في رحلة البحث عن الوطن
أشبعت بكل قصص الحب، وأترعت بكل الشعر الذي يتحدث عن الحب العذري.. والحب الماجن.. والحب الممكن والحب المستحيل..
غزا الشيب مفرقي وأنا أتعقب الصفحات في كتب الأدب وسير المحبين.. انقضى ليل الشتاءات.. وأنا أركن الروايات حتى تصطف واحدة إثر أخرى على رفوف مكتبتي..
أطارد نساء لورنس العاشقات.. وأتلصص على رجال البرتو وهم يراودون نساءهم عن أنفسهن.. قضيت أياماً من العزلة مع ماركيز في أعوامه المائة وأنا أتشمم الأرض التي تحمل نزق أبطاله..
هربت إلى أطلس كولمبس وهو يبحث عن قارته المنشودة الضائعة خلف الأفق.. ومع ماجلان غرقت في بحور لا أول لها ولا آخر.. وصلت إلى شواطئ غادة السمان وصرت أهرب معها كي أتحرز من انثيالات الرصاص المتدفق عبر بنادق الأهل المنقسمين.. في بيروت الرماد أيام الحرب الأهلية…
بحثت مع هيغو عن كسرة خبز بعيداً عن الرغيف الذي أدخل جان فالجان السجن.. وأذاقه سنوات القهر.. تنكرت بأثواب غير أثوابي وأنا أدخل عوالم اللامنتمي لكولن ولسن.. تهت وأنا أبحث عن معنى الانتماء… فلم تسعفني فلسفتي في مواجهة الضياع..
ركضت أحمل أحلامي نحو شواطئ التاريخ لعلها تفتح لي بطونها المطويات وترسيني على رمال جزر لم تطأها أقدام الفاتحين.. ولا الغازين.. ولا حتى العاشقين.
مع أول حفنة رمل حملتها راحتا يدي تشممت عفن عظام روبنسن كروزو المنسي في جزر الوحدة… هربت بعيداً فوجدتني أغرق في مد بلا جزر في محيط يحمل أجساد سفن راسية فيه منذ أعوام الحب في زمن الكوليرا..
تكورت على نفسي أنشد السلام فإذا بي أضيع في عوالم تحدها جدران دوريس لسننغ في (مذكراتها التي لم ينج منها أحد) وهي تطاردني غرفة بعد أخرى.. تحجرت في مكاني فظنني المتشدقون حصان طروادة فأرادوا حرقي حتى لا أفسح المجال أمام أحد لاجتياح مدنهم الهاوية.. وألقوا اللوم عليّ ولم يدركوا أن مدنهم بلا أسوار..!
تعبت من أنثيالات الأمس وتحجر اليوم وقلق الغد.. فرحت أتوسل قصص الطفولة كي تمنحني الأمان.. وجدت السندباد غارقاً في بحور التيه من دون أن يستدل على بغداده بعد، وتكسر مصباح علاء الدين وظل هو وسط المغارة المغلقة من دون جنيه.. ولم تفده بشيء أكوام النفائس، وحيداً قضى نحبه مع لمعان الجواهر.
ناديت جميع الفرسان كي ينقذوا ليلى من بين فكي ذئب مفترس في وسط الغابة.. ولم يجد التاريخ لا بالأمير ولا بالفتى أبن الفلاح الشهم.
رن هاتفي ليذكرني إني في زمن النووي… والانترنت والفيس بوك… وقطار اليابان الذي لا يقهر… وأسلحة الدمار الشامل… وآلاف الأنواع من أجهزة الهاتف النقال التي تعكر صفو الأدباء فتسرق منهم خلوتهم… وربما تجفل شيطان الشعر والأدب فجأة فتجعله يفر إلى غير ما رجعة.. ويظل الأديب يلعن حظه ساعة رن الهاتف…
إنه زمن البطاقات الخضر التي تمنحك الحق في اللجوء إلى بلد (العم سام).. تلك البطاقات التي تخبرك بأن حلم العودة يغدو مستحيلاً، وإذا ما جال في خاطرك يوماً سترى ألف (فيتو) يرفع كي يرد لك صوابك…
تتيه في أرض كل ما فيها جميل… سوى وجودك أنت.. أنت.. الذي لا معنى لوجودك سوى خطأ ربما في حسابات التاريخ، أو لأنك وجدت فجأة في محطة لا تعرف عنها شيئاً ولا تعرف هي عنك شيئاً.. وركبت قطاراً يتجه نحو الغرب.. ونسيت أن وجهتك هي الشرق (الأقصى)، تتسقط أخبار الحرب.. وأخبار الحب.. وأخبار مانديلا والفرق الفائزة في (المونديال) وأغاني الحرية.. وربما تتابع أفلام (حرب النجوم)… وتتبعها بأخبار أشهر النجوم.. ومن مات منهم ومن مرض ومن شارك في حفل اليوم.. ومن تخلف عن دفع الضرائب… ومن هو صاحب الرقم الأعلى في التبرع لمنكوبي هاييتي.. ومن سافر إلى جزر الهاواي كي يشارك أهلها محنتهم.
وتأسف لأن النجم الصاعد لم يكن سوى وهم سرعان ما هوى.. وتظل تترقب سقوط النيازك… وتتابع أخبار (ناسا) كي تعرف أي بلاء سيحل..
تقرأ كتب الأبراج لـ(ماغي) كي تمنحك حرزك وأمنك وتحدد لك أبراجك محبوبة قلبك حتى لا يتعارض برجها مع برجك..
وتعبئ أيامك الراحلات في علب تزينها الشرائط الملــونة.. وتحضر علباً للأيام المقبلة.. ومهما تنسى إنك كنت يوماً في وطن يشتهر بفن الطبخ.. لأنك أدمنت الأكــل المعلب..
وما بين هذا وذاك تظل تبحث عن وطن توسده الجسد وتسلمه عنانك.. وتبحث عن جسد توسده الوطن…!!
نهضة طه الكرطاني – بغداد
AZPPPL























