مفهوم الواقعية ونظرية الإنعكاس في أدب حنا مينه .. نقاط سلبية بدرجات متفاوتة

مفهوم الواقعية ونظرية الإنعكاس في أدب حنا مينه .. نقاط سلبية بدرجات متفاوتة

مؤيد جواد الطلال

امتازت القصص القصيرة الأولى المبكرة, وبعض روايات مينه , بالضعف الفني وبالروح الخطابية المباشرة, وأسلوب السرد الإنشائي, والتكلف والاطناب .. إلى آخر هذه النقاط السلبية التي ظلت تظهر في بعض أعماله بدرجات متفاوتة. وعلى ما أعتقد فإن مفهومه للواقعية ونظرية الانعكاس, إضافة إلى تأثره بالفن النمطي لمدرسة الواقعية الاشتراكية – وتقليده لبعض روادها – من الأسباب الأساسية في ضعف تلك الأعمال.

 ورغم تضلع  حنا مينه  لاحقاً في الشؤون والأساليب الفنية في الرواية, وكتابته الكثير من الروايات التي كادت أن تصل مرحلة الاكتمال في بعض الروايات المتميزة, لكنه انطلق من مفهوم وتصورات فكرية – ولا أقول أيديولوجية أحادية النظرة – تولي أهمية بالغة, أساسية وأولوية, للمضمون الاجتماعي والموقف السياسي؛ ولهذا شطب في كتابه  كيف حملت القلم  على جون شتاينبك  لأنه كتب بنظرة مغايرة بعد زيارته لفيتنام, بل أنه حاول الغمز من قناة وأسلوب كل من فولكنر و جويس لأن هذا الأسلوب لا يُلائم القارئ العربي –  ص 104 من كتاب كيف حملت القلم – منشورات دار الآداب 1986   دون أن نعرف كيف أو لماذا لا يلائم القارئ العربي, وفيما لو كان هذا القارئ منعزلاً عن ما يدور في الجانب الغربي من الكرة الأرضية ؟! .. كما أنّه أعلن الحرب على كافكا  في صفحة  .177

في الفصل المعنون بالرواية والحياة والواقع والانعكاس من الكتاب ذاته يطرح  مينه  نظرية أو مفهوم الانعكاس وضرورة التقيد بقوانين وشروط النظرية المادية الجدلية في الفن؛ إذ يعتبر أنّ الموقف السياسي النهائي من الطبقة العاملة, ومن المستقبل, هو الحَكم الفاصل في أهمية الأديب وأدبه, كما يظهر من خلال مقارنته بين أدب تولستوي وجوركي, أو من خلال انتقاده لأفكار وآراء  فرجينيا وولف  وهنري جيمس وغيرهم في رؤيتهم إلى الرواية, أو انطلاقاتهم النظرية .. الخ .

مع أن هذا الجدل أصبح قديماً وعقيماً, لكني أرى, هنا, أن نظرة  مينه  للأدب باعتباره مجرد وظيفة اجتماعية وسياسية هو نقطة الضعف الأساسية في هذه النظرية الماركسية التقليدية, رغم جهوده لالتقاط  ما هو حيّ وديناميكي وتقدمي في تلك النظرية. ولذا أعتقد أن متغيرات العصر والحياة, والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى, تفرض علينا اليوم النظر إلى العالم والحياة والأدب رؤية جديدة, أو نوسع رؤيتنا القديمة على أقل تقدير !!

وإذا تابعنا سطور  مينه  في هذا الفصل من كتاب  كيف حملت القلم , انطلاقاً من مفهوم الانعكاس – الذي يتمسك به, حتى وإنّ أعطاه مفهوماً جديداً أكثر حياة من المفهوم التقليدي القديم – وضرورة الوظيفة الاجتماعية للأدب, أو ارتباط الأديب بالمستقبل والطبقات الصاعدة .. الخ , فإن الكاتب وصل إلى النتائج ذاتها التي كان قد توصل إليها لينين في عصره, خاصة في موضوع المقاربة والمقارنة بين أدب تولستوي, الذي يصفه بالمحافظ والحالم, على عكس جوركي الذي تغنى بأنشودة الصقر ونشيد العاصفة كما وصفه  مينه  في فصل سابق [ ص52] وكان موقفه سلبياً من دوستويفسكي – في الصفحة ذاتها – لأنه كان قد خاطب الشعب الروسي بالصبر والاحتمال << بدلاً من أن يحث الوطن ويهيّج روح المقاومة >> .. ويعود  مينه , في مكان آخر من كتابه المذكور آنفاً, إلى الغمز من قناة أو أهمية فكر تولستوي ودويستويفسكي – وحتى  تورغينف   بالقياس إلى غوركي – انطلاقاً من إدانته لواقعيتهم التي وصفها بالنائحة مقابل واقعية غوركي الرومانتيكية الثورية العمالية !!  يُراجع صفحة 189 من كتاب كيف حملت القلم.

لابد أنّ الانطلاق من نظريات ومواقف محددة = خاصة إذا كانت متشددة أو أحادية الجانب في النظر إلى الأمور = ستبعدنا عن جادة الصواب, أو تدفعنا إلى التزمت, وفي نهاية المطاف سنلغي جهود الآخرين؛ وإلاّ أين سنضع أدب دويستويفسكي العظيم  أكبر خبير في شؤون النفس البشرية العجيبة الغريبة  مقابل جملته التي طالبت الشعب الروسي بالصبر والاحتمال, وماذا سنفعل بملحمة // الحرب والسلام // إذا كان تولستوي قد جنح إلى الجانب المتسامح والمثالي الحالم في  عند  الإنسان ؟!

كيف الحكم على فرجينيا وولف, مبدعة رواية  الأمواج  – وما الذي تعنيه رواية الأمواج في عالم الأدب ؟! – إذا تشبثنا بإحدى دراساتها الأدبية التي تقسم فيها الروائيين إلى ماديين وروحيين, مجاراة لعصرها ولبيئتها الانكَليزية المحافظة كما وصفها  حنا مينه  في صفحة  71  من  كتابه ؟؟   أترك الإجابة على هذه التساؤلات للقراء من أجل الوصول إلى نظرة شمولية وإنسانية سليمة  صحيحة , وإلى رؤية للعالم أقل تطرفاً وحدة بالنسبة إلى المفاهيم والمواقف الأدبية .. بقدر ما نرحب بمسعى  روجيه غارودي  لتوسيع ضفاف الواقعية, وتطوير النظرة الماركسية – اللينينية في الأدب, وعدم الخوف من  تسييب  الواقعية, الأمر الذي لا يميل إليه  مينه  كما كتب في معرض حديثه عن الناقد والمفكر الكبير حسين مروة [ يُراجع صفحة 158 من الكتاب المذكور أعلاه ] .                   أظن أنّ غزارة الإنتاج – التي هي سمة أساسية من سمات أدب  مينه  – لها علاقة سلبية, مباشرة وغير مباشرة في الآن معاَ, ليس في موضوع الإعادة والتكرار فقط, بل في محاولة الإصرار على تأكيد مفاهيم وأفكار أيديولوجية محددة ومسبقة, يريد الكاتب فرضها داخل العمل الروائي كحقائق مطلقة, ملتزماً بمفهوم الواقعية, وبنظرية الانعكاس, كما ظهرت في الأدبيات الكلاسيكية للماركسية اللينينية التقليدية!! إنّ درجة التطابق مع الواقع, والخلط بين الذاتي والموضوعي, ومحاولة عكس التجربة الشخصية وتحويلها إلى نماذج مرسومة  محددة ومحدودة , لا تخدم بالضرورة المفهوم الحديث للأدب, خاصة في جوانبه السردية ذات الاتجاه التخيّلي الذي يحررنا من قيود الواقع ومواضعاته وشروط قوانينه, إن لم أقل يضعف موهبة التخيّل التي هي ركيزة أساسية يحتاجها المبدع ليجيء أدبه فنيّاً ورؤيويّاً .. فن رفيع المستوى, يفوق سذاجة ما هو عادياً وسطحياً .. ما هو مرئي ومبتذل, ربما نصادفه في حياتنا اليومية – بطريقة مكررة – على قارعة الطريق !!

وإذا نجحنا في لفت نظر القارئ الكريم إلى ما كنا قد أشرنا إليه في كل فصل من فصول هذا الكتاب حول غياب أسلوب << تعدد الأصوات >> أو حول موضوعة عملية التكرار والاستفاضة والإسهاب, وإعادة القول, وإعادة المشاهد, والتمسك بالواقعية أُحادية الضفة, ونظرية الانعكاس التقليدية .. إلى آخر هذه القائمة من السلبيات – نكون قد نجحنا في التركيز على نقاط الضعف الأساسية التي أفسدت البناء الفني لمعظم روايات الكاتب  مينه , من دون أن يعني هذا الاستنتاج النقدي أن أدبه ضعيف أو غير فني, بل أنه غير محبوك وغير مكتمل البناء كما هو حال الأعمال الأدبية العالمية الخالدة / النموذجية, أو بعض الانجازات العربية القليلة  المحدودة  .

وكي نكون موضوعيين ومنصفين علينا الآن أن نتحدث عن الجوانب الإيجابية في روايات  حنا مينه  الأخيرة, كما كنا قد تحدثنا عن هذه الجوانب في الفصول السابقة, خاصة في أعماله المميزة [ الثلج يأتي من النافذة + الشمس في يوم غائم + بقايا صور + بعض القصص القصيرة .. الخ ] ليس من أجل الموازنة أو التعادل المطلوب في عملية النقد, بقدر ما هو إعطاء كل ذي حق حقه كما يقال في التعبيرات الأدبية البلاغية, من دون أن نقع في إشكالية التناقض النقدي؛ إذ أن أدب  مينه  هو الذي يحمل الوجهين المتناقضين: الوجه الإيجابي الذي يكاد أن يكون مطلقاً من حيث الأفكار والمواقف – باستثناءات قليلة منها كالموقف الغامض والملتبس من المرأة, إضافة إلى النزوع لتكريس بعض المفاهيم أو التعبيرات اللاهوتية ذات الطابع المسيحي بالدرجة الأولى – والوجه الآخر  السلبي , لكن المحدود في طرق وأساليب البناء الفني. ولذا أعطينا للفصل الأول من هذا الكتاب عنوان (حنّا مينه: بين تقدم المنظور الاجتماعي وإحباط الشكل الفني ).

الجوانب الايجابية في روايات  حنا مينه  الأخيرة

رغم أن الكاتب ركّز في رواياته الأخيرة على الجوانب الذاتية والعلاقات العاطفية والجنسية, خاصة في روايتيّ  النار بين أصابع امرأة + امرأة تجهل أنها امرأة , غير أنهما لا تخلوان من الجوانب الايجابية الكثيرة ضمن توجهاته السياسية والاجتماعية المعروفة. ولذلك اتخذ الكاتب موقفا سياسياً عربياً ثابتاً في التأكيد على عروبة [[ الاسكندرونة ]] باعتبارها قضاء عربياً سليباً كما ورد في صفحة  27   من رواية ( امرأة تجهل أنها امرأة) – منشورات دار الآداب 2009 , وإنّ كان موقفه هذا قد اتسم بالإعلانية المباشرة ولم يأتِ بطريقة فنية ذكية  تُراجع صفحات رقم 47 + 50 . في حين ظهر هذا الموقف السياسي المهم من قضية الاسكندرونة بطريقة إيجابية غير مباشرة في أولى رواياته:  المصابيح الزرق  .

أما في رواية  النار بين أصابع امرأة – دار الآداب 2007  فقد أكد أيضاً على ضرورة استرجاع الأراضي السليبة ومنها  فلسطين والاسكندرونة , إضافة إلى المواقف السياسية الإيجابية التقدمية المعروفة ومنها ما يتعلق بضرورة نهضة الأمة العربية ووحدتها .. مع إعادة لما كان قد كتبه في رواياته السابقة من عدائه للاستعمار الأجنبي, وعدائه للرأسمالية المتوحشة التي تقودها الآن الولايات المتحدة الأمريكية. إلى آخر هذه القائمة من أفكار ومعطيات ومبادئ, وإنّ كنا قد لمسنا ضعفاً فنيّاً في طريقة معالجة هذه المواقف وإدخالها في الرواية بطريقة الإقحام والقسر, كما لو أنها كانت هدفاً لذاتها, بحيث تبدو المقاطع السياسية كما لو كانت مقالات في جريدة وليست جزءاً لا يتجزأ من وحدة بناء الرواية .

أما على صعيد الأفكار والمفاهيم والمواقف, فعلينا أن نسجل هنا موقفاً متقدماً ومتحضراً بالنسبة لمفهوم الأخلاق, إذ أن الكاتب  حنا مينه  يدين تخلف الشرق من ناحية المفاهيم الاجتماعية والأخلاقية, ولا يعتبر الأخلاق الحقيقية قائمة على الأعضاء التناسلية, أو مرتبطة بها ارتباطاً مطلقاً, وإنّ الزنا الحقيقي ليس في الخاتم الذهبي أو الفضي, بل في فساد الأخلاق ذاتها كما ورد في صفحة  117   من رواية ( امرأة تجهل أنها امرأة) .. وكما لمسناه في صفحات عدّة من رواية  النار بين أصابع امرأة .

ولابد أن الأفكار التي يطرحها دكتور << أنداش >> حول تلوث النفس البشرية, ودعوته إلى الحرية الجنسية حدّ الإباحية, أو نزع برقع الحياء ونبذ أشكال التستر, ذكرتني ببعض أفكار وآراء عالم النفس الألماني الأصل  وللهم رايش – يُراجع صفحة  217+ 215 من رواية النار بين أصابع امرأة .

+++++++++++++++++++++++++++++++++++

الصور الشعرية, وقوة الكثافة الشعرية, والبلاغة اللغوية, والاستشهاد بالأبيات أو المقاطع الشعرية الشهيرة  من التراث ومن الإبداع المعاصر , والحِكم والأمثال الشعبية, إضافة إلى الأغاني الجميلة – خاصة أغاني كوكب الشرق السيدة أم كلثوم – كلها من العناصر الايجابية ومراكز القوة في أدب  حنا مينه  التي أشرنا إليها مراراً في الفصول السابقة من الكتاب, والتي يعيد تأكيدها الكاتب في رواياته الأخيرة أيضاً  ص  60 من رواية امرأة تجهل أنها امرأة , وإنّ كنا سجلنا عليه ظاهرة الإفراط في التكرار, وإعادة القول, خاصة فيما يتعلق باستعاراته التراثية عامة, والمفاهيم أو الأفكار أو النصوص ذات الطابع الديني المسيحي خاصة . ومن الواجب أن نعيد, هنا, التذكير بإشارة الدكتورة  نجاح العطار  إلى اللغة الشاعرية التي ميزت بقايا صور  منشورات وزارة الثقافة السورية / 1975 , إضافة إلى تلمسنا الصور الشعرية والأدبية الجميلة في تلك البقايا, خاصة في صفحة  57 , من دون إغفال صور الإنسانية المعذّبة وجور التقاليد الاجتماعية كما ظهر في صفحات مثل رقم  108  وصور ظلم الإنسان لأخيه الإنسان  ص 138 …. وكنا قد أشرنا في الفصل الخاص عن رواية << الثلج يأتي من النافذة / 1969 >> إلى الصور الشعرية البديعة في بعض صفحات تلك الرواية .

لنا كذلك في صفحة 60   وما بعدها من رواية {{ امرأة تجهل أنها امرأة مثال طيب على قوة الإنشاء والتركيب, إذ ينجح الكاتب في رسم صور تفصيلية بديعة, كما لو أنه يستعير من الفنون المجاورة  خاصة الشعر والرسم ؛ ولهذا نذكّر بمقدرة  مينه  الأدبية على الوصف والرسم بالكلمات, وما انتبه إليه الناقد العراقي الدكتور  قيس كاظم الجنابي  إلى اهتمامات  حنا مينه  في رواية ( الشراع والعاصفة ) في بناء المشهد الوصفي .. المشهد الوصفي الذي بلغ به ذروة الأسلوب الشعري في بعض صفحات رواية الدّقل [ تعود طبعتها الأولى إلى عام 1982 ] .. الأسلوب الشعري الذي عجزنا عن التعبير عن روعته ودرجة فنيته العالية !!

وكجزء من الجوانب الايجابية في أدب  مينه  فإن رواية  النار بين أصابع امرأة  لا تخلو من التفاتات ذكية كما في نهاية صفحة  84 , أو آراء سديدة  ص 63 , وكشوفات جريئة  ص 89  حتى وإنّ كانت إباحية الطابع .. وكشوفات نفسية وطبية كما في صفحات مثل  111 + 187 , وإنّ كان بعضها ربما مقتبس من أقوال مشاهير علماء النفس أو كتب فلسفية ونفسية!!