تهجدات حمندي.. بصيرة الطريق في الضياع
خالد العزاوي
اعترف اني تاخرت كثيرا في الكتابة عن ديوان الشعر الذي حمله صديقي الشاعر المتالق عبد المنعم حمندي كهدية قبل شهر من ظهوره في المكتبات العراقية .. ذلك هو ديوانه التاسع من سلسلة مجاميعه الشعرية التي تألق فيها بجدارة بسبب اصراره الذي يحمله بمبدئية وتصميم طيلة مسيرته الادبية من مطلع السبعينات من حيث العطاء المنشور لذا حــري بنا ان نثمن جهده المتصاعد هذا ومسيرته المتكللة بالنجاح باستمرار ..
هذا الديوان الذي حمل عنوان ــ تهجدات ــ صدر العام الماضي في المملكة الاردنية الهاشمية عن دار دجلة وحمل قصائد انقسمت الــى ثلاث مجاميع اطلق على المجموعة الاولـــى ــ وادي الاسى ــ وتضم تسع عشرة قصيدة والمجمــوعة الثانيــة ـــ وادي عشتار ــ تضم سبع قصائد فيما كانت المجموعة الثالثة ـــ وادي الشام ــ قد ضمت اربع قصائد ..
وقد وضع الشاعر العربي الكبير حميد سعيد اطلالته كمقدمة لهذه المجموعة الشعرية طرزت غلافه الاخير بتقديم شيق عرض فيه مسيرة الشاعر ومقومات نجاح تجربته الشعرية وتطورها .. فيما كان الناقد البارع عبد الحسين صنكور قد استعرض بإسهاب وتفصيل قصائد المجموعة الشعرية .. وهذه احد الاسباب التي جعلتني اتأخر في الكتابة عن مجموعة الشاعر موضوعة البحث اذ لم يترك صنكور مفصلا من مفاصل قصائد الشاعر وتجربته الشعرية وتقنيات واساليب كتابة قصائدها والبناء الشعري لها وفي مجاميعها الثلاثة الا واعطاها حقها بعمقها الذي تستحقه ..
بعد هذه المقدمة التي وجدت ان من الافضل ان امر عليها لتكون مدخلا في البحث عن نقد ثقافي لقصائد الشاعر باعتبار ان موضوعة النقد أنسياقات تعكس مجموعة مقتربات الحالة الثقافية والاجتماعية والتاريخية لهذا الشاعر او ذاك ولهذا العمل الابداعي او ذاك ..
يذهب عبد المنعم حمندي في عمقه الشعري والمعرفي في تهجداته الى استعارة فضاءات اخرى غير تلك التي عهدناها في مجاميعه الشعرية السابقة ,, وبقناعتي ان ظرف احتلال العراق القى ظلاله على هذه المجموعة الشعرية وقد يكون احساس الشاعر اكبر واكثر عمقا من الفرد العادي ذلك ان عمق الاحساس تترجمه روعة الكلمة ودقة اختيارها وصدقها في الرؤيا فيما يتعذر الوصول الى ذلك عند الفرد العادي ..
والتهجدات بمفهومها الفقهي تعني تعبدا ذاتيا يلجأ اليه العابد الى ربه ليتخلص من همومه بالاعتراف والتقرب للمعبود .. وهو ما عمد الشاعر اليه في تسمية ديوانه والتعبير بالكلمة الصادقة في احاسيه باتساق تام مع ظرفه الخاص وهو ــ محشد اغربته ــ وللضياع وللمجهول الذي يتعرض له الشاعر جراء احتلال بلاده .. وقليل من الشعراء من لازم مبدأيته وايمانه العميقين بحب الوطن والمبادي كما في حالة حمندي الذي ارتقى بتلازم صلب بما آمن به وعمل من اجله في تجربته مذ كان فتيا وحتى الان ..
في وادي الاسى وهي المجموعة الاولى من ديوانه والتي تضم تسعة عشرة قصيدة .. سن الشاعر مواويل حنينه في قصيدته الاولى بوجع اطلق عليه (مواويل الحنين ) ويصف عذابه جبل الماضي وآهات السنين .. على ان ابدع ما يصف الشاعر في تلك المواويل يشق عنان حنينه كأن حاله حين الكتابة بداية ولادة لا يدري الى اين تنتهي
اين امضي والشجا في الرحم ينمو في الجنين
لا شك ان الصرخة الدفية في اعماق الشاعر وحيرته سلمته لاعلان تلك الصرخة .. ويمضي وتمضي اعماقه صارخة في معبد اتخذه لعنفوان اصالته
سطع النجم ونجمي معتم
وحلمت ، ليت كنت أحلم ؟
واستعار الشاعر حمندي فــي قصيدته الثانية مــن نفس المجموعـــة الاولى ــ الحـــرث فـــي البحــر ــ نــص قـــراني ( انًى شئتم ) واستخدمه للوصول الى جدل النحويين على انه جدل الحيرة والمجهول الذي لا يدري الى اين يفضي واتخذه بصيرة لعلم القياس فالكل في ضياع الجدل في تيه وتسائل ..
هل أحرث في البحر ؟؟
كيف ؟ وسفائن شمسي تنأى
والشاطيْ ينأى
مجهول يبحث عن مجهول ..
ويتمتع الشاعر بذات الرؤى ببقية قصائد هذه المجموعة (وادي الاسى) حتى يصل الى حالة اللاشيء في عالم البقايا .. بقايا النار .. واصفا حاله حال ( الدخان ) ولا شيء .. حتى يصل في نداءه الى …
يا رياح الفصول ،
خذيني الى كوكب مجدب
قد يمر الغمام عليه ويحملني …
تـراه …يراقب برقا من الدمع
يعكس ومض عيون تراود اهدابها ….
في وادي عشتار المجموعة الثانية من ديوان تهجدات وفي قصيدة العراقية يعترف الشاعر كأي فارس نبيل بفضل امرأته ــ العراقية ــالتي يطلق عليها اجمل الاوصاف وما تعودنا ان يطلقها شاعر شرقي اذ يسمي المرأة العراقية ( صنوبرة الرحمن ) وهذا جزء من اصالة الشاعر بفضل الزوجة العراقية … وبالذات العراقية التي تحملت ما تتحمله الجبال في سنين القحط والحرمان .. في سنين الحصار والحرب اذ يتبين لهذا الشاعر اصالة تلك الزوجة ، الام ، الاخت ، الحبيبة .. فيمضي غارقا بحنينه على انه يحصر رؤيته وخطابه الشعري للزوجة حصرا ..
ما اجملها حين تصب حنان الصبح
وتكابر حتى يغدو القلب قلوب
تتفنن بالوجد وتقسم نفسا للبيت
وللاولاد وللزمن المقلوب
أمراتي ابهى ام في الحربين ..
حتى يصل الى عرفانها المتسامي فوق رؤى الاصالة العراقية ..
تغفر لي آثــامي
وتبـــارك أحلامي …
وسأقف في مفاصل مجموعته الثالثة ــ وادي الشام ــ الى عرفان الجميل الذي توسد سلوك العراقي الشاعر المبدئي السريرة والقول والعمل الى قصيدة أغنية لدمشق حيث اضطر الشاعر للبقاء هناك بسبب ظرف الحرب الذي شرده والكثير من المبدعين .. وهي قصيدة ــ اغنية لدمشق ــ
دمشق الشباب الذي لا يشيب
ولا تعتريها الغصون
ومهد الجمال … شذى الياسمين .. ثم يصل الــى ….
دمشق العروبة
نهر من الحب يسقي العطاشي ..
هذا الاعتراف والحب والوصف الدقيق اكد ان الشاعر حمندي ظل متأبطا مبدئيته .. وظلت مبدئيته تتأبطه .. ويقينا ان التقلبات التي طرأت في العراق ما ساورت مخيلة الشاعر اسوة بالكثير من الذي ارتدوا ثيابا جديدة ظهرت عفونتها لاحقا وبغض النظر عن مغريات الزمن الرديء والشح والاحساس بالاغتـــراب ..
وحتى الان ورغم اني اشعر ان ما استعرضته يعتبر قليلا لما ينبغي ان يقال في هذا الديون الشعري لذا من الواجب ان استعرض ولو على عجالة التقنيات والاساليب الشعرية التي استخدمها الشاعر هنا فان وصف (الشمولية) كان سبييلا في معظم قصائد الشاعر وقد كانت لتأملاته في القصائد وقع نادر حيث كان يستشرف وبخطابه اللغوي البديع منافذ القصيدة المتفردة في عالم يضم شعراء كثيرون ولا يضم قصيدة جميلة .. اما العروض الذي نسق به قصائده متنوع بين بحور الشعر العربي الاصيل .. فكان موزعا بين الكامل والمتدارك والمتقارب والرمل
في الختام يبقى عبد المنعم حمندي شاعر عراقي وعربي متميز .. تتصاعد همته قصيدة اثر قصيدة .. مفردة اثر اخرى جمالا اثر جمال























