مأساة الغارة الأخيرة في النبطية

النبطية‭-(‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬وقف‭ ‬خضر‭ ‬سحمراني‭ ‬مذهولا‭ ‬الجمعة‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ركام‭ ‬منزله‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬لبنان،‭ ‬وعلى‭ ‬جبينه‭ ‬ضماد‭ ‬أبيض،‭ ‬يحدّق‭ ‬في‭ ‬الأنقاض‭ ‬حيث‭ ‬قُتل‭ ‬شقيقه‭ ‬وابن‭ ‬شقيقته‭ ‬وجاران‭ ‬له‭. ‬حصل‭ ‬ذلك‭ ‬بعد‭ ‬ظهر‭ ‬الخميس‭. ‬أدّت‭ ‬غارة‭ ‬إسرائيلية‭ ‬في‭ ‬النبطية‭ ‬إلى‭ ‬انهيار‭ ‬مبنى‭ ‬كان‭ ‬يقطنه،‭ ‬ولم‭ ‬يبق‭ ‬منه‭ ‬سوى‭ ‬كومة‭ ‬هائلة‭ ‬من‭ ‬الركام‭. ‬ويقول‭ ‬سحمراني‭ (‬57‭ ‬عاما‭) ‬الذي‭ ‬نجا‭ ‬من‭ ‬الموت،‭ ‬‮«‬كنت‭ ‬في‭ ‬الأعلى،‭ ‬ثم‭ ‬وجدت‭ ‬نفسي‭ ‬في‭ ‬الأسفل،‭ ‬ورحت‭ ‬أصرخ‭: ‬أين‭ ‬أنتم؟‭ ‬أين‭ ‬أنتم؟‭ ‬ولم‭ ‬يجب‭ ‬أحد‮»‬‭.‬‮ ‬‭ ‬بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬‮«‬جاء‭ ‬المسعفون‭ ‬وأخرجوني‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬الركام‮»‬‭.‬‮ ‬‭ ‬وباتت‭ ‬مدينة‭ ‬النبطية‭ ‬منطقة‭ ‬منكوبة‭ ‬بعد‭ ‬تعرّضها‭ ‬لقصف‭ ‬مكثّف‭ ‬ومتكرّر‭ ‬خلال‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أربعين‭ ‬يوما‭ ‬من‭ ‬الحرب‭ ‬بين‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬وإسرائيل‭.‬‮ ‬‭ ‬ويقول‭ ‬المسعف‭ ‬في‭ ‬النبطية‭ ‬محمد‭ ‬سليمان‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬إن‭ ‬فرق‭ ‬الإنقاذ‭ ‬انتشلت‭ ‬جثة‭ ‬من‭ ‬موقع‭ ‬الغارة‭ ‬مساء‭ ‬الخميس،‭ ‬وثلاث‭ ‬جثث‭ ‬أخرى‭ ‬صباح‭ ‬الجمعة‭.‬

ودخل‭ ‬اتفاق‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬لمدة‭ ‬عشرة‭ ‬أيام‭ ‬بين‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬وإسرائيل‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬حيّز‭ ‬التنفيذ‭ ‬عند‭ ‬منتصف‭ ‬ليل‭ ‬الخميس‭ ‬الجمعة‭ (‬21,00‭ ‬ت‭ ‬غ‭) ‬بعد‭ ‬ساعات‭ ‬من‭ ‬إعلانه‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭. ‬وأودت‭ ‬الغارات‭ ‬الاسرائيلية‭ ‬على‭ ‬لبنان‭ ‬طوال‭ ‬فترة‭ ‬الحرب‭ ‬بنحو‭ ‬2300‭ ‬شخص‭ ‬بحسب‭ ‬وزارة‭ ‬الصحة‭ ‬اللبنانية‭.‬

وسادت‭ ‬مشاهد‭ ‬الدمار‭ ‬والخراب‭ ‬الجمعة‭ ‬في‭ ‬بلدات‭ ‬ومدن‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬لبنان‭ ‬تدفّق‭ ‬إليها‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬السكان‭ ‬النازحين‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬تحذيرات‭ ‬اسرائيلية‭.‬‮ ‬

‭- ‬‮«‬من‭ ‬ينظر‭ ‬إليّ؟‮»‬‭ -‬

إلا‭ ‬أن‭ ‬شوارع‭ ‬النبطية‭ ‬بقيت‭ ‬شبه‭ ‬خالية‭ ‬الجمعة،‭ ‬فيما‭ ‬عدد‭ ‬لا‭ ‬يُحصى‭ ‬من‭ ‬المباني‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬المدينة‭ ‬مدمّر‭ ‬جزئيا‭ ‬أو‭ ‬كليا‭.‬

على‭ ‬بعد‭ ‬كيلومترات‭ ‬قليلة‭ ‬خارج‭ ‬المدينة،‭ ‬هتفت‭ ‬مجموعة‭ ‬صغيرة‭ ‬من‭ ‬أنصار‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬كانوا‭ ‬يمرّون‭ ‬في‭ ‬سيارات‭ ‬قادمة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬بيروت‭ ‬تأييدا‭ ‬للحزب،‭ ‬ورفعوا‭ ‬إشارات‭ ‬النصر‭ ‬ملوّحين‭ ‬بالأعلام‭ ‬الصفراء‭.‬‮ ‬

حتى‭ ‬الدقائق‭ ‬الأخيرة‭ ‬قبل‭ ‬الهدنة‭ ‬منتصف‭ ‬ليل‭ ‬الخميس،‭ ‬سُجّلت‭ ‬ضربات‭ ‬إسرائيلية‭ ‬دامية‭ ‬في‭ ‬لبنان‭. ‬بينما‭ ‬استهدف‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬بصواريخه‭ ‬شمال‭ ‬إسرائيل‭.‬

ويقول‭ ‬سحمراني‭ ‬بينما‭ ‬تدمع‭ ‬عيناه‭ ‬‮«‬حصلت‭ ‬الضربة‭ ‬في‭ ‬الساعات‭ ‬الأخيرة‭. ‬لو‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬الحرب‭ ‬أو‭ ‬نصفها‭ ‬لربما‭ ‬تقبّل‭ ‬المرء‭ ‬الأمر‮»‬‭.‬‮ ‬

ويتحسّر‭ ‬جاره‭ ‬فضل‭ ‬زهري‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬رحلوا‭. ‬‮«‬كانوا‭ ‬رفاق‭ ‬العمر،‭ ‬رفاق‭ ‬الدرب،‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أتناول‭ ‬الطعام‭ ‬من‭ ‬دونهم‮»‬،‭ ‬مضيفا‭ ‬أن‭ ‬بينهم‭ ‬رجالا‭ ‬متقدّمين‭ ‬في‭ ‬السنّ‭.‬‮ ‬

ويؤكد‭ ‬الرجل‭ ‬معلّقا‭ ‬على‭ ‬التصريحات‭ ‬الأميركية‭ ‬التي‭ ‬رافقت‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬وقف‭ ‬النار‭ ‬وأكّدت‭ ‬أنه‭ ‬يمهّد‭ ‬لمفاوضات‭ ‬مباشرة‭ ‬بين‭ ‬إسرائيل‭ ‬ولبنان‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬السلام،‭ ‬أنه‭ ‬يناهض‭ ‬التفاوض‭ ‬المباشر‭ ‬بين‭ ‬لبنان‭ ‬وإسرائيل‭. ‬ويقول‭ ‬‮«‬نحن‭ ‬طول‭ ‬عمرنا‭ ‬شرفاء،‭ ‬ونحن‭ ‬لا‭ ‬نطبّع‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل،‭ ‬نموت‭ ‬شرفاء‭ ‬بمنازلنا‭ ‬ولا‭ ‬نطبّع‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‮»‬‭.‬

أما‭ ‬سحمراني‭ ‬فيقول‭ ‬إنه‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬ماذا‭ ‬يفعل‭ ‬بعدما‭ ‬خسر‭ ‬كلّ‭ ‬شيء‭. ‬‮«‬إلى‭ ‬أين‭ ‬أذهب‭ ‬الآن،‭ ‬من‭ ‬ينظر‭ ‬إلي؟‮»‬‭.‬‮ ‬

ويضيف‭ ‬الرجل‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يؤيد‭ ‬كذلك‭ ‬التفاوض‭ ‬مع‭ ‬اسرائيل‭ ‬‮«‬ليطبّع‭ ‬رؤساؤنا،‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬سيصغي‭ ‬إليهم‮»‬‭.‬‮ ‬

ويقول‭ ‬إنه‭ ‬سينام‭ ‬الآن‭ ‬على‭ ‬ركام‭ ‬منزله،‭ ‬مضيفا‭ ‬‮«‬خسرت‭ ‬أخي‭ ‬وابن‭ ‬أختي‭ ‬وجاريّ‭. ‬من‭ ‬أجل‭ ‬من‭ ‬خسرت‭ ‬كل‭ ‬هؤلاء؟‭ ‬من‭ ‬سيعمّر‭ ‬لي‭ ‬منزلي‭ ‬الآن؟‮»‬‭.‬‮ ‬