة ، أوبناء فنّي لنسقِ تلك القصائد ، أوإيقاع موسيقيٍّ داخلي ، جنح الى وسائله الجماليّة أوصورة شعريّة كانت بمثابة مرآة عكستْ الأجواء التي عاشتها تجربة الشاعر ، عسى أن تحقّق هذه القراءة ما نطمح إليه من الرّضا والقبول ، ومن الله السّداد والتّوفيق .
{ أستاذ الأدب العربي – جامعة القادسية























