محمد الكاظم يعنوّن الأم رمزاً.. النص الكرنفالي يحوّل الشكل إلى مضمون

محمد الكاظم يعنوّن الأم رمزاً.. النص الكرنفالي يحوّل الشكل إلى مضمون

حمدي العطار

في كل بقاع الارض ،الموت هو حصة كبار السن ،أما الحياة والزواج والمتعة والرفاهية والصحة والسعادة هي من حصة الشباب، لا يجب ان يموت الشباب مهما كان الموت مبررا! الشاب يتعلم ويكبر ويتأهل ويعيش ليرعى والديه ويفرحون بزواجه ويمرحون مع احفادهم ، الشاب هو من يدفن امه وابيه ، وليس مثلما يحدث في العراق ، فالاب المنكوب او الام الثكلى تفتش عن جثة ابنها الشاب ، لا تعرف اين تجدها في مقبرة جماعية ،برأس او بدونه، بين أشلاء اللحوم المنتشرة في الانفجار، او تطفو على سطح النهر وعليها اثر طلقة نارية  في مؤخرة الرأس ، أو لاتعلم أن كان ميتا او على قيد الحياة ، مفقودا ،او معتقلا، مجهول المصير.

“محمد الكاظم” يؤسس سياسة ثقافية ،حينما يكتب ،وهي مهمة المثقف ، أذا كان يملك رؤية ثقافية شاملة ،يبحث عن معالجات متنوعة لمشاكل الثقافة ،يقول الكاتب “ما جرى في العراق – وما يجري- هو خميرة لملايين الأعمال الأدبية لو استخدمنا الأدوات المناسبة” محمد الكاظم ، لايكتب النص من اجل الكتابة والتأليف فحسب ، بل هو يبحث عن التأثير ، وعن التغيير عبر الأبداع ،وحينما يفكر المثقف بالتغيير لا بد ان ينعكس هذا النفس على نوعية السرديات التي يسطرها كقصة بنيوية!

 و يكون اهتمام الكاتب بتقديم نص بنيوي عليه ان  لا يحصر الاحداث زمانيا ومكانيا ، ألا أن “محمد الكاظم” في مجموعته القصصية (لا تقولي لأمي أن مير لم يصل) الصادرة من دار الجواهري للنشر والتوزيع سنة  2015 والفائزة  بجائزة الابداع من وزارة الثقافة   2015  استطاع فيها الكاتب أن يصور مجموعة من الاحداث مركزا على الموضوعية التي تجعل المتلقي يحاور الكاتب وينافسه بالدراية والمعرفة ،والمفاجأة لا تكون في نهاية القصة بل في سردية الحدث وبذلك يجير الكاتب هذا التفاعل الايجابي بين المتلقي والمجموعة لتصلح السردية ان تتصف بالعالمية – الكونية ،وتصلح للترجمة لكل اللغات ويطلع عليها القارئ في اي مكان ليقف على المؤامرة الكونية على الشعب العراقي الذي يتعرض الى (الابادة) الجماعية ،كأن الكاتب يصرخ في أذن المتلقي لا تموت ، فأنك تستحق الحياة ،والرفاهية ،والامان، لا أن تكون احلامك مثل احلام ام حسن الحمال (مروحة) تعمل على البطارية وتستجدي الهواء عند انقطاع التيار الكهربائي ! ولا ان يخاف “بشير” من وشاية أصدقائه وهو يصف حماقة النظام المباد حينما حرق النفط الأسود  ليغطي السماء والفضاء بالسواد ،وليحجب الرؤية على الطائرات الامريكية متجاهلا ان تلك الطائرات تستطيع ان تصيب هدفها حتى لو كان تحت سطح الارض او بين الحيطان!ولا ان يكون مصيره مرتبط بحظ عاثر كأنه من جنود سبايكر المغدورين ! ولا يكون زفافه مثل (حسن) فالعروسة تلبس الاسود بدلا من الابيض ،والعريس رأسه حليق لأنه يساق الى الحرب اما هديته  فهي (طابوقه) متمنيا ان تكون حياتهم (بمبي) كما تقول سعاد حسني ، فأذا به يساق من حرب الى حرب لتشيخ الروح قبل الجسد ويصاب بالركود النفسي وعدم الرغبة في المتعة او حتى الكلام بسبب الاعاقة ،،وليرث الابن القسوة وسفك الدماء !!نصوص مدهشة تجعل المتلقي بالرغم من الكم الهائل من الالم الانساني ألا انه لا يقوى على مقاومة قرائتها أكثر من مرة  ،سوف نقف على الاسلوب الذي اختاره الكاتب لتجسيد هذه المفاهيم في تحليل خمس قصص من المجموعة

. 1- “تشابيه ” للساطور و”شيلة ” حميدة

عنوان القصة  الاولى في مجموعة “محمد الكاظم” يمكن  ان يكون رمزا ،وقد يمثل تلخيص لجوهر القصة،ولا يمكن ان يكون عنوانا محايدا،،الكاتب اراد من العنوان ان يمهد الى دموية الحدث من خلال كلمة ((الساطور)) ! مع مصطلح يتعلق بأنحراف تاريخي تلخص في أستشهاد الامام الحسين (ع) وانتقال الحكاية لتكون في ضمير كل شهيد من اجل الحق و الوطن ولتكون استعادة الحدث من خلال (التشابيه) ،وشيلة “حميدة” هي الاخرى رمز للعفة والصبر والشرف ، والشيلة حينما نتكلم عن الموت يتجسد لنا مشهد رمي الشيلة كدليل العجز من أخذ الثار ! وقد رمت احدى امهات شهداء سبايكر شيلتها في وجه رئيس البرلمان العراقي وكأنها تقول (انتم مو زلم ) وتحت العنوان وزيادة في التوكيد ذكر الكاتب هذه الأسطورة (تروي الحكايات القديمة ان طائرا يخرج من رأس القتيل الذي لم يؤخذ بثأره ويستمر بالصراخ حتى يأخذ اهل القتيل بثأره) وحينما نخرج من مأزق تفسير العنوان ،الى الاستهلال ،يكون لدينا مجموعة من المعطيات شخصية الابن المقتول  وأمه (حميدة) وهوية القتله (حرملة) والجنود الذين لقوا مصرعهم وكان مصيرهم الذبح والقتل ،وهناك مجموعة من النماذج البشرية الاجتماعية لهم مهن مختلفة يرون ما شاهدوه في التلفزيون والمذبحة التي صورت بهاتف الموبايل.

قصة جنود سبايكر المغدورن والتي هزت الضمير العراقي ليس لأنهم قتلوا فالجندي في المعركة يكون احتمال موته مرتفع بل لأنهم وبهذا العدد الكبير لم يخوضوا معركة بل دفعوا ثمن – عدم مهنية الجيش وخيانة بعض القادة – (حياتهم) رأس جندي من سبايكر  يروي اصل الحكاية ،بالرغم من  ان الرأس مقطوع،لكنه له عين ترى وتوصف المكان والوجوه والاشياء”في مكان اقصى اليمين هناك احتفال من نوع ما ،رجال متصلبو الوجوه يأكلون لحما مشويا ويلقون بعلب ميرندا وراء ظهورهم ،ويتابعون شاشة تلفاز تبرق في عتمة الليل” وعنده حاسة الشم قوية كانها تحمل ذاكرته في التمييز “استطعت أن أشم رائحة تراب تشرب دمي ودماء اخرى اختلطت على الارض ..اضافة الى عطن جوارب الجنود الذي يرافقني منذ اشهر ” وبحركة درامية تمثل الفلاش باك يقارن الرأس تلك الروائح المزعجة مع رائحة امه حميدة “وحدها رائحة حميدة التي يمتزج فيها هيل وقرنفل واشياء سحرية أخرى هي القادرة على محو رائحة جوارب الجنود التي تداهمني بأستمرار “.

قطع نزاع

“حرملة” اسم ارتبط بقطع نزاع القوم في حادثة الطف حينما رمى السهم على عبد الله الرضيع ،هو الان “يحمل سكينا طويلة ويدور بها بفخر ويلف حول ظهره زنارا اشبه بأحزمة القصابين” لا اجد تفسير لعدم استخدام الكاتب لمصطلح” الساطور” بدلا من “السكين الطويلة” ليكون هناك ربط بين العنوان والسرد! ويكرر الكاتب السكين الطويلة في مواقع اخرى ،حينما يوضح كيف تسرب فلم المذبحة للناس “بهاتف نقال كان أحدهم يصور مشهدا آخر يجري بسرعة قبل حلول الظلام ، أصحاب السكاكين الطويلة يطلقون النار على رؤوس أخرى ويدفعون حامليها الى ما تبين النهر”

في المشهد هناك الذبابة والخنفساء والكلاب وبنات آوى ،وهناك رؤوس رفاقه من الجنود اللذين يتعمد الكاتب ان يذكر أسماءهم ومن اي مدن كانوا “عباس من الديوانية ،ومنتظر من سوق الشيوخ،وسجاد من خان النص ،وصفاء …صفاء اسم حيادي لا اعرف مدينته ،كيف أصبح اقرب أصدقائي؟ الأسماء الحيادية مقلقة،مثل بعض الاجساد التي لم اتمكن من معرفتها بدون رؤية رؤوسها والتفرس في الوجوه الملتصقة بها”هنا يدحض الكاتب ان تكون اساس العلاقات الانسانية هو التشابه المذهبي !

روايات نساء حي الشهداء

عنوان فرعي للقصة ،حينما ينتهي الكاتب من الشخصية المحورية (الجندي المذبوح) ،! والكاتب لم يذكر اسمه هو ابن حميدة ،و في المقطع الثاني ، حينما ينتقل الى الشخصيات الاخرى التي تشارك في رواية القصة ،واختار اسم المحلة التي يسكن فيها  (حي الشهداء) بالتأكيد لكثرة الشهداء في هذه المنطقة!فهناك زوجة صاحب المقهى روت “حميدة لم تكن تبكي بل كانت تسأل فقط  لكن صاحب المقهى قال لها (الحكومة تقول ان ما بثه التلفزيون ليس سوى فيلم ولا يوجد جنود مذبوحون عمي اعلام كله كذب ) عدم الوضوح الذي صاحب مجزرة سبايكر والذي دوخ عوائل الجنود بالمراجعات والتفتيش لمعرفة مصير اولادهم !،وزوجة الخباز قالت ان زوجها الخباز “شاهد حميدة وهي تمشي عل أطراف أصابعها وكانت توشك أن تطير ” وام مسلم نقلت رواية روتها حميدة، وحينما تختفي حميدة تداولت نساء الحي بأن حميدة تقول انها لم تعرف للبكاء طريقا “ماذا اقول لفاطمة الزهراء اذا بكيت على ابني ولم ابك على أبنها لكن حميدة حين سمعت احد الرواديد ذات يوم وهو يقرأ ” – يمه اذكريني من تمر زفة شباب ” فشحطت روحها ونبتت لها أجنحة وتحولت الى بومة”!!

روايات رجال حي الشهداء

الرجال هم اكثر خيالا من النساء فأهالي الطليعة رووا “قصة رجل مقطوع الرأس يتمشى على الطريق السريع” واهالي الثورة شاهدوا “جنديا دون رأس يدور في الاحياء “وروى شرطي المصرف العقاري وكذلك احد العاملين في مركز الدفاع ومثلهم باقي اهالي الاحياء،وكذلك انتقلت الحكاية الى  المسرحي و الى الناقد  ومن ثم الى الكاتب حتى يصل “محمد الكاظم ” الى الذروة حينما ينهي قصته بفنطازيا الساخرة من الموت العبثي الذي يلف العراق  “وقد روت فتاة ان الرؤوس تعد لتظاهرة امام مبنى المحافظة في محرم القادم،هذه الفتاة ادعت بأنها رأت (العباس ابو رأس الحار) وتكلمت معه ،لذلك لم يؤخذ كلامها على محمل الجد”

واقعية الحدث كادت تسيطر على الادوات الفنية للكاتب ،ولكنه استطاع ان يفلت من هذه القبضة ليروي لنا حكاية فيها بعد فني وكاميرا تسجيلية ،تتجسد فيها ما سبق وان شاهدناه في التلفزيون من محاولات فك طلاسم جريمة العصر سبايكر وما يعانيه اهالي وامهات الجنود الشهداء المغدورين ،كابوس المذبحة كان غير قابل للتصديق والقصة فيها من العبر والنتائج الغريبة للشخصيات تدل على فوضى المشاعر التي صاحبت هذه الحادثة.

 2-أسلوب التداعي اعطى قصة( م/ تقرير) رونقا دراميا

في قصة ميم خط مائل تقرير ،التي تذكرنا بظاهرة كتابة التقارير (الوشاية) والتي يكون طابعها أمني تقدم من خلال اعضاء في حزب البعث الى المسؤول الأمني ،تحتوي على معلومات تعد معادية للحزب والثورة ،قد تكون (نكته) ، (شتيمة) او (تحليل) وحتى لو كانت (ضحكة) او (أبتسامة صفراء) ،،الثيمة التي لعب عليها الكاتب “محمد الكاظم” هي قيام النظام السابق بأشعال صهاريج النفط الاسود في اماكن كثيرة واحراقها عمدا لتمتلأ السماء بأعمدة الدخان الكثيف ليدراوا خطر الطائرات المغيرة التي نهشت وجه بغداد،،سرعان ما ينقل الينا الكاتب الحالة المأساوية التي يخلفها هذا الدخان “السخام يغطي كل شيء واوجه البنايات تسود يوما بعد يوم ،وواجهات المحلات تسود يوما بعد يوم ،واوجه الجميع تسود يوما بعد يوم ” يمكن للكاتب ان تكون صياغته في هذه الجزئية كما يلي ((السخام يغطي كل شيء ،أوجه البنايات ،واجهات المحلات ،واوجه الجميع التي  تسود يوما بعد يوم)) لأن تكرار عبارة – تسود يوما بعد يوم- ثلاث مرات تبدو لي غير محكمة!  السارد في بداية القصة هو الكاتب  “السعال صار لازمة اي حديث بين اثنين ،لا ادري اي حمار اوحى لهم بهذه الفكرة ” أن تتكلم مع نفسك من باب التداعي الداخلي للتذمر ولا تصل كلماتك او افكارك للاخرين ليس في هذا خطر عليك في ظل نظام يحسب حتى انفاسك وهمساتك ونظرات عيونك وتقاسيم وجهك ،وقد يخمن منها انك (غير راضي) عن النظام ! فما بالك في جملة مثل هذه يقولها “بشير” وسط ثمانية (رفاق) بعثيين ،في وقت عصيب ، ففي حين يفكر هؤلاء القادة “الى طمس معالم السماء ،ورسم سبورة سوداء بدخان البترول المشتعل حتى تتيه الطائرات في غيمة عملاقة من الدخان الأسود ولا ترى اهدافها”  يعلق بشير هازئا:-

– هل هي طائرات ورقية؟؟؟ قال بشير ونهض مسرعا كي لا يلتقط احدهم هذه الجملة التي لم يصبر على الاحتفاظ بها بين فكيه “

هنا نقطة التحول في القصة لنكتشف ان السارد هو احد الثمانية الجالسين والذين سمعوا هذه الجملة الخطيرة! وبكل ما يتطلبه (التداعي) من عفوية وانفعال طبيعي يمسك السارد بعض تلك الشخصيات ويخضعها الى قانون التداعي مستخدما (التضمين والاشارة ) لتوصيل المضامين الفنية والمغزى السياسي والاجتماعي للقصة “الأخرون فكروا مليا بالجملة التي قالها بشير،ونظر بعضهم الى بعض ليحاولوا معرفة من الذي سيشي اولا به” لأن في ذلك ليس المذنب فقط من يتكلم ،بل الذنب يسري وبنفس الوزن على من يسمع ولا يخبر او يكتب (تقرير) لأن “وجودهم في مكان قيلت فيه مثل هكذا جملة سيجعلهم شركاء في قولها،سادت فترة صمت مريبة،وغاص كل من الموجودين في تفكير يمتد على مساحة بيضاء نظيفة مسطرة بعناية وعليها شعار الحزب عنوانها الرئيس ..م/ تقرير”

رجال متورطون

وبالرغم من ان الكاتب يجعل شخصياته في القصة تعبر عن مخاوفها وهواجسها دون تدخل او اقحام منه ،ألا ان المنولوج للتداعي  تحس بأنه ينتقل بين  السارد (الكاتب) والسارد  من ضمن الثمانية رجال المتورطين بالقصة “كان هناك ثمانية رجال ما يعني ان مسؤول الأمن سيستلم ثمانية تقارير عصر هذا اليوم عن هذه الجلسة” –السارد هنا هو الكاتب- ” ولو كان السارد احد الثمانية لقال  (كنا ثمانية) بدلا من (كان) ، “تخيلت كالآخرين شكل تقريري النهائي وبحساب بسيط تمكنت من معرفة أن أسمي سيكون في بند الضاحكين في ثلاثة تقارير ،فقررت فورا أن بند الممتعضين في تقريري سيضم خمسة اسماء اما بند الضاحكين سيضم ثلاثة اسماء” السارد احد الثمانية! بالاضافة الى (شخصية بشير ) التي ذكرت في القصة ،فهناك شخصية (ابو طارق) جاءت بصورة عرضية في المنولوج الداخلي “كنت قلقا من التقرير الذي سيكتبه ابو طارق عني فقد وشيت به آخر مرة لدى المسؤول الحزبي عندما تغيب عن الاجتماع مدعيا ان زوجته كانت تلد والحقيقة انه يتابع مباراة للمنتخب الوطني بكرة القدم ،وهو بدوره قد وشى بي عندما وصلتني رسالة من أحد أقاربي الذي يعيش في السويد” هكذا يجعل الكاتب “محمد الكاظم” قارئه الذي لم يعيش او يفهم طبيعة النظام السابق أن يتصور كيف كان العراقيون يمارسون حياتهم الطبيعية وسط رصد لكل المواقف والاحداث وما يقولونه وما يحسون به ومحاسبة النظام لهم على اعمال لم يفعلونها لكن من فعلها له صلة قرابة  بهم ، أو صداقة ، او جمعهم مكان واحد!

كان الخط الدرامي في وتيرة متصاعدة،ولم ار ضرورة الى اختراق هذا التصاعد بفقرة ،وصف هدير الطائرات وسماع اغنية (أحنا مشينا للحرب) خاصة وان هذه الاغنية تخص الحرب العراقية الايرانية وليس الحرب على العراق من قبل امريكا ، فنحن لم نمشي هذه المرة للحرب بل هي جاءت الى بيوتنا! وكذلك لو تم حذف فقرة المرأة التي تنبش برميل القمامة وتلبس البسطال وتقلد مشية الجنود ،واقحامها واعادة ضرورة كتابة  التقرير عنها (فيها سخرية ومبالغة لم تكن موفقة) بالرغم من الغرائبية التي تجسدها بؤس هذ المرأة!

هناك اشارة قوية يلتقطها الكاتب ليجعلها خاتمة معبرة عن كل التداعيات وليزيل الخوف والقلق ،هي بمثابة اعلان عن الفرج والتخلص من النظام ،وكنت اتمنى ان يسمعها الرجال الثمانية حتى يحس الجميع بأن زمن (التقرير) قد انتهى ، لكن الكاتب جعل من يسمعها هو بشير “في خارج كان السخام الذي يلبد الجو  قد خف وبدأت ريح شمالية تعبث في اغصان الأشجار وتكنس الهباب عن وجه السماء، وكان بشير يقف على مبعدة وهو يراقب أطفالا على سطح احد المباني البعيدة وهم ينظرون جميعا الى السماء ويمسكون بخيوط تتصل بقطع ورق تسبح في السماء التي بدت اكثر جمالا فقال الجميع بصوت واحد –هل هي طائرات ورقية؟

3- الشكل الفني لقصة ((لا تقولي لأمي أن مير لم يصل))

هي القصة التي تحمل المجموعة أسمها،ويبدو ان الكاتب “محمد الكاظم” أهتم كثيرا بالشكل الفني لأخراج هذه القصة والتي قد تبحث بشدة عن فضول كاتب سيناريو تلفزيوني للتحول الى عمل درامي،كون الشكل الفني للقصة يوحي بجمالية الصورة المكتوبة فكيف تكون الصورة البصرية حينما تصبح مرئية،كثافة الافكار وتنوعها وتناسقها في هذه القصة يتطلب من المتلقي ان يعيد قراءتها اكثر من مرة ليصل الى العلاقة الجدلية بين شخوص القصة والحدث الرئيس وما يحيط به من احداث ثانوية مهمة ،(محمد الكاظم) يضع امامك بناء معماري من الكلمات والمقاطع فيه دقة التناغم في التداعي وتسلسل غير مترابط لكنه  متداخل بشكل جميل لتطور الاحداث ،وهنا تجد الموازنة بين الانفعالات النفسية للشخصيات وبين الظروف العامة المرتبطة بهذا الحدث.

قصة (حسن الحمال) الذي تعرض بيته الى الهدم من جراء الانفجار ،فأضطر الى السكن في غرفة واحدة مع زوجته وأمه، الام تعاني من حرارة الجو وانقطاع التيار الكهربائي ،وحينما شاهدت جارتها لديها مروحة تعمل على البطارية ويتم شحنها بأستمرار ، اصبح هدفها في الحياة ان تشتري مثل هذه المروحة،الابن ما يحصل عليه قليلا من المال والمروحة 64  الف دينار تعادل عمل لمدة 12 يوماً ،تعطيه الام ما ادخرته لمصاريف الدفن حتى يشتري لها المروحة “لكن يبدو ان سوء الحظ هو قدر مكتوب لبعض الأشخاص ،حينما يولد احدهم يولد معه حظه او تولد تعاسته” يحدث انفجار في السوق ليجد حسن الحمال نفسه (عاريا في المستشفى وبلا يد يمنى ،ويبدو ان نقود العجوز احترقت مع القميص الذي كنت ارتديه او ان احدهم سرقها من جيبي أثناء محاولة أنقاذي،أو ان العاملين في المستشفى القوا بقميصي المحترق في القمامة قبل ادخالي الى غرفة العمليات ) وقبل ان يستوعب القارئ صدمة سوء الحظ هذه ،يدخلك الكاتب في دوامة انتظار التعويض الذي تقرره منظمة امريكية  MJK لمساعدة ضحايا الحروب ،وهنا تظهر شخصيات جديدة بالاضافة لاستمرار الشخصيات القديمة في التأثير (حسن والام والزوجة) مقابل (السيدة  كريستين الامريكية ،والسيد جاكسون ميلر مدير كريستين ويقيم في دبي ،وموظف مخول بأجراء التحويلات – مير على واحد- باكستاني الجنسية) وهذا الاخير هو من ذكر اسمه في عنوان القصة! بالرغم من ان الكاتب أختار الحوار في هذه القصة اكثر من الوصف والسرد،الا انه وفق في توزيع الحوار الذي اقتصر على ثلاث شخصيات فقط (حسن وامه وكريستين) وكان التداعي والمنولوج الداخلي والسرد ،عناصر تكتمل بالحوار وتعزز فنية المشهد بحيث تنبع من الحدث وتصب فيه ولا تبتعد عن الاطار العام للقصة .وفي قصة اكثر من مفارقة استغلها الكاتب لبث مجموعة من الافكار خاصة في فترة انتظار عودة مير من الباكستان ناهيك عن انتظار جاكسون الذي بعثته المنظمة الى افريقيا وانتظار كريستين التي سافرت الى ايطاليا لأستقبال البابا وانتظار مدير شركة  موج الخليج للعودة من الحج، كل هذا حدث لأن حسن ادرج اسمه في القوائم (حسن الحمال) تقول له كريستين “حين حملتك سيارة الاسعاف من مكان الانفجار سألنا اصحاب المحلات القريبة عن اسمك قالوا ان اسمك هو (حسن الحمال) فأدرجنا ذلك الاسم في كشوفاتنا وارسلنا الاسم الى مقر المنظمة الرئيس في نيويورك حتى يتم صرف مساعدة مالية لك ،لكن المصارف تتعامل بالأسماء الكاملة لذلك لم يجر تحويل المبلغ الخاص بك ،ما هو اسمك الكامل؟ – حسن كامل صياح-” يتضح النضوج الفني للقصة في قدرة الكاتب على جمع خيوط اللعبة الدرامية للقصة وتطورات الشخصيات من خلال (شراء حسن التلفزيون) لتحدث انعطافة جميلة في القصة ، وسط استخدم بارع لتأثير الاخبار على نفسية الناس البسطاء،وحتى يقنع امه وزوجته بأهمية شراء التلفزيون يقول لهما “أني اريد ان اعرف مصير مير” وهنا يأتي دور المونولوج الداخلي لشخصية حسن وهو مع كل خبر يخص باكستان يتوقع موت مير وعدم عودته ،وباكستان من الدول التي تحظى بأهتمام العالم وتتعرض احيانا الى الفيضانات والزلازال وفيها الارهاب والانفجارات والاغتيالات بالاضافة الى الامراض وخطورة الافاعي ، وسقوط الطائرات والاغتيال السياسي لبن نزير بوتو !وبعد ان يستعرض حسن كل هذه المخاوف يقول مع نفسه “كنت اريد مير سالما لكي يعود الى دبي ويقوم بتصحيح اسمي كي يصلني المبلغ الموعود ” ،وفق الكاتب في درج شريط الاخبار في الصفحات وكذلك فقرات من اخبار الفضائيات التي اعطت صورة محفزة لمتابعة القصة وتطوراتها !اما ام حسن فلها طريقة مختلفة للتشاؤم عن ابنها فهي تفترض القدر وتنسج عليه الموقف “ركزت اكثر لأفهم ما تقوله فسمعتها تردد أسم مير ضمن ابيات شعر تؤلفها لتحث نفسها على البكاء .ابياته كانت تدور حول جثة طريحة لا يحملها احد وعن شخص وحيد مات بين اعدائه وكانت تقصد مير الذي تخيلت انه مات في الزلزال ويبدو ان عدوى البكاء اصابت زوجتي فأخذت تبكي معها”في هذه القصة ترى الكاتب احيانا يتكلم بلسان حسن الحمال ليصل لنا المشهد ،ويمزج بين التجربة الخاصة والوضع العام فينسى القارئ بأن السارد هنا هو حسن الحمال بل يتفاعل مع اسلوب الكاتب محمد الكاظم وكأنه يكتب سيرته الذاتية “التلفزيون استسلم لكلائشية الموت اليومي،وصارت ارقام الموتى تمر في شريط أحمر تحت الشاشة /اليوم قتل عشرون شخصا في انفجار ،وامس قتل ستة عشر، وغدا سيقتل عشرة.وهكذا تمر الارقام دون أن تعي شيئا لأحد…هي لبشر يمكن ان يكون احدهم قادما لأبنه الوحيد بقطار يعمل بالبطارية،ويمكن ان يكون احدهم قادما لوالده بحقنة انسولين لمعالجة السكر ..، ويمكن ان يكون احدهم يساعد زوجته على النزول من سيارة التاكسي ليأخذها الى الطبيبة لتساعدها في معرفة جنس جنينها ،،ويستمر في التداعيات ليذكر اكثر من حالة انسانية يمكن ان يمارسها اي انسان في العالم ولم يفكر بالموت المفاجئ! حتى يصل الى ذروة التداعي “كل هؤلاء يصبحون مجرد رقم اسفل الشاشة ،قتل عشرة عراقيين في انفجار وسط بغداد ، بهذه الجملة الخبرية الخالية من المشاعر يمكن ان تموت عشرات القصص وعشرات الحيوات وعشرات الاشخاص بصورة يومية دون ان يشعر بها أحد” في نهاية القصة يكون الكاتب قد جهز لنا ما يسمى (ضربة معلم) قادر على جعل القارئ المتأمل حزينا وواعيا بحجم الكارثة التي يعيشها العراقيون في بغداد،فبعد ان تبشر كريستين حسن الحمال بوصول الحوالة المالية ويذهب لأستلام المبلغ من الصراف يلاحظ ان التلفزيون في غرفة الصراف يبث صورا لأنفجار جديد يشعل بغداد “مقتل امراتين وجرح 11 شخصا في انفجار وسط بغداد والداخلية العراقية تؤكد ان منفذ  الهجوم يحمل الجنسية الباكستانية” هنا مير الباكستاني (المنتظر) قد وصل ومعه وصلت الحولة المالية ، لكن وصل ايضا انتحاري باكستاني فجر نفسه ليؤدي الى مقتل زوجة حسن وامه التي ماتت ولم تحظى بالمروحة ،كان يمكن ان تكون النهاية عند هذا المشهد لكن الكاتب سحبنا لرؤية مشهد أخير مختلف قد يكون لا واقعيا لكنه ايضا جزء من الغرائبية النص عند (محمد الكاظم) ،،  يدفع حسن  مبلغ دفن امه وزوجته “تبقى في جيبي بعض المال فتوجهت الى السوق وقلت للتاجر بحزم أعطني كل ما لديك من مراوح تعمل على البطارية ، ثم ناديت زملائي الحمالين ودافعي العربات وبائعي عصير الزبيب ليأخذ كل واحد منهم لأمه أو لزوجته أو لصديقته مروحة تعمل بالبطارية.!!

4- “تجريب طباعي” و”النص الفائق ” في قصة ((المتناثرون أو … القصص التي لا تكتمل أبدا))

صورة اعمق

يحاول الكاتب (محمد الكاظم)) ان يغوص بصورة أعمق في مفردات غرائبية تتعلق بالشكل الطباعي بعد ان قام بغرائبية معنوية في قصة م/تقرير حينما اظهر لنا المرأة التي تنبش القمامة لتعثر على بسطال عسكري تلبسه وتقلد سير الجنود! وغرائبية اخرى حينما اشترى حسن الحمال بباقي نقوده مرواح تعمل على البطارية لتوزيعها مجانا على من في السوق!الوضع العراقي المأساوي قد يحتاج الى التوثيق والى الادب التوثيقي  على ان لا يكون على حساب القيمة الفنية للعمل الادبي،وللغرائبية هدف معنوي و افضل من قام بتوظيفه هو (اليوت) ولا ننسى فوكنر ايضا،،والتوثيق اسلوب قديم بدأ في عشرينات القرن الماضي مع فجر الرواية العالمية ،وتعد من الروايات التوثيقية ذات البعد الفني والمعنوي الرائع هي رواية “تشينو أتشيني” وعنوانها (الأشياء تتداعى) وعدت من افضل 100 رواية في العالم وتتناول احتلال الانجليز لدولة كينيا ،فهناك الاب الكسول والمستسلم وهو يمثل (التراث) وهناك الابن الشاب ،الذي يملك موقف مقاوم للاحتلال ويقاطع الانكليز  ويرفض تقنيات الاسلحة التي يستخدمها ضد العدو لأنها من صناعته ،وبالنتيجة بالرغم من ثورية الشاب وايمانه بقضيته الا انه يصل الى طريق مسدود (اليأس) فينتحر! وهنا الغرائبية تعطي ثمارها ،فالشاب كان عليه ان يستخدم تقنية اسلحة العدو حتى يكون متوازن بالقوة ولا يستخدم الاسلحة البدائية فيحس بالعجز واليأس ومن ثم الانتحار!!

غرائبية (محمد الكاظم) في” قصص التي لا تكتمل ابدا ” استخدم فيها (تجريب طباعي) وضع ايقونات صغيرة تمثل تصرفات وسلوكيات عادية نقوم بها يوميا ولا تمثل شيئا استثنائيا بالنسبة للشخصيات ،”محمود يوصي ابنه ان يغلق الباب وازرار الكهرباء،احمد يعدل شعره،سعاد تقبل شقيقتها ،حامد يقبل طفله البكر،وتتأمل أم سعد الكعك الذي صنعته بفخر” ،،ومع كل موقف من تلك المواقف التي يبلغ عددها 40 على عدد الثواني التي تشير اليها الساعة في اعلى الايقونات ،وهي يمكن ان تكون استهلال لقصة كل انسان من هؤلاء المتناثرون ،لكن التوقيت يكون على اربع اصفار دليل الانفجار  الذي انهى قصص وحياة هؤلاء التعساء الذين لم يكتمل عمله الانساني البسيط! هذه الالتفاته تحسب لأمكانية الكاتب (محمد الكاظم) في غرائبية قد لا يكون هو من اكتشفها ولكن اجاد استخدامها بالرغم من الصعوبات التي تواجه مثل هذه الحالات في التجريب الطباعي،وحاول ادباء اوربا استخدام غرائبية الشكل الطباعي من قبل من خلال الفراغات او الكتابة المائلة في بداية الحداثة،او ما استخدمه “عزرا باوند ” في ترتيب الصفحة سطر اكبر من سطر او الشارحة وتوظيفها ،حاول هؤلاء جميعا الايحاء للقارئ بأن اللغة عاجزة عن التعبير ما في داخلهم من مشاعر فأخذوا يلعبون بالحروف والاسطر والصفحات والفراغات،وهكذا يوحي لنا (محمد الكاظم) بهذه الايقونات الصغيرة وتناقص عداد الساعة للتفجير ومن ثم ترك عشرة صفحات فارغة كدليل على ان هذه الصفحات كان يمكن ان تكون قصص هؤلاء الذين استشهدوا في الانفجار! كذلك يذكرنا مع الفرق في الغموض بأودنيس الذي قطع الصفحة الى نصفين ايسر وايمن ووضع ابيات قصيدته حتى تختلط على المتلقي من اين يبدأ وكيف يتابع ابيات القصيدة افقيا ام عاموديا!!ما بعد الحداثة برز مصطلح (النص الفائق) فأنت قد تحصل مع الرواية على سي دي يضع احتمالات يمكن ان يشارك المتلقي الكاتب في تحديد مصير الشخصيات ، فهل نجح (محمد الكاظم) في غرائبيته (التجريب الطباعي) واحتمالات (النص الفائق)  بأن يحفز القارئ للتفكير بكتابة قصص لم تكتمل لأشخاص غادرونا بسبب الانفجار؟؟

5-“بغداد التي تحب شاي الضحى” وضوح الوحدة العضوية

اعتقد ان الكاتب “محمد الكاظم” يملك القدرة على الكتابة عن الناس اكثر مما يجسد في قصصه التجربة الذاتية ،وهذا الاعتقاد توصلنا اليه من خلال أبطال القصص في هذه المجموعة ! غياب ظاهرة التجربة الذاتية من هذه المجموعة لا تعني هناك نقص،بل قد تكون تضحية من الكاتب ان يكتب عن هموم الاخرين وينسى (نفسه) ،أو قد يتوارى او يتوزع على بعض صفات ومواقف شخصياته ولا يكون احدهم، حينما سئل ((نجيب محفوظ)) اين انت من شخصيات رواياتك ؟ أجاب أنا في شخصية (كمال) في الثلاثية! وشعر بالندم كثيرا من هذا التصريح وتمنى لو لم يكشف هذا السر! “للمرة الاولى أنتهك حظر التجوال الليلي ،فقد أعتدت كالأخرين أن أوي الى بيتي مبكرة مثل دجاج كسول، لكن في هذه المرة كنت مضطرة للخروج للبحث عن حسن الذي تأخر هذا اليوم كما لم يتأخر من قبل” بهذا الاستهلال الذكي يبدأ الكاتب قصته ((بغداد التي تحب شاي الضحى)) أنها – ام حسن – تحكي قصتها وهي تشرب الشاي مع جارتها ،!  ،وما ام حسن الا صوت السارد في القصة ،والشريك الاساسي لزوجها الذي مات بعد ان اعتادت على غيابه ،لا يذكر الكاتب اسماء بعض الشخصيات في قصصه ،وكأنه يضيق بأن يعرف بطل القصة لتكون الشخصية فيها من العمومية والشمول ما يزيدها تمثيلا لكل عراقي، لا اعلم فأن أستهلال كل قصة من هذه المجموعة كأن الكاتب يسطرها بعد ان يكتب القصة وينتهي منها ،فيرى مقدمة او استهلال بديل لقصته فيه جاذبية اكثر مما كتبه في بداية القصة ،” كان يأتي دون موعد ليقضي بضعة أيام في المنزل ثم يمضي الى جهة لم أعد مهتمه بمعرفتها بعد ان أكلت بهاء عينيه حرب السنين الثماني،ثم أورته الحرب الأخرى كآبة حادة،وقضت الحرب الثالثة على رغبته في الحياة فعاد مرة أخرى ليحارب أهالي الاحياء الأخرى متلمسا الموت” الا يتفق معي القارئ بأن هذا المقطع يصلح ان يكون استهلال آخر للقصة! الكاتب جعل الزوجة او ام حسن تسرد قصتها مع الزوج او ابو حسن ،وأستطاع بما يملك من ثروة لغوية وتجربة ابداعية بأن يبلغ الذرورة بالحدث والشخصية المحورية من خلال تتابع الاحداث التاريخية وما آلت اليه الاوضاع بعد ثلاثة حروب طاحنة “في بداية الثمانينات كان زميلا لي في كلية التربية ،أعجبني شعوره بالمسؤولية ،وأعجبني جرأته،أول هدية منه بعد الخطوبة كانت قطعة طابوق ،وقتها قال أنها أول طابوقة في بيت المستقبل”وتستمر تستذكر ام حسن حبهما الذي يتغنى بأغنية سعاد حسني (بمبي) فلم تجدها الا (احمر دموي) او كما يصفها زوجها بعد ان تحطم الحروب وتعوق جسده “هل ما زالت الحياة لونها بمبي؟ ضحك ضحكة حزينة وأجاب دون أن يهتم لتناثر الحروف واللعاب من شفته المشقوقة – أنظري لقد أصبحت أصلعا،وفكي مشوها ، وشفتي مشقوقه ، وفقدت مستقبلي بعد أن تشوه وجهي، ولم احصل على وظيفة،وأصبح لدي ستة أطفال،حتى انت اصبحت سمينة وشعرك ابيض ،وصوتك صار رجاليا وثدياك صارا مثل كيسين،وما زلنا نسكن بيتا بالأجرة..لقد اصبح لون الحياة خرا” ولا تكتفي الزوجة بسرد الماضي والذكريات المؤلمة التي سرقت منها اجمل سنوات عمرها بل هي ترى في القسوة التي يتصف بها زوجها ما هي الا تراكمات كمية للحروب العبثية “بعد انتهاء الدراسة تزوجنا بسرعة،كان زواجا غريبا، فالعريس كان حليق الرأس لأنه سيذهب الى الحرب بعد أيام،وأنا كنت مرتدية السواد لأن جارنا –راح لك فدوه-وقتل في الحرب …. حتى الفرقة الموسيقية عزفت أثناء الزفة أغنية حماسية من أغاني المعركة …. بل أن الرجل الذي عقد قراننا كان مرتديا ثيابا عسكرية ،فقد جاءوا به من نقطة حراسة قريبة للجيش الشعبي”وتتناوب السردية في عرض مآسي الحروب وتأثيراتها النفسية والصحية على الشخصية المحورية ،تتضمن القصة ايضا علاقات صميمية واخرى علاقات ساندة تتمثل في احداث تغني المستوى الفني للقصة وتجعلها متماسكة البناء حتى تصل الى النهاية لتجيب عن حيرة ام حسن وهي تفتش عن حسن الذي لم يعد للبيت ،لكنها حين ما تلتقي به وبيده بندقية “عانقته فتسربت رائحة البارود والدم الى أنفي” بعد هذه الجملة ينتقل السرد الى شخصية غير مرئية طيلة القصة هي الجارة  التي في بداية القصة تكون هي التي تسمع قصة ام حسن من خلال جملة عرضية في كلام ام حسن ( صاحب الفرن – تعرفينه – ) “أكملت جارتنا ام حسن التي مات اثنان من أولادها في معارك الأحياء هذا الجزء من حكايتها مع آخر رشفة من استكان الشاي.

– بالفرح

بعدها نهضت الى بيتها،ونهضت انا لأعداد الغذاء للأولاد الذين سيعودون قريبا من المدرسة”

حاول الكاتب ان يرسل رسالة عن تعود الناس في بغداد في سرد حكاياتهم الحزينة  المملؤة بالموت وهم يحتسون الشاي في فترة الضحى وقد يتناولون معه الكعك ،فهل اصبحت قصص الموت مسلية للنساء؟ ،أو أن قوة الحياة تتغلب على قسوة الموت  ؟، فأم حسن تذهب الى بيتها الذي لا زال فيه اربعة اولاد ،بينما الجارة اولادها سوف يعودون الى البيت من المدرسة وعليها ان تعد لهم الطعام!

الخاتمة :-النص الكرنفالي

في غلاف المجموعة القصصية (لا تقولي لأمي أن مير لم يصل) للكاتب “محمد الكاظم” والفائزة بجائزة الابداع يضع الكاتب مصطلح (النص الكرنفالي وتحولات المشهد السردي) كأساس لقراءة قصصه ،والنص الكرنفالي يقصد به الكاتب بما يشابه التصرفات في (العيد) فالمهرجان او الكرنفال بالنص تعني التخلص من القيود والضوابط ،وكلنا ينتابنا شعور مختلف في ايام العيد، الاطفال يطرقون الباب بملابسهم الجديدة وبدون خجل يلقون التحية ويقولون (عيدكم مبارك) ونحن نفرح بهم ونعطيهم الحلوى والنقود، نسلم على اناس لا نعرفهم، نتصالح ، نتسامح ، نزور الاهل والاصدقاء ، نأكل كثيرا ونمرح ،نتمتع بفرحة العيد، هي ما شعرنا به ونحن نسير مع الكاتب في خمس قصص تم اختيارها من المجموعة فيها وحدة الموضوع ، تعددت أصوات السرد في معظم القصص وهذه التعددية قد أستخدمت في ادب ما بعد الحداثة ، وحث عليها الكاتب الروسي (ميخائيل باختين) ،كان الاستهلال حداثوي ولعب الشكل مع المضمون دورا مهما في تجسيد المشهد السردي، وأذا كانت اللوحة التشكيلية تهتم في المكان الذي تحتله لتقبل التأويل في ظل المشاهدة المتكررة للجميع ،أو حتى للشخص الواحد لمرات متعددة ، فأن للقصة بعد زمانيا ،محمد الكاظم حاول ان يجعل السردية تدمج المضمون الزماني  مع اسلوب طباعي المكاني فكانت  القصص لها حضور في الشكل والمضمون ! “خلق مشهديات له دلالة على حيوية الكتابة وتفاعلها مع المحيط واحساسها بالزمن “

الغرائبية كانت متواجدة في كل القصص وفي الكرنفال يكون للنص مبرراته ،ففي قصة (لا تقولي لأمي أن مير لم يصل) تقبلنا تصرف حسن الحمال في شراء مراوح تعمل على البطارية لتوزيعها على اقرانه واصحاب العربات وبائعي العصير، فلو كانت القصة كلاسيكية  لما كانت هذه النهاية مقبولة أذ سيكتفي الكاتب بالصدمة التي تصيب حسن الحمال وه يرى غرفته قد انفجرت وجثتي امه وزجته امامه بينما المروحة تقع من يده ! “أن تطور مفهوم الثقافة عموما صار يفرض نصوصا تقيم علاقات تواصل مع كل ما حولها ليس على مستوى المضامين فقط وانما على مستوى الاشكال ايضا من اجل خلق مشاهد تبدو مثل كرنفالات نصية ” المهم في الامر كان في  كل قصة حدث رئيسي ،وهذا سر نجاح المجموعة ،والاهم هو من يقرأ كل قصة من هذه القصص يحس بأن في داخله شيئا قد تحرك ،لا يمكن ان يكون القارئ قبل حصوله على هذه المجموعة هو نفسه بعد ان قام بقراءتها ، ان وظيفة الكاتب هو ان يترك اثرا ،ويستفز قارئه،ويجعله يتأمل واقعه، ويرغب في تغييره نحو الافضل ، ومحمد الكاظم انجز وظيفته الثقافية .