السبع .. حرمان وإبداع
عبد اللطيف الموسوي
ما أن سمعت بتدهور الحالة الصحية للروائي والصحفي الكبير محمد شاكر السبع قبل ايام وهو في غربته حتى استذكرت شريط ذكرياتي البسيطة معه ايام جمعنا العمل الصحفي في جريدة الجمهورية اواسط تسعينيات القرن الماضي. وما ان سمعت بخبر وفاته حتى طفرت دمعة من عيني لرحيل مبدع عراقي آخر بعيداً عن اهله ومحبيه. تذكرت مشاكساته لي عندما جئت نقلاً الى قسم الترجمة في (الجمهورية) من قسم التصحيح . نعم عملت في قسم التصحيح اللغوي مع انني ان دراستي الاكاديمية كانت اللغة الفرنسية ولكن عيني كانت على قسم الترجمة . والطريف وانا في هذا القسم كانت عيناي على اقسام التحرير الى ان عملت في قسم الاخبار الدولية . المهم خلال السنتين التي عملت فيها بقسم الترجمة تعرفت الى السبع عن كثب. كان يشاكسني كثيراً وقد تفاجأ بعملي في هذا القسم الذي كان عبارة عن غرفة صغيرة تضم ست مترجمات فقط . كان كثيراً ما يقول لي مازحاً انني اول(ولد) يدخل الى هذه(الصومعة) منذ ان تأسس القسم ، حتى كإن منتسبو الجريدة يظنون ان هذا القسم حكراً على (البنات) ، فكيف وافقت رئيسة القسم خلود العبيدي على قبولك. ويضيف(والله لو كنت قد طلبت النقل الى القسم عندما كانت نجوى ابو غزالة رئيسة له لما وافقت على ذلك). كنت حينها لا امتلك جواباً محدداً لمشاكساته فكان يضيف رحمه الله (والغريب انت لا تتكلم كثيراً وهادىء وربما هذا السبب الذي جعل خلود توافق على دخولك الى القسم). وفي الحقيقة، كان باب غرفة الترجمة مغلقاً طوال النهار والعاملات في القسم – قبل ان انضم اليهن – مشغولات طوال النهار بالترجمة ولكن الشخص الوحيد الذي كان يجرؤ على الدخول الى القسم هو محمد شاكر السبع من دون ان يطيل المكوث. وفي الحقيقة انني كنت احسد نفسي لأنني اصبحت على معرفة بهذه القامة الادبية والصحفية الرفيعة. وقد تمتعت كثيراً بقراءة تحقيقاته الصحفية التي ابهرتني غاية الابهار حتى انني كنت اتمنى ان اصل الى مستواه في الكتابة. واكثر ما اثار اعجابي بتحقيقاته الصحفية هو فصله بين السرد والتحقيق الصحفي فلم تنجر كتاباته الصحفية الى السردية كما هو شأن الروائيين عندما يلجون عالم الصحافة، كما لم تنجر رواياته الى التقريرية بتأثير عمله الصحفي، ناهيك عن القدرات الكبيرة التي كان يتمتع بها الراحل الكبير في مجال الكتابة الصحفية التي جعلته في مقدمة كتّاب التحقيقات الصحفية. مايؤلمني حقاً انني في المدة القصيرة التي كنت قريباً خلالها من السبع تعرفت على عمق آلامه ومعاناته والحرمان الذي كان يعانيه والذي كان يخفيه ولايظهره وهو ينوء بحمل ثقيل. واليوم اقف احتراماً لإبداع السبع الذي كان (سبعاً) بين مجايليه تاركاً وراء ظهره كل هموم الدنيا لينتج لنا روائع نحن اليوم بأمس الحاجة لقراءتها ثانية….























