الذكرى الثامنة لرحيل القاص والروائي كاظم الأحمدي.. محطات للسرديات ناطقة بالتميز
محمد جبير
تحتفظ الذاكرة الشخصية بالعديد من الصور والمواقف الايجابية والابداعية للصديق القاص والروائي البصري المبدع كاظم الاحمدي والذي غاب عنا في غفلة زمنية غير متوقعة في الثلاثين من حزيران في العام 2008 في هذا الوقت كنت في القاهرة ، واقصد فترة رقاده في المستشفى اذا كنا نخوض امتحانات الكورس الثاني في الدراسات العليا لمادة الصحافة ، تحدث معي في الشهر الرابع من هذا العام ، عام الرحيل ، مستفسرا عن وضعي وامور اخرى ، اخبرني انه راقد في المستشفى ، قال لي :
– محمد احببت ان اسمع صوتك اخبرني كيف حال الاولاد وام الاولاد
قلت:
– الجميع بخير وانا مسافر بعد ايام الى القاهرة لاداء الامتحانات واستمر الحديث ، عرفت انه في المستشفى ، لكنه ;hk متفائلا ويرى ان الوضع تحت السيطرة ولم يحب ان يقلقني بأخبار على الرغم من اني قلقت على وضعه ولكن لم أتصور خطورة الامر ، اخبرته اني على استعداد لتأجيل سفري والحضور غدا صباحا الى البصرة ، لم يشجعني على ذلك وطلب ان اسافر لان الامر بسيط ، هذه المكالمة الهاتفية في ليل هذا اليوم ، اعادت شريط علاقة امدها اكثر من اربعة عقود ، كنا نتشارك فيها الهموم والافكار والاراء والتصورات ، تشاركنا في الكثير من الامور حتى ان هذه العلاقة الحميمية باتت معروفة لادباء البصرة وبغداد على حد سواء .لم اكن اتوقع ان يرحل مبكرا ، فقد غاب في اوج عطائه الابداعي في سرديات روائية متميزة تشكل محطات مهمة في مسيرة الرواية العراقية الحديثة ، على الرغم من ان الكثير من الادباء من الكتاب والنقاد يلتزمون الصمت امام اعماله اذا فكروا في القراءة او انهم يتجاهلون هذه النصوص عن عمد واصرار حتى ان احدهم في جلسة اعترف امام جمع كبير انه لم يقرأ سرديات الاحمدي الروائية وانه يشعر بالتقصير في ذلك .كان الاحمدي يعرف اسباب هذا الخرس الثقافي كما اعرفه انا ايضا وانا اضحك في داخلي ، حين تصل الامور في العلاقات الثقافية بين الادباء الى هذا المستوى المتدني من العلاقات فقد كان الاحمدي يكبر كقامة ابداعية بصرية مع كل نص روائي يصدر له فيما يتقزم البعض ممن يتعمد الصمت امام هذه الانجازات العراقية المميزة .اذا اردت ان اقارن بين صورتين ، من الصور العديدة التي تشغل جدار الغرفة الاولى من متحف الكاتب ، فأن الذاكرة تعود بي الى الايام الاولى التي قدم فيها الاحمدي من البصرة الى بغداد فائزا في مسابقة القصة القصيرة لاذاعة صوت الجماهير في مطلع السبعينات ، بنصه المتميز ” هموم شجرة البمبر” النص الذي حمل رائحة ونكهة المدينة التي احب والتي سعيت جاهدا وبكل ما املك من تأثير ان اخرجه منها الا انه رفض ذلك وبقي متمسكا في البقاء ، فقد حظي الاحمدي في هذه الزيارة بالاهتمام من الوسط الادبي والصحافة الثقافية ، وهواهتمام اقل ما يقال انه لائق واستمرت سهرتنا في ذلك اليوم في اتحاد الادباء الى ساعة متاخرة من الليل ، وخرجنا نتجول في شوارع بغداد في الساعات الاولى من صباح اليوم ، هذه الصورة الايجايبة تقابلها صورة الجحود والنكران الثقافي بعد ان توالت انجازات الاحمدي الابداعية القصصية والروائية ، ولاسيما بعد ان نشر ” شهادة حارس ليلي في حادثة شنق قديمة ، عشق خضرة وعواقبه ، ما رواه الرواة عن الملا ناصر ، مملكة عزالدين ” ونصوص اخرى ، وهي النصوص التي ارست دعائم انطلاقة الكاتب وترسخه اسما ابداعيا لا يمكن تجاوزه او الاستهانة به او تجاهله كما اراد ذلك بعض النقاد بذريعة او تسويفات تفضح عجزهم النقدي امام منجزه الفني .صورتان متناقضات اهتمام وتجاهل فيما بقي الكاتب يكبر ويكبر في منجزه ويتواصل في عطائه المتميز ، الشريط الصوري للذاكرة الشخصية مزدحم في الكثير من الصور والمواقف والمشاهد التي لا يمكن ان تذكر في هذه الورقة الصغيرة المقتطعة من احد جدران متحف الكاتب ، كان يقول ” انا كاتب واقعي ، يكفيني ارى المدينة بحواسي ، وقد كان علي ان ابحث عن فعل يؤدي – من دون ان يشوه ما راه – مهمتي ككاتب قصة ، ربما اسمي واقعيتي بالواقعية الهادئة – او البيضاء او واقعية المدينة ، وهذا يعني نفيا لكل يوتوبيا خارقة وليس بحثا عن مصطلح جديد “.امام مئات من الصفحات التي تشكل اركان وزوايا متحف الكاتب كاظم الاحمدي وهذه الاوراق تشكل محطات وعلامات مهمة في حياة الكاتب الابداعية ، لن ابقي تلك الاوراق حبيسة الادراج او في مضاريف مغلقة تنتظر من ينفض عنها الغبار وانما لابد لي من انشر تلك الاوراق ا امام اعين القراء ليعرفوا الكثير من اسرار الكتابة الابداعية التي كان يحتفظ بها الاحمدي ولا يريد ان يجاهر بها حتى لا يقدم فرصة ذهبية للاخرين المتربصين للنيل من الكاتب الذي يشكل ابداعه هاجسا مقلقا لهم، فالوسط الادبي في العراق عموما ولا اقول جميعا لا يمتلك الاخلاق الحضارية في التعامل مع المنجز الابداعي للكاتب او الاديب العراقي على انه منجز عراقي لابد من الاحتفاء به ، وهو لذلك يسعى جاهدا للتقليل من شأن هذا الانجاز بشتى الوسائل والسبل ، وهو الامر الذي لم نر له مثيلا في البلدان العربية الاخرى التي تحتفي بولادة كتابها وتهتم بهم وتصنع منهم نجوما وتسوقهم الى البلدان الاخرى على اساس انهم نجوم في حين في العراق ابسط كاتب شاب هو نجم في حد ذاته ولا اشير هنا الى الكتاب الكبار الذي اصبحوا ايقونات ابداعية متميزة في مسيرة الابداع الروائي.مهما كبرت هذه الايقونات الابداعية فانها تبقى تتمسك بطفولة المنجز وترعى ولادته وتسهر على رعايته بغية نموه في مناخ طبيعي وتسعى الى توفير مثل هذا المناخ الابداعي ، وترى صورتها الاولى في الكتاب الشباب الذين يولدون اليوم وغدا وتمنح الخبرة من دون تردد ، تلك هي سمات ايقونات الابداع العراقي ليس في البصرة فقط وانما في كل محافظات العراق فهناك جيل يرعى جيل اخر وان كان ذلك يتم بسرية في بعض الاحيان الا ان الرسائل التي تتعثر بكلمات الخجل تكشف عن ذلك وفي متحف الكاتب الكثير من تلك الرسائل والنصوص الاولى لكاتب ، اليوم هم اسماء ابداعية لامعة في الوسط الادبي .هذا الاوراق وتكدسها في مخزون الكاتب الارشيفي تدلل على مقدار المحبة والثقة العالية التي يحظى بها الكاتب من قبل هؤلاء الكتاب الذين يتلمسون خطاهم الابداعية ويطمحون ان يكونوا في الطريق الصحيح للابداع ، ولم يكل او يمل من ابداء توجيه او نصح على الرغم من تراكم الضغوط التي كانت تحيط به وتريد عرقلة مشروعه الابداعي ، اذ لم يكن يفكر في يوم من الايام ان يبقى في دائرة كتاب القصة القصيرة وانما كان طموحه ومنذ البداية ان يكتب روايته عن المدينة التي احب بما تحمله من تراث حكائي هائل وشخصيات نابضة بالحياة وخليط ثقافي من بيئات متعددة متجانسة وغير متجانسة ، هذا الحلم لم يفارقه ولم ينقطع فيه الحديث عنه في كل لقاءاتنا النهارية او الليلة في بغداد او البصرة في البيت او في اتحاد الادباء او في فندق المنصور مليا اثناء حضور المؤتمرات الادبية السنوية .يدرك الجميع من الزملاء العاملين في الصحافة الثقافية طبيعة ونوع العلاقة التي تربطنا ولان الاحمدي شحيح في تصريحاته ولقاءاته الادبية ، وصعب في ان واحد فقد كان اغلبهم يطلب مني ان اجمع بينهم وبين الاحمدي كان في احيان يرضخ مجاملة او يماطل ويتهرب عن الاجابات او يطلب الاسئلة للرد عليها لاحقا بعد ان يعود الى البصرة ، كنت دائما ما ارى تلك الاسئلة ، فيها اسئلة ذكية تدل على قراءة بعض الاعمال واخرى اسئلة عامة تقليدية تصلح لكل كاتب ويجيب عنها بما يشاء بمعنى تيسويد صفحات ليس الا ، الاحمدي لن يرضى بتلك الاسئلة ولن يقبل الاجابة عن سؤال لا يرى فيه قولا جديدا ، لكن من بين مجموعة كبيرة من الاسئلة رشحث سؤالا ، اردت ان يجيب السائل ، لاني كنت اعرف الاجابة مسبقا ، ودائما ما كنت اهدده في الاجابة بالنيابة ، قد يفكر في الاجابة عن بعض الاسئلة في لحظة استرخاء او تجلي في التامل والاستعداد الى قول ما يريد قوله ، اذ قد تكون بعض الاسئلة مناسبة للبوح ، بعد ايام من العودة الى البيت وكان ذلك في السنوات الاخيرة من الثمانينات ، حيث كان الاحمدي قد ركز اقدامه واحد من كتاب القصة البارزين ، وايقونة من ايقوناتها الابداعية التي لا يمكن تجاوزها ، في تلك الفترة كان السؤال ” لماذا لم تلق اعماله القصصية بعد الهموم اهتماما نقديا ؟.” لم يكن الاحمدي عدائيا وانما محب للجميع ولا يريد ان يبوح بمكنوناته حتى لاتزعج او تالم صراحته الاخرين الذين تعمدوا واصروا على اهمال نتاج الاحمدي لاسباب سياسية لا تتعلق بالفن القصصي وانما بقناعات وتكتلات القصاصين والنقاد الذين ارادوا اهمال تلك القامة القصصية ، في خزانة اوراقه التي اقلب فيها الان ، كان هذا الجواب ” لم تلق هموم شجرة البمبر صداها في الوسط الادبي – اعتباطا- لانني اعتقد ان ثمة دوافع اخرى كانت وراء ذلك الاهتمام ، اذكر منها ما يخصني ، انا لا اوزع نتاجي على النقاد ، اي لا اهدي نتاجي لهم ، بسبب من حساسية او موقف اخلاقي ، اذ ان معنى الهدية يحمل شيئا من المطالبة ، وما دفع النقاد للكتابة عن هموم شجرة البمبر ، كان محض اختيار او اعجاب – ولكن بعضهم- كان قد رحب بي كقاص ، قبل نشر المجموعة ، سكت عن المجموعة بعد طبعها لاسباب كنت اجهلها تماما ، ولا اريد ان اذكر هنا نقادا معينين ، لانني –اساسا- لاانظر الى النقد كوسيلة للشهرة الادبية بقدر ما انظر اليه كما لو كان ” كشافا” لمسارات قادمة ، ولما لم اجد من له القدرة على التأثير – فقد اليت اشق الطريق وحدي – فكانت غناء الفواخت –قد نضجت فيها القصة- ، في هذه المجموعة اجمل القصص التي كتبتها في السبعينات ، اقرأ الممرات الجنوبية او الاجازة ، فالممرات الجنوبية، ليس لها مثيل في القصة العراقية والعربية ، واذا تجرأت اقول ليس لها مثيل في القصة العالمية ايضا، وهي تفوق قصة هموم شجرة البمبر ، ولكن هذه اكتسبت شهرتها بسبب من تفضيل ذدكره الدكتور على جواد الطاهر تلك المقولة التي اساءت الى جميع نتاجاتي اللاحقة ،فلم تقرأ غناء الفواخت كما لم تقرأ طائر الخليج وشواهد الازمنة ، وانا على ثقة بأن مالم يقرأ اليوم سوف يقرأ غدا ، وسوف يعاد الاعتبار الى قصصي ، وهي ميزة موجودة في ادبنا ى، اي اننا سنقرأ نتاجك بعد ان تغادر ، وسوف ترى انت بعد مغادرتي هذا العالم سأترك دويا في ضمائركم “.وهو الامر الذي اشار اليه الزميل عبد السادة البصري رئيس تحرير جريدة الملتقى البصرية في العدد ا”24” الصادر في 22 تموز من عام2008 بعد ثلاثة اسابيع من رحيل الاحمدي اذ خصص صفحة كاملة ملأت بكتابات “عمود بقعة ضوء “وشيء من السيرة واخر الذكريات فضلا عن قصيدة للشاعر محمد صالح عبد الرضا ومقال لصديق كان قريبا من الاحمدي هو الدكتور الروائي رياض الاسدي حمل عنوان ” بائع الساعات القديمة ” ومقال للكاتب عبدالحليم مهودر بعنوان ” المعلم “, اذ قال البصري ” دائما يكون الاحتفاء بالمبدعين الراحلين ،أيعقل هذا؟ لماذا لا نحتفي بالمبدع وهو حاضر بيننا ، ويمشي ويقول ما يريد ، كي يبصر محبة الاخرين وتقديرهم بأم عينيه مثلما يقال؟.” .
لا ار يد ان اعلق او اجيب عن التساؤل لان الوقت لم يحن بعد ، واذهب الى ما كتبه الصديق الناقد جاسم العايف الذي هو الاقرب اليه منذ اكثر من نصف قرن ، اذ انه يشاطر الاحمدي رايه السابق ، فقد ذكر في مقاله ” من اجل كاظم الاحمدي ” والذي نشره في الصفحتين اللتين خصصتا للاحمدي بعد ثلاثة اشهر من رحيله في جريدة الاخبار البصرية ، العدد 237 في التاسع من ايلول 2008 اذ ذكر العايف الاتي ” في مكابدات النشر كان كاظم الاحمدي يبدو مأزوما ، حيث لم تكن في ذلك الوقت الاشتراطات الاساسية للجودة الفنية ، لمن لم يكن معروفا .. وثمة مسوغات اخر للنشرفي الصحف والمجلات الحكومية .. وربما غير الحكومية على قلتها .. مسوغات واشتراطات كم تبدو تافهة وضيقة الافق الان .واضاعت فرصا مخلصة لتغيير نوع وشكل الخارطة القصصية والثقافية في العراق ،مسوغات يقف في مقدمتها التخندق والاصطفاف وال”العراك “الحزبي الشديد ، الفائض عن الحد الانساني المعقول ، كان ذلك يسم حياتنا او بأدق يسممها .. كم تبدو تلك الايام عصية عن النسيان .. مع ان ما ولد من رحمها كان اكثر مرارة واشد قسوة وغلظة وفجيعة”.ويبقى تساؤل القاص الراحل محمد عبد الوهاب بشأ ن ” هل كتب كاظم الاحمدي سيرته الذاتية؟” في ذات العدد من الجريدة ، تساؤلا مشروعا ” أتسائل الان بعد رحيل صديقنا الروائي كاظم الاحمدي : هل كتب الاحمدي سيرته الذاتية ؟ هل كان يعتزم نشرها كما فعل عند نشر رواياته؟ او انه لم يكتب سيرته كما يفعل معظمنا ؟ ان السيرة الذاتية للراحل كاظم الاحمدي “ان وجدت” فأنها ستكشف كثيرا من الغموض الذي اكتنف بداياته وتكوينه الثقافي والابداعي وستعين دارسي ادبه على فهم تحولات منجزه في القصة القصيرة والرواية ، اذ غالبا ما كان الاحمدي يتكتم على ذلك خشية او تواضعا او عدم اكثراث “.قد تجيب الاوراق اللاحقة من اوراق خازن الاسرار على هذا السؤال واسئلة اخرى كثيرة لازالت معلقة في اذهان الكثير من الادباء والكتاب من مختلف الاجيال عن هذا الكاتب الكبير الذي رحل بصمت بعد ان قدم اعمالا متميزة نشرت في حياته وبقيت هناك اعمال لابد ان تنشر بعد ان تم نشر ارض القهرمان ” مجموعة قصصية ” ورواية ” قصر الالزمامني” حيث لازات رواية ” وجه الملك ” تنظر النشر مثلما تنتظر ” حلم عين” ان تكون في كتاب مستقل.























