ما سرّ تفوّق داعش على الجيش والقوات الأمنية
عبد الأمير كاظم الجوراني
كربلاء
قد نصحوا من النوم في يوم من الأيام ونجد شرذمة من عناصر تنظيم (داعش) الإرهابي وهم يحتلون بيوتنا ونحن نائمون !! وكأنه ليس لهذا البلد من يحميه ويدافع عنه من جيش وشرطة وقوات أمنية أخرى مختلفة !! وكأنَّ هؤلاء القلة القليلة جندٌ هبطوا من السماء لديهم قوى خارقة يستطيعوا بها أن يحتلوا مدناً كبيرة بأكملها وبفترة زمنية قياسية لا تتعدى الساعات القلائل , كما حصل في نينوى وصلاح الدين!!
فكيف حصل ويحصل ذلك ؟؟ وما سرُّ تفوّق هذه الشرذمة القليلة البائسة من إرهابيي داعش ؟؟ فهل هؤلاء يفوقون جيشنا وقواتنا الامنية بالعدة والعدد ؟؟ .. أم أنّ هناك مؤامرة حصلت على الجيش والشعب العراقي من قِبَل قياداته العسكرية والسياسية ؟؟ أم أنَّ هناك في الأمر لغزا أو سرا عظيما لا يعلمه إلا الله (عزّ وجل) والراسخون في العلم ؟؟
برأيي الشخصي المتواضع أنه ليس هناك أي سرّ في الموضوع , وليس لدى هذه القوى الإرهابية المسلحة أيّةِ قوّة خارقة , وليس لديهم إمكانيات عالية يمكن أن يقال عنها أنها تفوق إمكانيات جيشنا وقواتنا الأمنية .. ولكن السرّ هو (الفرقة والتناحر) المستشرية بين أبناء البلد الواحد , من السياسيين وحتى أبسط مواطن عراقي .. فالسياسيون العراقيون من أصحاب الكتل والأحزاب المتنفذة منشغلون بالمناكفات والصراعات فيما بينهم من أجل الاستحواذ على الكراسي والمناصب والامتيازات لهم ولكتلهم ولأحزابهم , في الوقت يمرّ فيه الوطن بمنعطف خطير جداً قد يحوّله أشلاء مبعثرة ممزقة , وبالتالي تحوله إلى ساحة لتصفية الحسابات بين دول المنطقة والدول الاستعمارية من جهة والتنظيمات الإرهابية من جهة أخرى كالذي يحصل اليوم في سوريا .
وهناك مسألة غاية في الأهمية في هذا الموضوع .. ألا وهي توصيف وتسمية هذه المجاميع الإرهابية من قبل السياسيين والمواطنين العراقيين .. فهناك طائفة من السياسيين لا يجرأون حتى على نعت هؤلاء المجرمين بـ (الإرهابيين) في ظهورهم اليومي من على شاشات القنوات الفضائية العراقية والعربية !! ليس لأنهم لا يعتقدون بأن هؤلاء إرهابيون فحسب ،وإنما نكاية بالطائفة الأخرى من السياسيين الذين يصفون هذه المجاميع دوماً بـ(الإرهابيين) . وبالطبع أيٌّ من الطرفيْن المذكوريْن لا يفعلون ذلك بحسن نية أو بدافع من الحس الوطني والحرص على الشعب والوطن !! وإنما الهدف الرئيس من ذلك هو إيهام المواطن العراقي وكسب تعاطفه وتأييده لهذه الفئة أو الأخرى من السياسيين لكي يبقوا هؤلاء على تسلطهم وامتيازاتهم ومناصبهم !! وليذهب الوطن والشعب إلى الجحيم !! وهذا الأمر انعكس بطبيعة الحال على المواطن العراقي البسيط المغلوب على أمره والذي بات لا يميّز بين عدوّه من صديقه !! وبالتالي أسدى هؤلاء السياسيون الانتهازيون خدمةً كبيرة للتنظيمات الإرهابية وقصّروا عليهم الطريق الطويل من خلال العمل بمبدأ (فرّق تسُد) وبالتالي أصبح الطريق سالكاً لهؤلاء الإرهابيون لاختراق بنية المجتمع العراقي وزرع الفتنة بين أبنائه .
أما بالنسبة إلى الجندي أو الشرطي من أبناء القوات الأمنية فتلك مسألة تحتاج إلى إعادة نظر , فالجيش العراقي معروف سابقاً بأنه من الجيوش التي يحسب لها ألف حساب وهو خامس جيش في العالم . وهذا الأمر لم يتأتى من فراغ , وإنما جاء من الخبرات الكبيرة لدى هذا الجيش بكل صنوفه , نتيجة مشاركاته وصولاته وجولاته في الكثير من الحروب داخل الوطن وخارجه منذ تأسيسه في عشرينيات القرن الماضي وحتى عام 2003 . ولكن الخطأ الفادح الذي ارتكبته أمريكا بعد دخولها العراق هو في حلّ الجيش العراقي وإلغاء الخدمة الإلزامية وتسريح كبار ضباطه . وتشكيل جيش جديد لا يمتلك أي عقيدة عسكرية وخبرة تؤهلانه لكي يحمي البلد في المحن والظروف الاستثنائية , وأقل ما يقال عنه إنه عبارة عن مرتزقة جاؤوا من أجل المال نتيجة الظروف المعيشية الخانقة والبطالة التي يعيشها شباب العراق اليوم … لذلك حصل الذي حصل في أول اختبار حقيقي لهذا الجيش , وهنا أسأل سؤال وهو : ماذا لو اجتاحتنا إحدى الدول المجاورة بجيش جرار ومنظم يمتلك كافة الإمكانيات والتقنيات العسكرية !! فماذا سيكون حال جيشنا وقواتنا الأمنية في ذلك الوقت , وهم الذين إنكسروا أمام شرذمة من عصابات صغيرة لا تمتلك من التقنيات العسكرية سوى الأسلحة الرشاشة الخفيفة!!! ومن المسؤول عن هذه المهزلة والفضيحة الكبرى التي حلت بالعراق وبسمعة جيشه الباسل العريق ؟؟ ومن يتحمل مسؤولية هذه الانتكاسة المؤلمة والغريبة العجيبة ؟؟ .. أعتقد إن الجندي البسيط ليس له ذنب في الموضوع فهو مسكين جاء ليوفّر لقمة العيش له ولعائلته حتى ولو كلفه ذلك حياته , إضافة إلى أنهُ مأمور من قبل قادته العسكريين في تحركاته .. ولكن المسؤولية كل المسؤولية تقع على عاتق السياسيين الذين تصدوا لقيادة البلد بعد سقوط النظام عام 2003 , ومن ثَمّ تصدوا لعملية إعادة تشكيل الجيش العراقي الجديد وأغلب هؤلاء الساسة الجدد لا يفقهون شيئاً في العلوم العسكرية ويجهلون أساسيات وكيفية تشكيل الجيوش المهنية , إضافة إلى جهلهم بكيفية إدارة الدولة وسياستها .. فقاموا بتنصيب قيادات الجيش الجديد وفقاً للولاءات الطائفية والحزبية وليس وفق الكفاءة والمهنية والحرفية .. ومنح الرتب العالية لأشخاص لا يستحقونها فقط لكونهم يؤيدون هذا الحزب وتلك الكتلة .. وترْك القيادات العسكرية التي تمتلك خزين كبير من الخبرة والكفاءة , تركوهم فريسةً للبطالة , وهدف لمخابرات الدول المجاورة الحاقدة في محاولة لإفراغ الساحة العراقية من العقول التي يمكن أن تساهم في بناء مؤسسات البلد . ونتيجة لذلك فقدت المؤسسة العسكرية العراقية الكثير من العقول والإمكانيات التي كان من الممكن الاستعانة بها لتشكيل جيش وطني ومهني يستطيع الوقوف بوجه المحن التي تعصف بالبلد في أي وقت .
لذا يجب إعادة الاعتبار والهيبة للجيش العراقي , ولا يتم ذلك إلّا من خلال إعادة هيكلة الجيش وبالأخص قياداته التي يجب أن تكون ذات كفاءة عالية وخبرة كبيرة , وقبل هذا وذاك يجب أن تكون ذات حس وطني عالٍ لا يهتزّ في أحلك الظروف .. وطرد ومحاسبة القيادات التي ارتكبت هذه الجريمة الشنعاء بحق الوطن والجيش والشعب العراقي .. وقد قيل قديماً :
اذا كان الغراب دليل قوم يقودهم إلى دار الخراب

















