بنات الخائبات.. دلالات الحدث ورموزه المتعددة.. حشود من التفاصيل والتنويعات المتشابكة

بنات الخائبات.. دلالات الحدث ورموزه المتعددة.. حشود من التفاصيل والتنويعات المتشابكة

عبدالهادي والي

للقصة واقعيات عديدة مفترضة ، ينطلق من خلالها القاص ، لرصد عوالمه الخاصة ، المحتشدة بالتداعيات والصور والتأزمات النفسية الدفينة ، التي تنطلق بعفوية من خلال الأنفلاتات اللاشعورية ، الكامنة في الأعماق ، للبوح عن الدواخل القصية في النفس ، ينطلق قاصنا المبدع علي السباعي من واقعية مفترضة ، تحتشد بالتفاصيل والتنويعات المتشابكة لأحداث تاريخ ، وصور ومقولات شخصيات متنوعة ، وقادة وفنانين ، وشحاذين ، وأنصاف مجانين ، من الحاضر والماضي ، إذ تلتئم كل تلك العناصر ، لتشكل ندية نسيج القصة ، فقصته لا تنطلق من حدث محدد ، يتنامى ليصل إلى نهايته ، إذ ينعدم في قصصه منطق التتابع السببي للحدث . فمن ناحية البناء المعماري ، نلمح نوعاً من التشتت في السرد ، فيتنوع الحدث منطلقاً من بؤر عديدة ، لا يمكن حصرها ، فالذات الساردة المولعة بالحكي ، هي التي تومئ إلى ملامح شخوص لا حصر لهم ، لتزجهم في بوتقة الحكاية ليشكلوا اخرازات منتظمة ، تعطي للقصة إنفتاحاً سردياً لا محدداً . في قصة ( فرائس بثياب الفرح ) المأخوذة من مجموعته القصصية : ( بنات الخائبات ) ، والمتكونة من قصتين قصيرتين طويلتين ، أحداهما : ( فرائس بثياب الفرح ) ، والأخرى : ( سيوف خشبية ) يستهل القاص علي السباعي قصته : ( فرائس بثياب الفرح ) بتلك التنويعات  التي تمنح العمل الأدبي تفرداً خاصاً تظهر فيه بصمته الواضحة ، في سبك الأحداث ، وتوزيعها في عوالم شاسعة ، لتظل مبهوراً ، وأنت تتابع السارد بضمير المتكلم وهو يحرك  خيوط حكاياته ، المتشابكة ، في نسيج القصة الواحدة . هكذا يبدأ بثه في الاستهلال : ((  ما كنت يوماً قاطع طريق ، لكثرة تعثري بظلي ، فتمنيت لو كنت طارق بن زياد ، لأحرقت نفسي بدل إحراق سفني ، لأنني لم أكن صانع هذا العالم ، وما كنت كاسراً للصمت الدولي ، لأنني أنفقت عمري كله أعيش مثل أبي الهول ، وكم تمنيت أن أكون ساعات ضعفي مثل أوغستو بينوشيت ، حتى أقتص من كل الصبية الذين ضربوني في المدرسة . . )) . وفي لقطة أخرى محايثة ينطلق القاص السباعي : (( كرهت أن أكون قرصان انترنيت ، وأبقيت لحية وشارب بيكاسي ، وعندما أشرع بممارسة مواهبي لتخاطر عن بعد ، كانت أمي تصرخ بحرقة : إلى متى تبقى الصخرة جاثمة عليك . رغبت ساعتها لو كنت تانتالوس ، فأزيح الصخرة ، وأرميها بعيداً عنا ، نحن أبناء الخائبات . . )) . ثم يتوزع السرد ثانية ، لتلتئم فيه كثير من العناصر المبعثرة ، الذي يوحدها خيط رفيع من اللاعب الرئيس ، وهو السارد ، ليتابع رسم مشاهده ، ورصد ملامح تلك الأجواء التي تحيط بأبعاد وجوانب الموضوع القصصي ، في أجواء شبه كابوسيه تخيم عليها حالات من الفقد والغربة والشكوى ، من مجهول ترصده كاللعنة ، ليحبط كل مساعيه الرامية ، لخلق حالة من الانسجام المستحيل ، مع واقعه المشتت ، المبعثر المطعون في أكثر من موضع : (( بدأت أشعر بفحولة أنكيدو . رددها بصوت عال ثانية : فحولة أنكيدو تنتضي سلاحي الباسل . أفقي كان أسد بابل وعشتار . أرسلت له تموزاً كي يبث فيه الخصب . قال عتودة بنشوة مثل أبيقور : ناصرية ، سأفض بكارتك قبل غروب الشمس )) . ومثل بداية القصة تكون الخاتمة ، عالماً منفتحاً لا حدود له ، ينفتح على عوالم تعج بخيبات متكررة ، لا نهاية لها . وفي قصته الثانية : (سيوف خشبية ) يكون الاستهلال عبر بث السادر المأزوم بشخصية ، تعجز عن التناغم مع واقع يحتشد بالتناقضات : ((أنني سيء السمعة للغاية اكثر من كل الناس . تعلقت بذيل حمار ودخلت سفينة نوح فكان لي النصيب الأكبر من سيئات الناس ، رغم حقارتي ونذالتي ، إلا أنني أدخل البيوت إلا من أبوابها ، بإمكاني إدخال خيطي في كل نسيج ، أجمل القبيح وأقبح الجميل . كنت مبتلى من هذا الجانب )) . ويتابع السرد حيوات تلك الخائبات الغارقات في التعاسة والعهر : (( نحن العاهرات في المنطقة المعتمة من الحياة . أذن القيم تنبع من عندنا ، وليس من المناطق المضيئة : مناطق التجار . قلت محاولاً تغيير الموضوع : لا تنظري ناحية القمر المخسوف ، فلسوف تظلي عانساً بائرة بلا زوج هذا ما كانت تردده جارتنا على مسامع بناتها السبع )) . لقد نجح القاص العراقي المبدع علي السباعي بقدرته الأسلوبية الواضحة ، وطريقته المتفردة في القص ، أن يؤكد الخصائص المعمارية لفنه القصصي ، المشبع بتنويعات تقودك إلى عوالم خيالية مبهرة ، وإلى بقاع أخرى تغرق في الضوء ، ضوء الحقيقة . ضوء الواقع القاسي المعاش ، ليؤكد مقدرته الفائقة في السرد القصصي ، ورسم انطباع عام  عن الواقع المبعثر الذي نعيشه ، بكل تناقضاته وثنائياته المتعارضة ، ليؤكد حضوره الفاعل من خلال ما يستقطبه من مجموعة مشاهد وأحداث مختلفة ، تأتلف لتكون لوحة معبرة ، عن  إرهاصات هذا الواقع المرير ، وعالمه الفنتازي ، من خلال  أسلوب قادر على منح المتلقي فرصة فسيحة للتأمل والمتعة ، وعبر لغة غنية بالدلالات والرموز المتعددة ، وإيقاع شفاف ومحكم يجيد رسم تشكيلات صورية مدهشة من الواقع المعيش ، ومن أحداث تاريخ يعج برموزه وأحداثه المتصارعة : (( وجدت نفسي مجبراً على إخفاء تمزقات قلبي . تذكرت صلواتي التي تلوتها تحت قدميها ، حياتي فوق كل اعتبار حياتي التي مارست فيها دوري من غير تمثيل . كنت الحقيقي الوحيد في مسرحية الحياة الطارئة . كان دوري فيها حقيقا ، دور إبليس  ، ذلك الحبيب المزور لديه جرذ صغير ، ينبض بين أضلاعه ، أنه القلب ، وإن ملكت قلباً محباً فذلك ميعاد موتي . قلت  : المسألة بكل بساطة ، يا داعرتي قطع رأسك استمرار لحياتي . زمت شفتيها معلنة : رأسي رهن سيفك أضرب . تقدمت خطوة نحوها . المسافة بعيدة ، نهائية ، خطوت خطوة ثانية ، مازالت نائية ، ثم أعقبتها بنصف خطوة ، عندئذ رأيت عينيها تصرخان ، تستغيثان ، تنتفضان دموعاً ، تفيضان وسط هذا الهرج ، دموع طفلة تنساب على وجنتيها بسكون . أحسست ببرودة .  توقف نفسي ، لا مفر . استجمعت شجاعتي ، تنفست بعمق ، رفعت سيفي ، آلمني زندي من أثر عضتها  ، لكن لا بأس ، راقبته يرتفع بعينين منتبهتين . ارتسمت على معدنه البارد صورتي ، وبان تحتها أسمي المشغول بحروف مشعة من فضة مذهبة : إبليس !  )) . بمثل هذا التكنيك الذي يبدو لنا كلوحة كبيرة متناغمة ، ومن خلال استخدام لغة المفارقة التي بواسطتها يستطيع أن يعمق لدينا الإحساس بالتناقض ، يختتم القاص العراقي المبدع علي السباعي حكاياته ليخلف في نفوسنا طعماً مستعذباً جميلاً يحتشد بالإبداع والفن .