مسرحية خدملك.. فلسفة بناء العرض.. تفسير وتأويل التلقي

مسرحية خدملك.. فلسفة بناء العرض.. تفسير وتأويل التلقي

حيدر الاسدي

قدم قسم الفنون المسرحية في كلية الفنون الجميلة بجامعة البصرة مسرحية (خدملك) من تأليف واخراج الدكتور ماهر الكتيباني حيث تشتغل المسرحية ضمن مشروع مسرح اللا توقع الحركي القصير للدكتور ماهر الكتيباني…قدم لنا الكتيباني رؤية مغايرة للوجود ولذات الانسان ازاء (موضوعية العقل الجمعي ) تلك الموضوعية التي تسعى لقولبة الانسان ليكون ( لا احد) ، حتى وان تسامت سلوكيات هذا الفرد عبر حركية تقنن الحياة ،لتكن مرسلات الغير هي الانا ..انا الفرد ( لا احد) وان كانت لنا هوية متعالقة مع الاخر!!!فاصبح كل ما يقنن وجودية ذات الفرد ازاء العالم هي محطمة ومحط وهم…انها رؤية للوجود بصورة مختلفة تكمن بعدم الاهتمام لمثل هذا الوجود الذي يخلق انماطاً متشابهة …انماط الاخر…بتفرعاته التي تمثل صوتنا …حتى ان الاشارة الدلالية التي ارسلها لنا مؤلف النص في اصطلاح مشكلة العرض ، ونفي التسمية عن ابطال العرض بـ لا احد مع ترقيم ذات الممثل تدل على احالة مجتمعية ناقمة من هذا التنميط وساخرة منه وهازئة بقيم تنميط الفرد وقولبته ضمن الاطارية المحددة وهو ما كان يومئ له بضرباته الحوارية (اقلع) التي تدل على الانتقال من والى ، وهذا ما يصطلح عليه بالتغيير الثائر في بنية العرض ضد القولبة والتنميط. والعرض بصراحة كان يعتمد على المتلقي وحجم ذائقة المتلقي الجمالية لاستيعاب هكذا مسرح يخاطب الذهن وكل حركاته ذات دلالة كما ان ازياءه وقطعه الديكورية كلها تشتعل بذات الاطار وبالتالي تحتاج متلقي واعي يمتلك ذائقة جمالية مدربة تماماً لاستيعاب تلك المفاهيم والدلالات المطروحة في العرض المسرحي الذي يحتوي على ملامح فلسفية تثير اسئلة تتوالد وتضع مهمة الاجابات على المتلقي لانها اسئلة مفتوحة تماماً ان افلتت من قبضة المتلقي ضاعت عليه سلسلة بناء فكرة العرض المسرحي واكتفى بالاستمتاع بجمالية الحركة وتعابير وجوه الممثلين التي تشتغل بدلالية عالية في عرض خدملك ، بصراحة العرض يحتاج وقفة طويلة للقراءة والتحليل لان كل مفصل فيه يحتاج الى وقفة بدءا من النص الى الديكور والازياء والاداء الحركي المميز للممثلين ودلالات تلك الحركات وصولاً لرؤية المخرج مؤلف نص العرض. الذي يسعى لتحطيم الاوهام القارئ لدى الفرد بصورة فانتازية سعياً لتحطيمها وبناء رؤية اخرى وان كانت تلك الرؤية لا ترسم ملامحها سوى انطلاقا من صورة الفرد الانوية.

مسرح قائم

ان هذا الشكل من المسرح قائم على محددات عدة ، اولهما فكرة النص (الفلسفية ) التي تنبني عليها ثيمة العرض المسرحي ومع هذه الثيمة نحتاج الى ممثل متمكن لتجسيد فكرة النص ومنها الالقاء المتقن لانه مسرح قائم على تراشق حواري دقيق، وتحتاج الى ممثل يتمكن من تجسيد الرؤية الاخراجية لمؤلف نص العرض بدقة عالية بخاصة في مسألة التحرك عبر جغرافيا الخشبة ، وربما الكتيباني كان محظوظاً بوجود الفنان ماهر منثر والدكتور مناف حسين وربما اداء الممثلة سجى ياسر كان بطيئاً بعض الشيء نظراً لتسارع فكرة العرض وعدم لحاقها بركب الايقاع المستمر لفكرة النص ونص العرض المسرحي ، بخاصة ان عرض مسرحية خدملك قائم على تحطيم افق التلقي العادي بتلقي جمالي جديد قائم على وخزات مستمرة وضربات حوارية كبنى متلاحمة مع الحركة والضوء والموسيقى لخلق كلية العرض المسرحي بتمفصلاته كافة ، ان الكتيباني ينطلق من خصوصية الموضوع ويفلسفه من حيث التأليف وانبناء معمارية الديكور المتلاحم هو الاخر مع حركية الممثلين تلك الحركية التي لا تاخذ المسرح بالطول والعرض وانما هي حركات قصيرة تتساوق مع الحوارات القصيرة خالقة طاقة كبيرة في فضاء المسرح ، كما تؤشر كلية العرض المسرحي (خدملك) عن مرجعيات واضحة مستلة من مفاهيم مسرح اللا معقول وذلك عبر بث الكم الهائل من مقولات اللا جدوى المتفشية على طول العرض المسرحي.ولان هكذا مسرح يتسم برؤى فلسفية وجمالية عالية كنت اتمنى ان تكون قاعة العرض نخبوية في العروض الاولى لمسرح اللا توقع الحركي القصير.نظراً لانه يحتاج ذائقة جمالية عالية كما اشرت وربما عدم فهم المتلقي لهكذا شكل من المسرح ينضوي تحت طائلة اساءة فهم المسرح ورسالته.هذا امر والامر الاخر الذي يطرح هو ماهية هذا المسرح وبخاصة مسرحية خدملك وتحت أي لواء تنضوي وتضم ، هل هي مسرحية مذاهب مثلاً؟ ام هو مسرح تجريبي ما بعد حداثوي قائم على التجريب ، اعتقد ان الامر الثاني ادق كون نص عرض خدملك لم يلتزم بمعايير المذاهب والتوجهات السالفة التي تجنس وتنمط الاشكال والانواع المسرحية تحت بندٍ ما بل سعى الكتيباني ولازال الى التجريب وتقدم رؤاه للحياة ومفاصلها من خلال المسرح وهذا ما فعله بالضبط في مسرحية خدملك ، فهو لم يؤسس لثوابت حياتية بل هو قدم رؤاه لتلك الثوابت او حتى المتغيرات وفق رؤية خاصة به كمؤلف ومخرج للعرض.فهل تستوعب جماليات المسرح التجريب على مستوى الرؤية الفلسفية للحياة ؟ انه بالضبط ما فعله المسرح وما ميزه عن غيره من الفنون والاشكال التعبيرية الاخرى. ولكن كما اشرنا ان مسرحية خدملك تحتاج الى متلقي واعي اولا لتفسير الحوارات وبنى العرض وثانياً لتأويل تلك الاشارات واللمحات الخاصة التي يطلقها مؤلف ومخرج العرض في ثنايا نص عرضه المسرحي والمتسم بقدرة جمالية عالية في البناء والانضباط الايقاعي في كل مفاصل العرض المسرحي.