جاري الكندي .. خفقات ونفحات وجدانية بحب الوطن
صباح محسن كاظم
ثمة عشق للوطن ،كلما إبتعدنا من آتون حرائقه ، إلى جنائن الغربة بالهجرة ، فعند المسافات البعيدة يزداد حرقة الأشواق ولهفة الحنين للوطن الجريح ،بالرغم من محنته المزمنة ،وفجائعة التي تترى ،وخساراته الدائمة ،بسبب الحروب ،ولصوص السياسة.. وتلك التصدعات ،والهجرات ،والإنكسارات ،والإحباطات، والنكوص يبقى للعراق حب عند من عشق ترابه وإرتوى من عذوبة الفراتين ، فقد وظف الشاعر المغترب “كريم الزيدي” تلك الأزمات في ديوانه (جاري الكندي) الصادر عن دار الروسم 2016 بـ108 صفحات حالة الإغتراب إلى دنو وإندكاك بهم الوطن ،فهو الذاكرة ،وهو التراب المقدس ،وحكايا الصبا،ونزوات الشباب،والوطن والأصدقاء ،والمدينة والعشاق ،و الراحلون بلا وداع ، يتجلى بتلك النصوص التي تمثل همه الذاتي ببعده بغربته ،وتمثل الهم الجمعي الذي يكتوي به شعبنا بزمن الدكتاتورية والحرب والحصار ،وفي يومنا هذا زمن الرعب ..والعنف ..واللصوص .. كتب تلك النصوص بلغة مُعبرة مُوجزة بليغة ،ونصوص إيحائية تحيل إلى مقاصدها ودلالاتها المتوخاة في تناول الموضوعات ،وصور شعرية متدفقة ، بين الجملة الشعرية القصيرة ،وتكرار الأفعال ،والإنثيالات الروحية العابقة بلمسات جمالية من روح الشاعر “الزيدي ” تتأطر أنساق تلك النصوص كوحدة مضمون يجمع بينها حب الوطن ،وذكرى الأحبة والمدينة ، نصوص تتعشق بالناصرية والمكان رغم الإغتراب المكاني للشاعر ذاته ، إبتعد بتدوينها عن التهويمات أو اللغة الجافة المتعالية والعصية عن الفهم ،والنصوص المرتبكة الي تعبر عن غربتها بنمط كتابي يسعى له -البعض- بإدعاء المغايرة والإختلاف عن السائد ،وأقول هنا : مافائدة النص المقعر بلغته ،والذي يعتمد الحذلقة ،والتضاد مع الذائقة الشعرية ،و نغمة الأذن السماعية ،بالطبع الشعر إنزياح.. وصورة ..وتأويل ..ومعنى فإذا أتقن الشاعر صنعته أجاد برسالته .لذا أرى نصوص “الزيدي” مستلة من هم الوطن ..وألم فقد الأحبة ..ونصوص تدين الإرهاب بكافة أشكاله .
يبدأ بإثارة السؤال ص13:
هل من منقذ؟
الفجر في العراق يضع رقبته
في انشوطة حبل المنشقة
وهذه الأسئلة التي تمور في الواقع العراقي ،بالبحث عن مخرج لعنق الزجاجة ،بعد أن دب اليأس ،من الإنفراج ،فقد أصاب الإحباط أبناء الوطن ، لكن لابد للشمس من سطوع ،ولابد من الغبش أن يلوح في الآفاق ،سنن الكون بالإنفراج فبعد العسر اليسر ،وكلما تزداد الحلقات إختناقاً تبقى كوة الأمل مشرعة على نوافذ الحرية ..ويُعبر عن جليد الوحشة بالغربة عن ارض الوطن الممحتن ص 14 ملاذ:
رذاذ الثلج البعيد ،يتجول في الحدائق
يضع نظارات سوداء، ويكتب رسالة سريعة
ابق ايها الجليد بساطا ابيض
تنام في حدائق تورنتو
وتحلم بشمس آب اللهاب
تأتيك من البصرة ،اقول انت ملاذي
تعالي اشعلي غابات ندية
كما في نصه الآخر (صوت) (جنون ) (كركرة ) ((حلم) (نعيم عبد مهلهل ) ونصوص أخرى في ديوان “جاري الكندي ” تعبق بالمحبة للمكان والذكريات ،تجد شهقات الروح بالغربة عن مراتع الصبا، والطفولة ، والنضوج ،والاماكن التي تآلف وآلفها “كريم الزيدي ” الذي لايمكن له إستبدالها ،بكل تفاصيلها.. ..؛
نعيم عبد مهلهل
يانعيم ابن مهلهل، عويل الالهة في الناصرية
اسمعها الان في حدائق الغرام السومرية
احدهم حينما احب امرأة سوف تكون
على صهوة جوادي لامفر
شارع
من يعطيني شارع الحبوبي في الناصرية
اعطيه شارعا اسمه يانك
يمتد من كندا حتى امريكا
وفي هذا الإغتراب بين كندا والوطن خيط الحنين الحزين بفقد الأصدقاء ،تطفو مساحات الألم عند رثاء عديد من المبدعين “حسين عبد اللطيف ” ” عبد الستار ناصر ” و الفقيدة “وجدان خريش “شقيقة القاص والمترجم الراحل “محسن الخفاجي” ،رحيل مبكر ،بسبب معاناة المرض ،وتخلفنا الطبي عن العالم ، رثاء ب4 بمفاصل ومقاطع مؤلمة :
1
أيتها الغصن ،أيتها الشجرة
من يأخذ عصفورا ضاع في السماء
من يأخذ شجرة عاشقة تذبل لفراق حبيبها
من يأخذ غيوما تشكو من عاشق مطر يبكي عليها
من يأخذ وجدان خريش
لقبر تحوم عليه فراشات
تهمس لها أرقدي أيتها الأميرة
ثمة كوخ
أما نصه المجزأ إلى مقاطع –جاري الكندي- فهو لوحة فنية فائقة الجمال والبهاء بالفيكرات ..والإلتفاتات ..والإنتقالات ..لما يجري في ساحتنا المحلية والخارجية ،الإستبداد –الفقر- الإرهاب ..وضياعنا وسط الخراب ..نص متماسك ويُعبر عن الواقع المأساوي والرعب لجاره الكندي من الإرهاب وخشيته من كل مهاجر يحمل جسده مفخخاً بعد أن صوّر الإعلام الغربي بأن كل المسلمين هم من الإرهابيين !!؟ بعد أن شوّه القتلة من الإرهابيين أعظم دين الذي يدعو البشرية للمحبة والسلام .اخترت المقطع 2 من هذا النص الغرائبي والحواري بين الكندي والعربي والذي يقترب من حقيقة مايحدث بكل أسف ..
اليوم صباحاً
طرق الباب
قال جاري الكندي
لاتقل بلغتك
لي
السلام عليكم
قلت
ماذا حدث ياجار ؟
قال
رأيت في التلفاز
أحدهم
يقول السلام عليكم
ويفجّر
حزاماً
ناسفاً.























