إمبراطورية‭ ‬أوروك- محمد زكي ابراهيم

‭ ‬إن‭ ‬مدينة‭ (‬أوروك‭)‬،‭ ‬لمن‭ ‬لم‭ ‬يقرأ‭ ‬عنها،‭ ‬أو‭ ‬يسمع‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬من‭ ‬المدن‭ ‬القديمة‭ ‬التي‭ ‬أقامها‭ ‬السومريون‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬وادي‭ ‬الرافدين‭ ‬حوالي‭ ‬عام‭ ‬2000‭ ‬ق‭. ‬م،‭ ‬وتقع‭ ‬على‭ ‬ضفة‭ ‬نهر‭ ‬الفرات‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ (‬السماوة‭) ‬الحالية،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬المدن‭ ‬التي‭ ‬امتازت‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬الأبهة‭ ‬والفخامة،‭ ‬والعدد‭ ‬الكبير‭ ‬من‭ ‬المعابد‭ ‬والقصور‭ ‬أهمها‭ ‬معبد‭ (‬إنانا‭) ‬كبيرة‭ ‬الآلهة‭ ‬السومرية‭.‬

  ‬وبمعنى‭ ‬آخر‭ ‬فإن‭ ‬أوروك‭ ‬كانت‭ ‬عاصمة‭ ‬للإمبراطوريات‭ ‬السومرية،‭ ‬ومركزاً‭ ‬لحضارتها‭ ‬المتقدمة،‭ ‬وشاهداً‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬خلفته‭ ‬من‭ ‬عظمة‭ ‬وثروة‭ ‬وعمران،‭ ‬إلى‭ ‬الدرجة‭ ‬التي‭ ‬وجدت‭ ‬فيها‭ ‬أنظمة‭ ‬واسعة‭ ‬للصرف‭ ‬الصحي‭ ‬لم‭ ‬تعرفها‭ ‬مدن‭ ‬كثيرة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬حتى‭ ‬وقت‭ ‬قريب‭!.‬

  ‬إن‭ ‬لفظة‭ ‬أوروك‭ ‬تبدو‭ ‬اليوم‭ ‬أقرب‭ ‬الألفاظ‭ ‬إلى‭ ‬اسم‭ ‬العراق،‭ ‬وليس‭ ‬ثمة‭ ‬مانع‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ (‬العراق‭) ‬التي‭ ‬استخدمت‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭ ‬بعد‭ ‬الفتح‭ ‬الإسلامي،‭ ‬هي‭ ‬ذاتها‭ (‬أوروك‭) ‬مع‭ ‬قليل‭ ‬من‭ ‬التطوير‭ ‬الذي‭ ‬أصابها‭ ‬بمرور‭ ‬السنين‭. ‬وجعلت‭ ‬السير‭ (‬بيرسي‭ ‬كوكس‭) ‬يأمر‭ ‬باعتمادها‭ (‬أي‭ ‬العراق‭) ‬اسماً‭ ‬للدولة‭ ‬الجديدة‭ ‬المعروفة‭ ‬ب‭ (‬ميزوبوتاميا‭) ‬أو‭ ‬بلاد‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬النهرين‭ ‬غداة‭ ‬تعيينه‭ ‬مندوباً‭ ‬سامياً‭ ‬لبريطانيا‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬عام‭ ‬1920‭!‬

  ‬ومثلما‭ ‬كانت‭ ‬أوروك‭ ‬إمبراطورية‭ ‬مترامية‭ ‬الأطراف‭ ‬في‭ ‬حينه،‭ ‬فإن‭ ‬من‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬بوسع‭ (‬أوروك‭ ‬الجديدة‭) ‬أن‭ ‬تعود‭ ‬بذات‭ ‬الحجم‭ ‬والقوة‭ ‬والنفوذ‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العصر،‭ ‬لأن‭ ‬مقومات‭ ‬الزعامة‭ ‬ماتزال‭ ‬ماثلة‭ ‬فيها‭.‬

‭ ‬لم‭ ‬تتغير،‭ ‬بل‭ ‬ازدادت‭ ‬اتساعاً‭ ‬وحيوية‭ ‬وغنى،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬تحتاجه‭ ‬إرادة‭ ‬صلبة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬الأفكار‭ ‬إلى‭ ‬حقائق‭ ‬على‭ ‬الأرض‭.‬

  ‬وفي‭ ‬الواقع‭ ‬هناك‭ ‬مبررات‭ ‬كثيرة‭ ‬تجعل‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الهدف‭ ‬مشروعاً‭ ‬جداً‭ ‬،‭ ‬فالعالم‭ ‬أحوج‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬إلى‭ ‬دفقات‭ ‬روحية‭ ‬ومادية‭ ‬لتغيير‭ ‬وجهه،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬فيه‭ ‬مكان‭ ‬للضعفاء‭ ‬والفقراء‭ ‬وقليلي‭ ‬الحضور،‭ ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬لمن‭ ‬يروم‭ ‬البقاء‭ ‬أن‭ ‬يسعى‭ ‬لامتلاك‭ ‬الثروة‭ ‬العلمية‭ ‬والصناعية‭ ‬والعسكرية،‭ ‬ليصبح‭ ‬مرهوب‭ ‬الجانب،‭ ‬يحسب‭ ‬له‭ ‬الجميع‭ ‬حساباً‭.‬

‭ ‬ولا‭ ‬تعني‭ ‬عودة‭ ‬النظام‭ ‬الإمبراطوري‭ ‬ابتلاع‭ ‬الدول‭ ‬الصغيرة،‭ ‬أو‭ ‬غزو‭ ‬البلدان‭ ‬المجاورة،‭ ‬أو‭ ‬إخضاع‭ ‬الأنظمة‭ ‬التي‭ ‬تبدي‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬المشاكسة،‭ ‬فمثل‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مقبولاً‭ ‬بعد‭ ‬اليوم‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬استثنائية‭ ‬نادرة،‭ ‬فالنظام‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬القهر‭ ‬لا‭ ‬يعيش‭ ‬طويلاً‭.‬

  ‬لكن‭ ‬أوروك‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬استطاعت‭ ‬أن‭ ‬تطور‭ ‬وضعها‭ ‬الحضاري،‭ ‬وتصبح‭ ‬دولة‭ ‬منتجة‭ ‬للسلع،‭ ‬مالكة‭ ‬لقدرات‭ ‬عسكرية‭ ‬ذاتية،‭ ‬فإنها‭ ‬تصبح‭ ‬محط‭ ‬أنظار‭ ‬الأقطار‭ ‬المجاورة،‭ ‬التي‭ ‬تتوسم‭ ‬فيها‭ ‬المقدرة‭ ‬على‭ ‬حمايتها‭ ‬من‭ ‬الأخطار‭ ‬الخارجية،‭ ‬وقت‭ ‬الأزمات،‭ ‬وقد‭ ‬تجد‭ ‬أن‭ ‬مصلحتها‭ ‬أن‭ ‬تأتلف‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬حلف‭ ‬عسكري،‭ ‬أو‭ ‬اقتصادي،‭ ‬أو‭ ‬سياسي‭.‬

  ‬ولعل‭ ‬أهم‭ ‬عامل‭ ‬يصنع‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬هو‭ ‬الانسجام‭ ‬العالي‭ ‬لدى‭ ‬أبناء‭ ‬الشعب‭ ‬الواحد،‭ ‬فالقوميات‭ ‬والأعراق‭ ‬والمذاهب‭ ‬الدينية‭ ‬تتعايش‭ ‬مع‭ ‬بعضها‭ ‬دون‭ ‬تمييز،‭ ‬وتتعاون‭ ‬معاً‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬بناء‭ ‬الدولة،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬أصعب‭ ‬ما‭ ‬يواجه‭ ‬البلدان‭ ‬الحديثة‭ ‬مثل‭ ‬العراق،‭ ‬فالإمبراطوريات‭ ‬المتعاقبة‭ ‬التي‭ ‬مرت‭ ‬على‭ ‬العراق‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬مذهبية‭ ‬متعصبة،‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬الآخرين‭ ‬الذين‭ ‬يخالفونها‭ ‬في‭ ‬العقيدة‭ ‬باستعلاء‭ ‬وقلة‭ ‬احترام،‭ ‬وكانت‭ ‬قومية‭ ‬تفرض‭ ‬لغتها‭ ‬على‭ ‬لغات‭ ‬الآخرين،‭ ‬الذين‭ ‬انضموا‭ ‬إليها‭ ‬نتيجة‭ ‬الغزو‭ ‬القاهر،‭ ‬ولم‭ ‬تعبأ‭ ‬بهذا‭ ‬الجانب‭ ‬لأن‭ ‬الحس‭ ‬القومي‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأيام‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬معروفاً،‭ ‬أو‭ ‬مؤثراً‭. ‬وربما‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬موجوداً‭ ‬أبداً،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬السر‭ ‬في‭ ‬غلبة‭ ‬العصبية‭ ‬المذهبية‭ ‬عليه‭.‬

  ‬من‭ ‬أجل‭ ‬هذا‭ ‬الهدف‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تتولى‭ (‬الطليعة‭ ‬الثورية‭)  ‬تبني‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬وإخراجها‭ ‬للوجود،‭ ‬فقد‭ ‬حان‭ ‬الآن‭ ‬وقت‭ ‬التفكير،‭ ‬وباتت‭ ‬عودة‭ ‬إمبراطورية‭ ‬أوروك‭ ‬حاجة‭ ‬إقليمية‭ ‬وعالمية‭ ‬ملحة‭ ‬بعد‭ ‬قرون‭ ‬من‭ ‬التشتت‭ ‬والتفكك‭ ‬والهوان،‭ ‬ولا‭ ‬أظن‭ ‬أن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬عصي‭ ‬على‭ ‬التحقيق،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬إرادة‭ ‬شعبية‭ ‬صارمة‭ ‬وصلبة‭.‬