الأغنية الفلكلورية السورية تعود عبر أصوات المنفى

‭ ‬حوار‭ ‬كاظم‭ ‬بهية

‭ ‬يسرد‭ ‬المطرب‭ ‬السوري‭ ‬خالد‭ ‬بكر‭ ‬حكاية‭ ‬تشكّلت‭ ‬بين‭ ‬أنقاض‭ ‬الذاكرة‭ ‬الشعبية‭ ‬وإيقاع‭ ‬المنافي،‭ ‬حيث‭ ‬يواصل‭ ‬حضوره‭ ‬الفني‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬أضنة‭ ‬التركية،‭ ‬متمسكاً‭ ‬بجذور‭ ‬الغناء‭ ‬الفلكلوري‭ ‬الذي‭ ‬ورثه‭ ‬عن‭ ‬عائلة‭ ‬غارقة‭ ‬في‭ ‬التراث‭ ‬والموسيقى‭.‬

‭ ‬ويؤكد‭ ‬أن‭ ‬رحلته‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬موهبة‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬امتداداً‭ ‬لسلسلة‭ ‬فنية‭ ‬بدأت‭ ‬من‭ ‬عمه‭ ‬وخاله،‭ ‬وتعمّقت‭ ‬مع‭ ‬إخوة‭ ‬يعزفون‭ ‬على‭ ‬آلات‭ ‬تقليدية،‭ ‬فيما‭ ‬يشق‭ ‬شقيقه‭ ‬الفنان‭ ‬لاوند‭ ‬بكر‭ ‬طريقه‭ ‬في‭ ‬الغناء‭.‬

ويقول‭ ‬بكر‭ ‬إن‭ ‬البدايات‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬سن‭ ‬السابعة،‭ ‬حين‭ ‬وقف‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬على‭ ‬مسرح‭ ‬مدرسته‭ ‬الابتدائية،‭ ‬مشاركاً‭ ‬في‭ ‬حفلات‭ ‬وأعياد‭ ‬نوروز،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬اللحظات‭ ‬نقطة‭ ‬التحول‭ ‬التي‭ ‬كشفت‭ ‬له‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬الغناء،‭ ‬فاختار‭ ‬أن‭ ‬يمضي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الطريق‭ ‬حتى‭ ‬الاحتراف‭. ‬ويضيف‭ ‬أنه‭ ‬التحق‭ ‬لاحقاً‭ ‬بمعهد‭ ‬شبيبة‭ ‬في‭ ‬حلب،‭ ‬ليتلقى‭ ‬تعليمه‭ ‬الموسيقي‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬أساتذة‭ ‬بارزين،‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬الراحل‭ ‬باران‭ ‬كندش‭ ‬وأحمد‭ ‬قداح،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬صقل‭ ‬أدواته‭ ‬الفنية‭. ‬ويستعيد‭ ‬بكر‭ ‬محطة‭ ‬انطلاقته‭ ‬الفعلية‭ ‬عام‭ ‬1997،‭ ‬عندما‭ ‬سجّل‭ ‬أول‭ ‬ألبوم‭ ‬له‭ ‬بعنوان‭ “‬لاوندة‭”‬،‭ ‬والذي‭ ‬ضم‭ ‬عشر‭ ‬أغانٍ‭ ‬بينها‭ ‬أعمال‭ ‬فولكلورية،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتبعه‭ ‬بألبوم‭ “‬شوخ‭ ‬شانغة‭” ‬الذي‭ ‬استند‭ ‬إلى‭ ‬نصوص‭ ‬الشاعر‭ ‬ملا‭ ‬جزيري‭ ‬وألحان‭ ‬شيرزاد‭ ‬عفريني،‭ ‬ثم‭ ‬ألبوم‭ “‬جما‭ ‬داي‭” ‬عام‭ ‬2008،‭ ‬من‭ ‬كلماته‭ ‬وألحانه‭. ‬ويشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تجربته‭ ‬الغنائية‭ ‬تأثرت‭ ‬بأسماء‭ ‬بارزة‭ ‬مثل‭ ‬جميل‭ ‬هورو‭ ‬ومحمد‭ ‬علي‭ ‬تجو‭ ‬وتحسين‭ ‬طه‭ ‬وأياز‭ ‬يوسف،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬المطرب‭ ‬العراقي‭ ‬ناظم‭ ‬الغزالي،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬مدرسة‭ ‬محددة،‭ ‬مفضلاً‭ ‬أن‭ ‬يكرّس‭ ‬أسلوبه‭ ‬الخاص‭.‬

ويتوقف‭ ‬بكر‭ ‬عند‭ ‬الأغنية‭ ‬العراقية،‭ ‬معتبراً‭ ‬أنها‭ ‬من‭ ‬أعرق‭ ‬الألوان‭ ‬الغنائية‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬إذ‭ ‬تمتد‭ ‬جذورها‭ ‬إلى‭ ‬حضارات‭ ‬قديمة،‭ ‬وتتميز‭ ‬بفرادتها‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭. ‬ويؤكد‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬أنه‭ ‬يعمل‭ ‬حالياً‭ ‬على‭ ‬تحضير‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الأغاني‭ ‬الفلكلورية‭ ‬والتراثية،‭ ‬سيتم‭ ‬تسجيلها‭ ‬في‭ ‬استوديوهات‭ ‬إسطنبول،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬اللون‭ ‬الفني‭ ‬وتقديمه‭ ‬بروح‭ ‬معاصرة‭.‬

‭ ‬ويعبّر‭ ‬عن‭ ‬طموحه‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬مكانة‭ ‬فنية‭ ‬متقدمة،‭ ‬تضعه‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬النجوم‭ ‬الذين‭ ‬تأثر‭ ‬بهم،‭ ‬مع‭ ‬حرصه‭ ‬على‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬جمهوره‭ ‬أينما‭ ‬كان،‭ ‬رغم‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬فرضتها‭ ‬ظروف‭ ‬النزوح‭.‬

‭ ‬وتشير‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬الساحة‭ ‬الفنية‭ ‬السورية‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2011‭ ‬إلى‭ ‬بروز‭ ‬موجة‭ ‬من‭ ‬الفنانين‭ ‬الذين‭ ‬أعادوا‭ ‬إحياء‭ ‬التراث‭ ‬كوسيلة‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬الهوية‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬المنفى،‭ ‬حيث‭ ‬انتقل‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬منهم‭ ‬إلى‭ ‬تركيا‭ ‬وأوروبا‭.‬

وتبرز‭ ‬مدن‭ ‬مثل‭ ‬أضنة‭ ‬وإسطنبول‭ ‬كمراكز‭ ‬إنتاج‭ ‬بديلة،‭ ‬تستقطب‭ ‬تسجيلات‭ ‬فنية‭ ‬لمطربين‭ ‬سوريين،‭ ‬مستفيدين‭ ‬من‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الموسيقية‭ ‬هناك‭.‬

وتؤكد‭ ‬دراسات‭ ‬موسيقية‭ ‬حديثة‭ ‬أن‭ ‬الأغنية‭ ‬الفلكلورية‭ ‬تشهد‭ ‬عودة‭ ‬قوية‭ ‬عبر‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية،‭ ‬حيث‭ ‬تلقى‭ ‬رواجاً‭ ‬بين‭ ‬الأجيال‭ ‬الشابة‭ ‬الباحثة‭ ‬عن‭ ‬الجذور‭.‬

وتسهم‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬انتشار‭ ‬هذا‭ ‬اللون،‭ ‬مع‭ ‬تداول‭ ‬مقاطع‭ ‬من‭ ‬حفلات‭ ‬وأغانٍ‭ ‬تراثية‭ ‬تحقق‭ ‬ملايين‭ ‬المشاهدات‭.‬

وتكشف‭ ‬تدوينات‭ ‬لفنانين‭ ‬سوريين‭ ‬على‭ ‬منصات‭ ‬مثل‭ ‬فيسبوك‭ ‬وإنستغرام‭ ‬عن‭ ‬إصرارهم‭ ‬على‭ ‬توثيق‭ ‬التراث‭ ‬رغم‭ ‬ظروف‭ ‬اللجوء‭.‬

وتُظهر‭ ‬إحصاءات‭ ‬غير‭ ‬رسمية‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الإنتاج‭ ‬الغنائي‭ ‬السوري‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬تتجه‭ ‬نحو‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬الأغاني‭ ‬التراثية‭.‬

وتعكس‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬تحوّلاً‭ ‬ثقافياً،‭ ‬حيث‭ ‬يصبح‭ ‬الفن‭ ‬أداة‭ ‬مقاومة‭ ‬ناعمة‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية‭.‬

‭ ‬