جعفر الخليلي ذكريات لاتنسى.. مطاردة العصافير في الصغر وملاحقة القصيدة بالكبر

جعفر الخليلي ذكريات لاتنسى.. مطاردة العصافير في الصغر وملاحقة القصيدة بالكبر

رفعت مرهون الصفار

من المعروف ان الموهبة , اي موهبة, وخاصة الموهبة العلمية والادبية تتطور اذا نشأت في البيئة المناسبة لها ويبدي الاحترام والاكبار والاجلال لحامليها .. تلك كانت البيئة النجفية التي احتضنت جعفر الخليلي ومواهبه وقابلياته العلمية والادبية والثقافية تحضرني وانا اكتب عن الاديب جعفر الخليلي مواقف صلة به وباشخاص عائلتنا , اراني امر عليها باكبار له , وتلذذ بذكراه .

فعند وفاة المرحوم والدي بادر الاستاذ الخليلي بالاتصال بدار الاذاعه العراقية للاعلان عن النبأ مع كلمات مواساة واشادة بالفقيد واورد الخليلي صديق العائله في كتاب ( اولاد الخليلي) قصة زواج اخي محمد بكلمات محبة وعطف على (اولاده).

واذكر انني يوم زرت الاستاذ الخليلي سويا مع شقيقتي د.ابتسام

حينما كانت طالبة في المرحله الثانيه كليه الاداب ..

 قال لها في معرض الحديث : اذا كنت تودين ان تصبحي عالمة وادبية مثقفة فعند ابتداء مطالعتك لاي كتاب لا تعبئي باسم الكاتب فتنتصرين له اولا تتعاطفين معه بل كوني محايده في رايك دونما انحيازات قومية او دينيه او طائفية ..

وبهذه المناسبة اود ان اذكر انه سمى ابنتة الثانية (ابتسام) على اسم شقيقتي ابتسام

ان الاستاذ الخليلي يهوى لعبة الشطرنج وهو يمتلك طاولة شطرنج ومن طرائفه في اللعب ان فرس الشطرنج عنده تقابل وزراء..

الاعلام المتميزون متعددوا المواهب والادباء العباقرة هم الذين يحملونك على ان تتحسس باحاسيسهم وتتلذذ بلذائذهم وتجوب الدنيا كلها برفقتهم وانت في مكانك , وهذا ما تحسه وانت تقرا كتب الخليلي .. فانت ترافقه بروحك وخيالك في اي جهة اتجه او اي بقعة حل فتارة تجد نفسك تجوب ازقة النجف وتارة في محافظة البلد الاخرى او تعيش في مصايف لبنان او في المهجر او تكون معه عندما كان معهم في السجن او غيرها من الكتب التي تجوب بها معه وان كتاباته تصدر من القلب فتفرح لفرحه وتحزن لحزنه لان له ملكة واسعة في الادب .. وكانت هذه هي الدوافع والاسباب التي حفزتني الى اختيار شخصية المرحوم جعفر الخليلي والتعريف بمعالم شخصيته المتنوعة المتنورة فكريا وثقافيا . ان هذه المعالم بقيت راسخة في ذهني منذ حداثتي عند حضوره المجلس الادبي الذي كان يعقد في دارنا في النجف الاشرف ليلة الجمعة من كل اسبوع او عند مرافقتي لوالدي عند زيارته جريدة الهاتف في النجف او ماكان يحدثني به والدي عن الخليلي او ما قراته من مؤلفاته ..

وانا هنا لا اسجل تاريخ حياة الخليلي بل ادون بعد مااحتفظت به الذاكرة ولو كان المقصود  ترجمة حياة الخليلي لكان يجب علي ان ابحث في مصادر كثيرة .. ويمكن عد مؤلفات الخليلي مراجعة للباحثين من طلاب الجامعة او المؤلفين الذين يعنيهم تاريخ الصحافة والصحفيين والقصة والقصاصين او تاريخ العتبات المقدسه او تاريخ التمور في العراق وغيرها .

ولادته :   ولد جعفر الخليلي عام 1904 وقد ارخ ولادته الشيخ حسين العاملي  ..

عوذت مولودا اتى        لشيخنا الشيخ اسد

من كل كيد كايد        وحاسدا اذا حسد يافرحة ماجاءنا      بمثلها قبل احد

ان قيل من ارخ (انا الشبل من ذلك الاسد)  1322هــ

ولد الخليلي في مدينة النجف الاشرف المدينة التي لا اراني بحاجة الى التعريف بها ولكن يمكن ان اتمثل بما كتبه ( لونكريك عنها وهي كتابة محايدة من باحث اوربي ).. ( تعد النجف مركزا للثقافة الشيعية والتعليم في العالم الاسلامي كله وقد ساعدت خلال الازمات السياسية التي حصلت في الحقبة التي نالت فيها البلاد استقلالها بعد الحرب العالمية الاولى على تلقين طلبتها الروح الوطنية الحديثة والروح القوميه التي تؤكد التمسك بالتراث العربي المعروف وقد افرزت هذه المدرسة العربية الحديثة شعرا متشبعا بالروح الوطنية السامية ) ثم تحدث لونكريك عن حركات التجديد في الفكر والادب التي شهدها المثقفون في النجف قائلا ان الاتجاهات الادبية القديمة الموجودة في النجف وبغداد لم تعد مسيطرة على لب الشعراء والكتاب الشبان،لان الطبقات المتعلمة اخذت تتعرض بازدياد الى الاراء والافكار الجديدة التي جاءت بها اليهم من اوربا واميركا بصورة مباشرة او غير مباشرة عن طريق السبل المتدفق على البلاد من الكتب والنشرات المطبوعة في مصر ولبنان امثال (المقطم المؤيد، الهلال، المقتطف، القبس، العروة الوثقى، العرفان، الزهور، البلاغ اللبناني).

نشأ الخليلي في عائلة اشتهرت منذ القدم بالطب العربي والعلوم والادب والدين ونبغ غير واحد منهم بلطب  العربي وكان اخرهم الشيخ محمد صادق الخليلي والشيخ محمد صالح الخليلي، كذلك تولى اكثر من واحدا المرجعية الكبرى للزعامة الروحية الشيعية منهم الحاج علي الخليلي والحاج مرزه حسين الخليلي. لعائلة الخيلي مدرستان (مدرسة الخليلي الكبرى , مدرسة الخليلي الصغرى ) تحتوي كل منهما عدد غير قليل من الغرف المعدة لسكنى طلاب العلم مجانا، وفي كل مدرسة مكتبة كبيرة موقوفة على طلابها كما ان لعائلة الخليلي مسجدا اشتهر باسمهم في النجف لقد وصف الخليلي باسلوبه القصصي الجميل نشأته الاولى ووصف منزله والغرفة التي خصصت له فيقول عنها ( اما انا فكنت انام في ركن ملحق بغرفة ابوي من الممكن ان تسمى تجاوزا بالغرفة ) اما اسمها المتعارف وهو(صندوق خانه) وكانت له باب على غرفة ابويه وباب مستقل على الخارج وهي لاتتسع لغير منام شخص وصندوق كان مليئا بالثياب ومدخرات الاهل ..

كان الخليلي يسلي نفسه في صغره بمطاردة العصافير في اعشاشها كما اختير زعيما لعصابة من ابناء الحي في النجف حيث كانت معارك متقطعة بين جماعات من الشباب في الاحياء المختلفه للمدينة واستمرت شجاعته ايام شبابه حتى اواخر ايامه حين امسك باللص الذي كان يروم السطو على داره في كرادة مريم في بغداد..

وكما ذكرت فان الخليلي نشأ في بيت علم وادب وطب وكان والده  كما كتب عنه الشيخ جعفر المحبوبة في (ماضي النجف وحاضرها ) الشيخ اسد ابن الولي علي ابن الخليل الطبيب المشهور في طب والجراحة القلبيه والحزم والاقدام وله عمليات ناجحة ومشهورة .. ادركته وهو شيخ يحفظ النكته ويستشهد في الادب لاتفوته النكته والنادرة ولم تغب عنه الطرفة ..

كان والده متضلعا من العلوم الادبية واللغوية والفقه الى جانب خبرته الواسعة بعلم الفلك والمنطق واداب اللغتين العربية والفارسية كما كان مقالا في الشعر كانت له مكتبة انتقلت الى ولده جعفر بعد وفاته واضحت نواة لمكتبة كبيرة اضطر الى بيعها عام 1937  لتلافي ازمة مالية كان يعانيها حين كان يصدر جريدة الهاتف وينفق عليها دون عائدا يذكر .. تلقى تعليمه المبكر في سنة الرابعة من عمره في كتاب لقراءة القران ثم دخل المدرسة العلوية الاهلية والتي تعد وسطا بين الابتدائية والثانوية وتعلم فيها اللغات الانكليزية والفرنسية والفارسية ولأنه لم يستمر في ممارسة اللغتين الانكليزية والفرنسية بقيت الفارسية فقط . لذا كان من الكاتبين بها والمترجمين منها واليها لكنه لم ينهي الدراسة فيها اذ اغلقت المدرسة نظرا للضائقة المالية التي عانتها والتي تزامنت مع الحرب العالمية الاولى لذا كان عليه ان يعلم نفسه بنفسه وهو يعزو الى والده واخيه عباس وضع الاساس الجوهري للغته العربية ونشأته تنشئة ادبية اذا كان اخوه عباس يحث على قراءة كتب معينة ومجلات كانت ترده من خارج العراق وقد ساعدته هذه على تفتح الذهن كما انه حفظ شيئا من طرائف الادب والشعر فاصبحت له قابلة ادبية منذ صغره .. كان الخليلي من طليعة الشباب الذين اتسعت معارفهم فاتصلوا بالعالم الخارجي وتتبعوا حركته الثقافية ويقول الخليلي مشيرا الى هذه الطليعة كان يربط بيننا الادب والدعابة والتحرر والدعوة الى التجديد على قدر مايستوعبه شباب مثلنا حتى انني قمت باصدار اعداد غير قليلة من جريدة خطية تضمنت الشيء الكثير من افكارنا وامالنا وادبا في ذلك اليوم والتي كانت النواة الاولى للجريدة الخطية التي اصدرتها وانا ازاول التعليم في الحلة ثم النواة الاساسية لمزاولة الصحافة بعد ذلك ..

وكما ذكرنا سابقا كان الخليلي استاذا ادبيا .. كاتبا .. خصيب الذهن نافذ البصيرة .. حافظ البديهة . ذرب اللسان ..سمح الطبع .. رقيق الشمائل .. كريما . متواضعا .. وفيا .. يكره كل انواع التعصب .. كان يلقاك فتأنس الى حضوره .. ويغيب عنك فتشتاق الى لقائه وهو يمتلك الى جانب ملكته الادبية ملكة التحدث فلا احسب مستمعا للخليلي مل حديثه او سئم امثلته التي ينتزعها من الواقع فيأتي بها شواهد لما يقول سلسلة وحكايات تجعل السامع اذانا صاغية ..

والى هذه الملكات يعزى انجذاب الكثير من مختلف الطبقات اليه

ولم تقتصر صفات الخليلي الى الادب والشعر وانما كان يعرف بالظرف وبراعة النكته ولا يفوته ايرادها حتى على نفسه فيتحول مجلسه الى مرح متواصل ليس لكثرة ما يرويها من الشواهد والامثله ولا لطول باعة في الادب والقصة والشعر , وانما للمقالب التي كان يحوكها وهناك شواهد كثيرة على ذلك فمن النكات العارضة والدالة على سرعة البديهة مانشرته جريدة الايام العراقية (قيل للاستاذ جعفر الخليلي انك ابو الصحافة فقال انا ابوها حين يريدون شتمها ولعنها – لعن الله ابا الصحافة – اما قصورها وسياراتها فليس لي منها شيء ) ونشرت جريده الزمان على لسان الخليلي قوله – وهو يشكو داء النقرس ( النقرس يسميه العرب داء الملوك ) قائلا ( لست ادري لماذا ليس لي من الملوك الا مرضهم).

اما رفاههم وهناؤهم فلهم وحدهم دون غيرهم.. كتب الخليلي في الجزء الثاني من كتابه ( هكذا عرفتهم ) هذه الطرفة : وضلت امنية التقائي بنظير زيتون زمن طويل دون ان يكتب لي التوفيق لتحقيقها على قرب حمص من بغداد وعلى كثرة زيارتي سوريا ولبنان.

 وفي صيف 1966 كنت في بيروت وقد اتخذت من مكتب السيد محمود صفي الدين صاحب دار بيروت لتغيبه في اوربا واذا بشخصين يدخلان المكتب وقد نم سيماؤهما على انهما وجهان كريمان وشخصيتان محترمتان وقد تقدم احدهما بنصف خطوة عن الثاني  وقد ضنني خليفة السيد محمود صفي الدين بدار بيروت او اني وكيله او احد موظفي مكتبه وقدم الي صاحبه قائلا انه الاديب الشهير نظير زيتون وبدل ان اشهق شهقة الفرح الذي حقق الله امنيته اذ اعطاه الدنيا برمتها هذا الالتقاء تماسكت وتجاهلت الامر فلقد لذ لي في تلك الساعه ان امزح وسالت الرجل الذي قدم لي زيتون وما هو عمل الرجل قال انه الاديب الكبير وقد طبقت شهرته دنيا العروبة والاوساط الادبية فكيف تجهله ولا تعرف اسمه؟ وتمالكت نفسي وقلت له وحضرتك من تكون ؟ فقال انا محمد علي الطاهر .. يا لله ما اعجب ماتفعل الاقدار وتجيء بها المصادفات فهذا رجل اخر من رجلات الكبار المحبوبين الذي طالما تمنيت ان اراهم وطالما فكرت في السعادة التي ستغمرني اذا ماكتب لي ان احظى بلقاء احدهم فانا اعرف الاستاذ الطاهر منذ زمن بعيد . منذ ان كان يصدر جريدة الشورى وكانت تصل الي بطريق المبادله مع جريدة الراعي ثم لم اعدم الرسائل التي تجعلني اعرف هذا المجاهد الكبير والوجه العربي المشرق بفضائله وايمانه وتضحياته , يا لله ماتفعل المصادفات كيف جمعت بين هاتين النعمتين وانزلتهما علي كما تنزل الرحمه من السماء وكنت اثب من الفرح ولكني تمالكت نفسي كما قلت وعدت الى ماعرفت به من الدعابة وتظاهرت بجهلي الرجل وقلت : ماهو عملك انت ؟ ويظهر ان الاستاذ الطاهر ضيق الصدر شديد الغضب فقد برم وسئم وظن ان الجالس وراء المكتب والذي استخلفه السيد محمود في محله اقرب الى السوقة منهم الى اهل الثقافة فكرر قوله وبشيء من العصبية والحملقه قائلا : انا محمد علي الطاهر وقلت ولكن الم تقل انك زيتون ؟؟ قال لقد قلت لك ان صاحبي هذا هو نظير زيتون ولم اقل لك انا نظير زيتون .. قلت لا فرق فلتكن انت الزيتون او هو ثم عدت مرة اخرى للتباله وكان قد ضاق صدر ابي الحسن الطاهر اكثر ولم اعلم يومها انه اذا ضاق صدره فلن تكون العائبه حسنه لقد عدت اسئله اذا فمن يكون صاحبك هذا ؟؟ قال وقد بدأ على وجهه الامتعاض لقد قلت لك انه الاديب نظير زيتون فاذا كنت لم تسمع به ولم تعرفه فما الذي استطيع ان افعل انا والمهم ان تعلم ان للاستاذ نظير زيتون مجموعة كاملة من كتب لسان العرب هنا بدار بيروت وقد جئت به ليتسلمها فهل ستسلمها له ام لا ؟؟ قلها مرة واحدة ( وبعد ان جلس الطاهر وجيء بهما بالمرطبات نفد صبري فقمت من وراء المكتب وتقدمت اليهما وقلت والان جاء دوري لتعريف نفسي لكما فانا فلان، وقفزا في وجهي وتعانقنا طويلا فضحكنا طويلا).

الطرفه الثانية : ( دكتور مصطفى جواد نسيج وحده في البحث والعلم والادب وان ملكاته في التحقيق كانت موضع اعجاب الجميع فهو موسوعة ودائره معارف متنقلة اذ كان عالما بمفردات اللغة العربية وعلومها متضلعا من لهجاتها الخاصة وقد استغل الخليلي هذه المعرفة  فاتفق مع الشاعر الشعبي الساخر حسين قسام الذي عرف عنه بقدرته اللغوية ايضا وباستطاعته ان ينظم الشعر بسرعة وبكلمات وجمل تبدو لك عربية ولكن لا اصول لها في اللغة الدارجة او المعاجم اذ تنطلي معانيها على السامعين فضلا عن انه نسيج وحده في تمثيل الادوار الفكاهية وظرف ونسج الاحاديث والنكات اتفق الخليلي مع هذا الشاعر ان يحضر الى سينما الوطني حيث يحضر الدكتور مصطفى جواد عصر كل يوم الى ادارة السينما ثم يدعي انه بنى سينما في مدينة الشنافية وانه جاء ليشتري افلاما ويستمر في كلامه الذي ذكرناه سابقا غير المفهوم عدا المقدمة– شراء افلام مما دعا الخليلي ان ينبه حسين قسام بان الاجدر به ان يخاطب الجالس بقربه وهو الاستاذ الدكتور مصطفى جواد لكونه عالما لغويا ومتضلعا من اقرب اللغات من الممكن ان يتفهم مطلبه عند ذلك اتجه القسام الى دكتور مصطفى مكررا الطلب معيدا الكلام الذي لا معنى له مضيفا له كلاما مطولا فما كان من الدكتور مصطفى الا ان يطلب منه التسهل وان يعيد قوله فاعاد ثانية وثالثة ورابعة دون ان يفهم الدكتور او اي من الموجودين شيئا وبعد مضي على مايزيد ربع ساعة على هذا المنوال ضحك الخليلي والقسام وعرف الدكتور مصطفى بالشاعر فكانت مداعبة استلطفها الحضور وعلى راسهم الدكتور مصطفى جواد .. ومثلما كان المرحوم الخليلي يحوك النكات والمقالب على غيره فقد كان يتقبل نكات الاخرين ومقالبهم بصدر رحب . فقد اقامت جريدة الهاتف مسابقة شعرية مدارها استعمال كلمة (كلك) في موال والجائزة اشتراك في جريدة الهاتف لمدة سنة مجانا وقد اشترك فيها شعراء شعبييون كثيرون من النجف وخارجها . وفي اثناء الحفل الذي اقامته جريدة الهاتف لاعلان اسم الفائز اتضح انه والدي الشاعر مرهون الصفار .. عندها وقف والدى مبتسما “شاكرا” للهاتف هذه البادرة وللجنة التي اختارته قائلا : لعل الخليلي اراد ان يضرب عصفورين بحجر واحدر , فهو اولا اراد تكريمي وانا صديق عزيز عليه وثانيا ان جريدة الهاتف تصلني مجانا بغض النظر عن فوزى بالمسابقة او عدمه .. هنا قام الخليلي ضاحكا ومهنئا والدي مؤكدا له انه كان جديرا بالفوز بالمسابقة بين ضحك المجتمعين وتعليقاتهم ثم قال ان اللجنة تألفت من الشيخ محمد علي اليعقوبي والسيد محمود الحبوبي والاستاذ صالح الجعفري ولا باس ان اذكر الموال :

اهل الحسد واللؤم كل فرد منهم كلك

واحدهم بكل فعل  لب الكلب لكه لك

يبسم ويخفى المكر كصده يعبر كلك

والاعوج اعوج فلايعدل وجاره مله

  والزين ظاهر جلى مايخفه بين المله

  كلبه خله من الدغش ومن المجارم مله والميل وسط البحر لتظن يلحكه كلك ..

عرف الخليلي بتنوع المواهب الادبية من شعر ونثر وقد جرب الشعر في التاسعة من عمره وهو في الصف الرابع الابتدائي وقد وشى به زميل له قائلا للمدرس (ان جعفر يدون في كراسته اشياء لا علاقه لها بالدرس ) ولكن المدرس بعد ان اطلع على الاشعار وبدلا من ان يعاقبه اثنى عليه فشجعه على المضى في تنمية مواهبه الشعرية على ان يزاول العمل في اوقات الفراغ.

اما في النثر فالخليلي شخصية ادبية بارزه في القصة العربية الحديثة في العراق .. فقد اصدر قصة التعساء 1921 وهو في السابعة عشرة ومن اوائل اثاره كراس بعنوان (حبوب الاستقلال) صور فيه الشعب المستعمر الذي يتناول هذه الحبوب لابد ان يصاب باسهال قوي يلقي بمستعمريه الانكليز في البحر . وكل حبة منها مكونة من اجزاء تتالف من العلم والجرأة والاخلاص بنسب معينة وقال ان الصيدليات التي تركب فيها هذه الحبوب هي صيدلية (جعفر ابو التمن-عراق ) (غاندي-الهند)(سعد زغلول-مصر) (ديفاليرا-ايرلندا) وقد صادرتها الحكومة في حينها .

ثم استمر على كتابة القصة وكانت الفجر الصادق ميدان نشر القصة القصيرة . اذ لم يصدر عدد الا احتوى على قصة وهكذا كانت القصة في جريدة الراعي فضلا عن التبويب الادبي الذي شمل جميع انواع الادب من شعر ومن قصه . مقالات وادب تحليلي الى اخره.

رائد القصة

والخليلي اول من كتب القصة في العراق مع انه عد محمود السيد رائد القصه لانه استمر في كتابتها علما ان محمود السيد كتب قصته الاولى بعد قصه التعساء للخليلي بشهور ان كتابه عن القصة العراقية يثبت نظرية مهمة تقرر بان العراق كان مهد القصة من اقدم العصور.. وفي هذه المناسبة عام 1953 اثير نقاش عن القصة العراقية في احد اقسام دار المعلمين العالية (كليه تربيه ابن رشد حاليا) فقد اشار احد الطلاب الى مايكتبه الاستاذ الخليلي من قصص قصيرة لاترقى الى مستويات القصة العالمية وقد انبرى بالرد عليه الاستاذ د.صفاء خلوصي وهو كاتب قصص وروائي (اسمع يابني ان ملكة السرد التي يتمتع بها الخليلي ترقى الى مستوى رفيع لايتميز بها الا قلة من الادباء الكبار(وعن انشغاله بالصحافة يقول المرحوم الخليلي اشتغلت بالصحافة بجريدة الاستقلال التي كان يصدرها عبد الغفور البدري في بغداد عام 1920 وكان مندوبها الخاص في الفرات واشتغل في جريدة العراق لرزوق غنام مندوبا خاصا في الفرات ايضا ففي الوقت الذي كانت فيه جريدة الاستقلال متطرفة في الوطنية كانت جريدة العراق متهمة بتعاونها مع الانكليز وان المس بيل هي التي اشترت المطبعة .. فكيف وفق الخليلي بينهما . يجيب الخليلي عن ذلك بقوله ان مبدأي كان مع الاستقلال ولكن من اجل الادب والتبويب الجيد والتنسيق اراسل العراق , وعندما كنت انشر باسمي الصريح مقالات ادبية اراسل جريدة الاستقلال ولم اكتب شيئا يخالف عقيدتي في عام 1924 وعندما كان الخليلي معلما في مدرسة الحله الابتدائيه الاولى اصدر مع زملائه الاساتذه عبد الرزاق القره غولي _ قاسم العطار – فريد توما – نوري العطار .. جريدة تكتب على الاله الطابعة وتقع في 24  صفحة لم تزد نسخها على 8  نسخ وهي جريدة ادبية بحته .. في عام 1927  شارك مع الاستاذ عبد المولى الطريحي في اصدار مجلة (الحيرة ) في النجف كتب عليها اسمه (المحرر جعفر الخليلي للقسم المدرسي) .. في عام 1930  اصدر الفجر الصادق في النجف وهي جريدة اسبوعيه محضة ولو انها تجاوزت الادب الى السياسه والقضايا العامة وقد عنيت بالمسأله الاقتصاديه اثر المجاعة العراقيه عام 1930 وقد كتب فيها جعفر ابو التمن – ياسين الهاشمي – رؤف الجادرجي – ونظرا لكونه مدرسا انذر لانه لايجوز للموظف ان يصدر جريدة مع العلم انه اصدرها باجازة فاغلقت بعد ان عاشت سنه واحدة .. في عام 1934  اصدر مجلة الراعي (لسان حال اليقظه العربية ) بعد ان اقترض مبلغا من المال من اصدقائه المقربين واستمرت مدة سنة واحدة ايضا ثم اغلقت لانها شاركت في الحركات الاصلاحية التي تزعمها حين ذلك الامام محمد الحسين كاشف الغطاء .. في عام 1935  اصدر جريدة الهاتف الاسبوعيه في النجف ثم انتقلت عام 1948  الى بغداد واغلقت بلمرسوم الذي اغلقت بموجبه الصحف العراقيه جميعا اي انها دامت عشرين سنة دون انقطاع واغقلت عام 1954 … كانت الهاتف ميدان تخرج فيه عدد كبير من الشعراء والكتاب منهم عبد المجيد لطفي – دكتور صفاء خلوصي – ذنون ايوب – المحامي عبد المحسن القصاب – دكتور ابراهيم الوائلي – الشاعر محمد جمال الهاشمي – المحامي ناجي جواد الساعاتي ومرهون الصفار وغيرهم كثيرون ممن اتخذوا الهاتف ميداناُ للمساجلة والكتابه وقد عدت الهاتف التي فتحت صفحاتها بتشجيع كبير لاثار الاديبات والشاعرات من النساء ومن اوائل من كتبن ( دلال صفدي – هناء ريح – زهرة الحر – نعمة القرى ) .. من ميزات الهاتف انها كانت تصدر في كل سنة مجموعة خاصة بالقصة ولما كانت القصة غير معروفة كما ينبغي ان تعرف لذا اعتمدت الترجمة من كل اللغات فضلا عن الوضع فقد كانت تنشر ترجمات من الادب الانكليزي والامريكي والفرنسي والروسي والسويدي .. وقد اصدرت الهاتف عشرين عددا قصصيا طوال العشرين عاما من عمرها وقد عدت الهاتف من اهم الوسائل في انعاش الادب القصصي في العراق .. بعد غلق جريدة الهاتف تحولت ادارتها الى مكتب للنشر والاعلان باسم (دار التعارف للنشر والاعلان ) اذ يقوم بتقديم الاعلان بحلة جميلة شعرية او نثرية .. وكانت الاعلانات تقدم عن طريق التلفزيون والصحافة تحت عنوان (شعار الادب في ركاب التجارة ) وفي هذه الدار استمر انعقاد الندوة الادبية التي كانت تعقد في دار الهاتف مساء الاثنين من كل اسبوع ثم تحولت الى يوم الاحد وكان من روادها دكتور مصطفى جواد – دكتور احمد سوسة- دكتور علي الوردي – صفاء خلوصي – دكتور حسين علي محفوظ – ناجي جواد – مرهون الصفار – عبد المجيد لطفي – دكتور حسين امين – الشيخ كاظم الدجيلي – فؤاد عباس – مير بصري – انور شاؤول – عبد الحميد المحاري – مشكور الاسدي – عبد القادر البراك – يوسف يعقوب مسكوني – صبيح الغافقي – كمال عثمان – عبد الرزاق الهلالي – صادق القاموسي – اكرم الوتري – وحيد الدين بهاء الدين – عبد الغني الخليلي – وغيرهم .. كما كان يتردد على الدار اغلب الادباء العراقيين وكتابها منهم احمد حامد الشربتي وعلي الشرقي و د.عبد المجيد القصاب محمود الحبوبي – عبد الحسين الازري- صالح الجعفري – عبد الرزاق الحسني وغيرهم توفي رحمه الله في  2-2- 1985 في دولة الامارات العربية المتحدة ودفن هناك بناء على وصيته الذي ذكر فيها (يدفن حيث يموت ) خلف ثلاث بنات (فريدة – ابتسام – امتثال ) .. وعسى ان يكون ماذكرته عن المرحوم الخليلي دافعا لمعاصريه وعار في قدره ومنزلته الادبية ان يتحفوا الصحافة والادب بما يحملونه من معارف وشذرات عن هذا الاديب الكبير قد تكون فاتتني وفاتت الكثير من امثالي ليغنوا المكتبه العربية بتراث ادبي لاديب كبير لم يعط حقه من التعريف والتذكير بادبه في مناحي متعدده من الصحافة والقصة والشعر والنثر والتاريخ التي كان من روادها ان لم يكن رائدها الاول علما ان ما كتبته عنه انما هو غيض من فيض عظيم لم يكن من السهولة ان احيط به بمعلومات بسيطة ولكنها تذكرة عسى ان يسهم فيها من يعرف عن الخليلي الشيء الكثير .