لماذا تجاوز الرصافي قوميته الكردية؟
نوزاد حسن
هناك سؤال جوهري لم يطرح للنقاش ابدا، وظل في عتمة النسيان طويلا.هذا السؤال هو:هل نسي الرصافي قوميته الكردية، او بمعنى ادق هل تناساها..؟هذا السؤال لا يقل اهمية من سؤال اخر هو:كيف تجاوز الرصافي قوميته.وسواء سالنا عن “كيف تجاوز”او “لماذا” فالمسالة تبقى رهن غموض لم يدفع احدا لفك شفرته او تحليله. لكن هل حقا يستطيع الانسان ان ينسى قوميته او طائفته او مذهبه بهذه السهولة والمرونة..؟.وهل لدينا اليوم نماذج حقيقية يشبهون الرصافي في تساميه ورفعته..؟انا اتحدث هنا عن حالة فريدة جدا في الثقافة العراقية..حالة لم نتوقف عندها جيدا، ولم نحاول ان نفهمها لسبب بسيط جدا وهو اننا احببنا كل ما هو شكلي ومظهري وخارجي لو تحملتني العبارة. كان الرصافي في كل ما كتب عنه شاعرا كارها للانكليز، وكارها لكل اعوانهم.كان بمعنى ادق شاعرا عراقيا قوميا يفكر في مجد الامة الغابر الذي قدم للعالم العلوم والفنون والانفتاح على ثقافة الاخر.لقد عاش الرصافي لقضية وطنه، ولقضية امته العربية لا امته الكردية.ولذلك لم نجد اشارة واحدة الى جذور تصله بقوميته المنسية نسيانا تاما.وحين كتب الرصافي كتابه المحير والجريء” الشخصية المحمدية او حل اللغز المفدس” فقد اراد ان يعطي للاسلام صورة اخرى خالية من اية خرافات او شوائب، يكون فيها الانسان المسلم حرا حرية كاملة الدسم لو صحت العبارة.ومن خلال دائرة الامة العربية لا الامة الكردية نفذ الى الانسانية والعالمية حين صور الاسلام انطلاقة نحو الانسانية.وبهذا المعنى سيكون الرصافي ومنافسه اللدود الزهاوي ايضا رجلين عظيمين ليس فيما قدماه من ادب وشعر، ولكن في طاقتهما على التخلص من سجن القومية.وقد يعتقد البعض ان ما اقوله مبالغة لان الانسان بطبيعته خير ويملك عقلا، .ومن باب اولى ان يتجاوز طائفته او مذهبه او قوميته في اي وقت يشاء.وانا اجيب على مثل هذا الكلام بانه مثالية عمياء بكل معنى الكلمة لسبب بسيط وهو ان الاحداث والتجارب تؤيد ان الانسان لا يمكنه ان يفكر بعقلين اثنين لانه لا يملك الا عقلا واحدا.واذا امتلأ العقل بافكار قومية محددة او طائفية ثم ارتبطت هذه الافكار بالانفعال فهنا ستكون المشكلة.لقد كشف الوردي سرا غامضا لم نحاول دراسته الى اليوم حين اثبت ان العقل متعصب بطبيعته.وهذا السر الذي لا يصدقه الكثيرون يوضح لنا كل الماساة التي نعيشها، وكيف ان الانسان ينجذب لمن يشبهه قوميا وطائفيا ومذهبيا.
الرصافي وسارتر
قد يقول البعض ان الرصافي كان انسانا تخلص من مغناطيس القومية الرهيب.وهنا التقى بسارتر الذي كان يرى ان الوجود يسبق الماهية.هذه الفكرة الرائعة حاول سارتر ان يعيشها.لكن في الغرب يمكن ان تعيش وجودك دون ان تلوثه بماهية ترثها من العائلة والاجداد لان مساحة الحرية اوسع.وهذا ما لا نملكه نحن حتى اليوم.انا شخصيا احاول ان اتخيل جسدي الناعم وانا طفل صغير في “اللفة” كما يقولون.وحولي يقف ابي وامي وقريب لوالدي كان مثلا لعشق الانسان لقوميته.كانوا في الواقع يتناقشون عن الاسم الذي يطلقونه علي.كنت في عالم اخر بعيد عن متناول العائلة كلها.لكن في لحظة خاطفة من عمر الزمن قرر الجميع ان يطلقوا علي اسما كرديا واضح الايقاع والمعنى.قال قريب ابي وهو ينتشي بولادة عضو جديد في غابة القومية لنسمه:نوزاد.في تلك اللحظة حدثت رجة في جمال العالم الذي كان جسدي الصغير الناعم مسافرا اليه.لم يكن ذلك القريب الراحل يعلم انه يسرق مني وجودي ليسجنني في ماهية محددة قاتمة بابها الفولاذي هو الاسم.اما اعماقها فهي الافكار التي تعتقد انها الحقيقة الوحيدة، وكل الافكار الاخرى هي خاطئة.ولا بد ان يعيش الانسان داخل فراء الطائفة او القومية كمنفي بليد يعيش مع الاخرين ولا يعيش معهم. في كل مرة انظر الى صورة الرصافي بالعقال العربي احس باني اتحررمن كل نظرة ضيقة وسلبية.لذا لن يكون الرصافي بعد اليوم شاعرا من شعراء النهضة العراقية والعربية، ولكنه سيكون النموذج الذي حطم قيد وجوده ورفض السجن القومي ليحلق في سماء الانسانية الرائعة. اذن لم يكن الرصافي شاعرا كارها للانكليز واعوانهم، وللخرافات، وللمرتشين ولكنه كان ايضا كارها لكل ما يسجن الانسان ويعطل انطلاقه نحو الانسانية، ونحو الاخر.وعلينا ان نقرا الرصافي بهذه الطريقة اعني ان نتخيله يتحرر شيئا فشيئا من ما هو ضيق الى ما هو ارحب واكثر جمالا.























