
إن مدينة (أوروك)، لمن لم يقرأ عنها، أو يسمع بها من قبل، من المدن القديمة التي أقامها السومريون في جنوب وادي الرافدين حوالي عام 2000 ق. م، وتقع على ضفة نهر الفرات بالقرب من (السماوة) الحالية، وهي من المدن التي امتازت بكثير من الأبهة والفخامة، والعدد الكبير من المعابد والقصور أهمها معبد (إنانا) كبيرة الآلهة السومرية.
وبمعنى آخر فإن أوروك كانت عاصمة للإمبراطوريات السومرية، ومركزاً لحضارتها المتقدمة، وشاهداً على ما خلفته من عظمة وثروة وعمران، إلى الدرجة التي وجدت فيها أنظمة واسعة للصرف الصحي لم تعرفها مدن كثيرة في العالم حتى وقت قريب!.
إن لفظة أوروك تبدو اليوم أقرب الألفاظ إلى اسم العراق، وليس ثمة مانع أن تكون (العراق) التي استخدمت على نطاق واسع بعد الفتح الإسلامي، هي ذاتها (أوروك) مع قليل من التطوير الذي أصابها بمرور السنين. وجعلت السير (بيرسي كوكس) يأمر باعتمادها (أي العراق) اسماً للدولة الجديدة المعروفة ب (ميزوبوتاميا) أو بلاد ما بين النهرين غداة تعيينه مندوباً سامياً لبريطانيا في بغداد عام 1920!
ومثلما كانت أوروك إمبراطورية مترامية الأطراف في حينه، فإن من الطبيعي أن يكون بوسع (أوروك الجديدة) أن تعود بذات الحجم والقوة والنفوذ في هذا العصر، لأن مقومات الزعامة ماتزال ماثلة فيها.
لم تتغير، بل ازدادت اتساعاً وحيوية وغنى، وكل ما تحتاجه إرادة صلبة قادرة على تحويل الأفكار إلى حقائق على الأرض.
وفي الواقع هناك مبررات كثيرة تجعل مثل هذا الهدف مشروعاً جداً ، فالعالم أحوج ما يكون إلى دفقات روحية ومادية لتغيير وجهه، إذ لم يعد فيه مكان للضعفاء والفقراء وقليلي الحضور، ولا بد لمن يروم البقاء أن يسعى لامتلاك الثروة العلمية والصناعية والعسكرية، ليصبح مرهوب الجانب، يحسب له الجميع حساباً.
ولا تعني عودة النظام الإمبراطوري ابتلاع الدول الصغيرة، أو غزو البلدان المجاورة، أو إخضاع الأنظمة التي تبدي نوعاً من المشاكسة، فمثل هذا الأمر لم يعد مقبولاً بعد اليوم إلا في حالات استثنائية نادرة، فالنظام القائم على القهر لا يعيش طويلاً.
لكن أوروك إذا ما استطاعت أن تطور وضعها الحضاري، وتصبح دولة منتجة للسلع، مالكة لقدرات عسكرية ذاتية، فإنها تصبح محط أنظار الأقطار المجاورة، التي تتوسم فيها المقدرة على حمايتها من الأخطار الخارجية، وقت الأزمات، وقد تجد أن مصلحتها أن تأتلف معها في حلف عسكري، أو اقتصادي، أو سياسي.
ولعل أهم عامل يصنع مثل هذه الإمبراطورية هو الانسجام العالي لدى أبناء الشعب الواحد، فالقوميات والأعراق والمذاهب الدينية تتعايش مع بعضها دون تمييز، وتتعاون معاً من أجل بناء الدولة، وهذا هو في الأصل أصعب ما يواجه البلدان الحديثة مثل العراق، فالإمبراطوريات المتعاقبة التي مرت على العراق كانت في الغالب مذهبية متعصبة، تتعامل مع الآخرين الذين يخالفونها في العقيدة باستعلاء وقلة احترام، وكانت قومية تفرض لغتها على لغات الآخرين، الذين انضموا إليها نتيجة الغزو القاهر، ولم تعبأ بهذا الجانب لأن الحس القومي في تلك الأيام لم يكن معروفاً، أو مؤثراً. وربما لم يكن موجوداً أبداً، وهذا هو السر في غلبة العصبية المذهبية عليه.
من أجل هذا الهدف يجب أن تتولى (الطليعة الثورية) تبني هذه الفكرة وإخراجها للوجود، فقد حان الآن وقت التفكير، وباتت عودة إمبراطورية أوروك حاجة إقليمية وعالمية ملحة بعد قرون من التشتت والتفكك والهوان، ولا أظن أن مثل هذا الأمر عصي على التحقيق، في ظل إرادة شعبية صارمة وصلبة.


















