ما بين خبراء السياسة والأزياء – كفاح حيدر فليح


ما بين خبراء السياسة والأزياء – كفاح حيدر فليح

خبراء الأزياء دائماً‮ ‬يغيرون معايير الجمال والذوق الرفيع للأفراد،‮ ‬ويضعون أمام أعيننا تغيرات الموضة وموديلات الأزياء ويتحفونا بألوان الزاهية للملابس فنعيش لحظات الانتعاش والفرح في‮ ‬ما تحمله الألوان معها من بهجة،‮ ‬وبهذا‮ ‬يدغدغون النفوس والمشاعر بمختلف الظروف الحياتية والاجتماعية من أفراح وأحزان‮.‬
في‮ ‬السياسة‮ ‬يقول بورديو دوركهايم‮ ( ‬ليس جدياً‮ ‬أن تفكر في‮ ‬السياسة دون أن تتحلى بتفكير سياسي‮ )‬،‮ ‬كبار السياسيون أو منظري‮ ‬وخبراء السياسة من الذين لهم شهرة وتأثير دولي‮ ‬يفوق الكثير من نجوم السينما والرياضة وحتى مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي‮ ‬مثل هنري‮ ‬كيسنجر،‮ ‬جوزيف ناي،‮ ‬فوكوياما،‮ ‬هنتغتون،‮ ‬ماو تسي‮ ‬تونغ،‮ ‬ما كانوا ليصلوا لما هم عليه من شهرة لولا توافر مجموعة أسباب موضوعية وذاتية فكرية وتخصصية‮ ‬يتمتعون بها مع أبداع وجدية في‮ ‬العمل،‮ ‬انعكست على منهجيتهم العلمية والمعرفية في‮ ‬نتاجهم المعرفي‮ ‬والنظري،‮ ‬والذي‮ ‬منحهم الرصانة والتجدد المستمر في‮ ‬مجال موضوعات السياسة ونظرياتها،‮ ‬واستحدث نماذج لنظريات تتماشى مع‮ ‬تحولات ما بعد الحرب الباردة ومحاولة تفسير المتغيرات والظواهر التي‮ ‬استجدت في‮ ‬العالم بعد تلك المرحلة المفصلية،‮ ‬فظهرت نظريات مثل نظريات الهيمنة وسياسات الاحتواء للمفكر السياسي‮ ‬ومستشار الأمن القومي‮ ‬الأمريكي‮ ‬الأسبق زبغنيو بريجنسكي‮( ‬عقيدة الاحتواء وصفها مهندس الحرب الباردة جورج كينان في‮ ‬مقال نشره عام‮ ‬1947‮ ‬في‮ ‬صحيفة فورين افيرز وتعتمد على مبدأ العصا والجزرة الاقتصادية‮)‬،‮ ‬والقوة الناعمة للخبير السياسي‮ ‬جوزيف ناي،‮ ‬وصراع الحضارات لهنتغتون،‮ ‬ونهاية التاريخ لفوكوياما،‮ ‬هؤلاء الخبراء لهم الأثر الأكبر في‮ ‬تحليل السياسات الدولية وتفكيكها‮( ‬أذ كان العدو بناء فمن الممكن تفكيكه‮).‬
أذ قدموا لنا تفسيرات لمراحل متعددة مر بها العالم وما ستؤول اليه الأوضاع المستقبلية على وفق نظريات التنبؤ الاستراتيجي،‮ ‬فأفادونا بخبرتهم وتحليلاتهم السياسية لوضع رؤية سياسية للأحداث،‮ ‬والوطن العربي‮ ‬عموماً‮ ‬والعراق خصوصاً‮ ‬نفتقد لمثل هؤلاء الخبراء السياسيين مع تفشي‮ ‬الجهل الفكري‮ ‬وغياب الوعي‮ ‬وعقدة النــــــقص حضارية أذ نرى في‮ ‬الغرب أصل كل الأشياء‮.‬
مكانة مرموقة
وَعرفَ‮ ‬الوطن العربي‮ ‬سياسيين لهم مكانتهم المرموقة وثقلهم في‮ ‬التاريخ السياسي‮ ‬العربي‮ ‬والعراقي‮ ‬ولدوا من رحم معاناة الأمة،‮ ‬لأن السياسي‮ ‬يتشكل اجتماعياً‮ ‬قبل أن‮ ‬يبدأ بممارسة السياسة والتنشئة الاجتماعية أهم موجهات التنشئة السياسية،‮ ‬لكن نفتقر لمثل هؤلاء الخبراء في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬يصدع رؤوسنا‮ ‬يومياً‮ ‬العشرات من الذين‮ ‬يظهرون على شاشات فضائياتنا تحت مسمى خبير استراتيجي‮ ‬أو خبير في‮ ‬شؤون السياسة أو المحــــــلل السياسي،‮ ‬مع جل احترامي‮ ‬للخبراء الأكاديميين في‮ ‬مجال تخصــــــصهم وللسياسيين فهم ليسوا بخبراء سياسيين،‮ ‬وإنما‮ ‬يمارسون العمل السياسي‮ ‬خارج تخصصهم،‮ ‬والسياسي‮ ‬هنا ليس كل من شغل منصباً‮ ‬في‮ ‬إدارة الدولة بل السياسي‮ ‬من‮ ‬يؤثر بالجمهور ويؤثر في‮ ‬صنع القرار ومن الذين‮ ‬يهتمون بشؤون أبناء بلدهم ويعملون لصالح بلدهم،‮ ‬ولا‮ ‬يكون همهم جمع الأموال والمكاسب الشخصية وهذا الفرق بين السياسي‮ ‬والخبير السياسي،‮ ‬أن شاء الله تظهر لدينا طبقة من خبراء السياسة‮ ‬يكونون بعيدين عن مصالحهم الشخصية وهمهم مصلحة شعبــــــــهم‮ ‬يفيدونا بطروحاتهم الفكرية لنستشف ونكتشف عن طريقها مستقبلنا ومستقبل أجيالنا،‮ ‬خصوصاً‮ ‬ونحن نعيش عصر الانفتاح وتدفق المعلومات وثورة الاتصال المتـــــــسارعة،‮ ‬ولا نبقى نعيش تحت تأثير جدلية الظــــــــاهر والباطن وصراع الأضداد وتنافرها،‮ ‬ونظرية المؤامرة التي‮ ‬لا نعرف ولا نتقن سواها،‮ ‬وعلى خبرائنا الســـــــياسيين أو سياسينا على الأقل في‮ ‬الوقت الحاضر العمل مثل خبراء الأزياء لينشروا ألوان الفرح والمحبة والبهجة بين أبناء الشعب عن طريق تقديم الإنجازات والخدمات ليعيش العراقيون حياة حرة كريمة،‮ ‬أقول قولي‮ ‬هذا منطـــــــلقاً‮ ‬من قول للأمام علي‮(‬عليه السلام‮) ‬في‮ ‬نهج البلاغة‮ ” ‬أنكُم في‮ ‬زَمَانٍ،‮ ‬القائل فيه بالحقَّ‮ ‬قَليل،‮ ‬واللسانُ‮ ‬عن الصدقِ‮ ‬كليل،‮ ‬واللازمُ‮ ‬للحَقَّ‮ ‬ذليل‮ “. ‬