زعيم نصار يكتب الحياة في غلطتها.. معنى الكتابة وتكثيف النثرية السردية

زعيم نصار يكتب الحياة في غلطتها.. معنى الكتابة وتكثيف النثرية السردية

محمد جبير

تمتد تجربة الحياة في غلطتها على مدى العقود الثلاثة التي مرت في حياتنا بكل مرارتها التي سممت كل المسامات في الروح التي تفتحت على غفلة الحروب وغفت على اعوام الحصارات التي جففت منابع الحلم وشتت الرؤية ، وزاغت العيون وراء  سراب الاكاذيب ، اراد زعيم في هذه التجربة الابداعية اعادة صياغة حياتنا بثلاث نثريات سردية ، بدأها في النسخة الثالثة وانهاها في النسخة الاولى وبقيت الثانية هي النسخة الوسطية .كل نسخة من هذه النسخ تثير فينا وجعا خاصا كنا نهرب منه ولانريد رؤيته او التعرف عليه ، ندفن رؤوسنا مثل النعامة حتى لانقف في وجه تلك المخاوف التي دمرت حياتنا وراكمت الجر احات والاوجاع ليرى “في طريقي  اشباه رجال” “ص11″ ، تلك هي الحياة ، لكن ” ماهذه الغلطة ؟ منذ ثلاثين سنة ، تمر ايامي ، تتعثر بين الصخور في الوادي” “ص9″.يضع زعيم في غلطته هذه المتلقي في حيرة ، الركون الى الرتابة والسكونية التي يرى فيها الحياة اليومية وبين ان ينتفض ليبتكر صورة الحياة ، لذلك يستفز التكثيف في النثر السردي الذي يتدفق من ينبوع ذاكرة مشحونة بالتربص لاقتناص المعنى في جملة شعرية مشبعة في كثافتها الشعرية والتعبيرية التي تدفع الى ترقرق الدمع في الاحيان ونحن نشعر بالخيبة على عمر مضى مشبع بالخسائر والانكسارات حتى صار ” السواد يكرسه الزوال” ص65″. تلك كانت اول خطواتنا في الحياة  في نسختها الاولى ” لاول مرة يرى طفل صورته في المرآة ، فيظنها شخصا اخر ” “ص57”.انا على المستوى الشخصي ، لم اقرأ الحياة في غلطتها في ضوء التجنيس الذي ثبت على الصفحة الاولى والثالثة “قصائد”  وانما اقرأ مايكتبه زعيم نصار كأنسان ” شفاف ” بما اراه فيه واراه في نفسي ، فهو اذ يفاجأ برؤية صورته في المرآة ، فأني ايضا صدمت بهذه الصورة الحزينة الملتبسة  ، حين اكلت سنوات الحرب الثماني احلامنا وشبابنا ونحن نختفي في الحفر والخنادق من شظايا القصف العشوائي في الليل والنهار ، وحين توقفت الحرب لتنطلق احلامنا من معسكرات اعتقالها في جبهات القتال ، كانت تلك الاحلام مكسورة الجناح لاتقوى على التحليق ، ووجدنا ان ملابسنا المدنية التي تركناها قبل الذهاب الى جبهات القتال لم تعد على مقاساتنا وبدأنا نرسم احلاما على مقاسات جديدة لحياة جديدة افترضنا ان نسختها الثانية ستكون اقل مرارة وخيبة من نسختها الاولى ، لكن يبدو كما يروي زعيم ويمسك بتفتيق جراحنا التي توهمنا او اوهمنا انفسنا انها اندملت بحكم عوامل التعرية الزمنية .  بعدها تقدم الرواي ليزيح الستائر عن هذا الظلام” ص61″.ازاح الراوي – الرائي الغشاوة  عن اعيننا التي كنا نضعها اختيارا او مرغمين ، التي دفعت الى صوب فك الغاز الحروف وقراءة الحروف على سطح امواج حياتنا ، لترتيب ابجدية الحرب وابجدية الحصار ، وهي “هاهي حياتي في غلطتها ، عثرة للتيه ، عثرة للموجة الشاملة ، عثرة  لحليب الارض ، عثرة الزحف الكبير ، عثرة ضد القطيع الحائر ، عثرة لملح السماء الغامض الذي فسد وسكت ، عثرة لعاصفة سوداء” “ص16″.امام تراكم العثرات يقف الرائي مستكشفا ايامه في نثر احلامه على الورق ، اذ لم تعد الاوراق البيض التي كانت تتكدس على المنضدة منتظرة لحظة ترطيبها بحبر الحياة قادرة في الحفاظ على طهرها ، وانما لابد لهذا البياض ان يعمد بحبر الحروف البكر للكلمات التي تطهر الروح وتفرغ الاحزان في عثراتها المتعددة.فقد كانت الكتابة بمثابة الوجه الاخر للحياة الذي يمد اشراقاته الى افاق خارج اللحظة وان كانت الانثى هي الغلطة ” ولاننا نصفان لحياة واحدة واحدة ،صرنا نحلم بحياة اخرى ، انت غلطة العمر بك خرجت من جنة العميان” “ص39″. هي الغلطة الاجمل التي خرجت به من عبودية الظلمات ودفعته الى تذوق الثمرة المحرمة وهي البداية الاولى في طريق العثرات التي هتكت الاسرار واشاعت  مباهج الحياة على الوجوه التي تلبسها الخوف من الصقور التي اكلت الاعوام  الثلاثون من حياته .حين ثبت زعيم شاهده حكمة توراتية منسوبة الى الملك سليمان ، فأنه كان يعني كل حرف فيها ، هذا النص الشاهد هو  ” ان النسخة الشبيهة لاتخفي الحقيقي ابدا ، بل ان الحقيقي هو الذي يخفي واقع عدم وجود شيء حقيقي . ان النسخة الشبيهة هي حقيقة”. ولكن اين الصورة التي يراد لنا ان نراها في هذه السرديات التي قدمهل لنا زعيم نصار برؤية تستفز فينا كل الاحزان التي دفناها في مقابر ارواحنا الجماعية مرغمين مكرهين من اجل ان نقترب من صورة حياة الشبيه ونعيش حياة سوية بلا اوجاع وبلا احزان ، حياة محورها الجمال ومركزها المرأة كأشعاع يضئ ظلمة ايامنا الخاوية وانكسار جذعها بقذائف حقد احرق اخضرارها ، ليتركها عطشى للمسة روح افطرت بعد صيام يوم تموزي لاهب.اقرأ غلطة زعيم هذه وانا استرجع غلطاتنا عبر كل تلك السنوات التي مرت واكلت العمر ورمتنا مثل ثمرة يابسة الا اننا مازلنا نتمسك بشجرة الحياة الخضراء لنرسم على اوراقها اجمل احلامنا ونتشارك الحياة في لحظة حب ، تتجلى فيه صورة الشراكة الانسانية للحلو والمر في تعب الحياة ويكفي اننا نفرح لمنجزنا في الحياة واستعدادنا الى تكرار تلك الغلطة مرة اخرى او مرات اخر لنثبت لانفسنا اننا مازلنا احياء واننا ما زلنا قادرين على العطاء ، وقادرين على ان نعيش الحياة ونكرر اخطاءنا بوعي تام ، لكني اتمنى ان يكرر صديقي الذي احب غلطته هذه بسردية روائية لانها ستكون في يوم من الايام الشاهد الابرز على تميز هذا الشاعر الانسان في جملته التي تنبض بالرقة والعذوبة والجمال وتسعد المتلقي بالتكثيف الصوري وجمالية الحس الانساني العالي .