
فاتح عبد السلام
هناك ألم وقتي وظاهر، وهناك آلام عميقة دفينة تنخر بالمجتمع والفرد هي الأخطر.
يتألم أي انسان وهو يرى طوابير طويلة يحمل في خلالها الناس قناني غاز الطبخ والتدفئة في محطات التوزيع عندما تشح الكميات المرتهنة بمصير الازمات الإقليمية حول العراق.
لكن الألم الأكبر هو هذا الضياع في التخطيط، والجهل في تدابير الحياة العصرية التي تعيشها البلدان المتقدمة وقد عاش أغلب السياسيين الحكام قسطاً كبيراً من حياتهم فيها، من دون أن يفكروا، مجرد تفكير، في نقل الخبرات والتجارب الناجحة الى شعب متعب عانى عقوداً من الحرمان وآن له أن يرتاح قليلاً.
موازنات كبيرة ضاعت، من دون العمل على نقل الحياة العصرية لبيوت العراقيين وهم أصحاب الثروة النفطية والغازية في بلدهم المنهوب. هل وقفت اية حكومة مرت على هذا البلد امام دراسة علمية تكفل توزيع الغاز الى بيوت العراقيين كما توزع المياه والكهرباء. متى نعبر عتبة التخلف في بناء المدن والتجمعات السكانية. متى نفهم ان هناك فرقا بين المدينة الكبيرة وأية قرية بعيدة من الممكن ألا تتمتع بالخدمات الأساسية. في بلدنا، نرى أنّ المدينة والفرية تعيشان في نفس أنماط الحياة المستهلكة الرثة.
لا أريد أن اتحدث عن عشرين سنة ضاعت العقود التي سبقتها. لنقل ان من الممكن أن نبدأ الان، وانّ أية خطة خمسية أو عشرية من الممكن أن تكفل توفير شبكية توزيع الغاز في البيوت والمدارس والمصانع والمستشفيات بطرق حديثة نستوردها من اية دولة اوربية. المسألة ليست مستحيلة، لكنها تحتاج الى عقول قيادية لرجال يعملون من اجل العراق وليس من أجل جيوبهم وجيوب احزابهم وعوائلهم وجيوب دول أخرى.
إعادة بناء الخدمات في العاصمة والمدن الرئيسية الكبرى كخطوة أولى، ليست من أحلام اليقظة، انها حالة نراها في أي بلد نزوره وتعد من مستلزمات الحياة البشرية العادية.
ليس بقاء العراقي هائماً على وجهه يبحث عن انبوبة غاز او مولدة كهرباء أو مياه صالحة للشرب هو الحياة الصحية لتستمر الحياة عقودا مقبلة. هذا يعني ان العالم كله تقدم، ونحن تخلفنا واوغلنا في التخلف لأننا لم نفكر أصلا بالخلل البنيوي في حياتنا الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، لم نفكر في مسارات حياتنا كبشر، لذلك تستمر الحكومات في استعمارنا لأننا نمتحهم هذا الفرصة.
توفيز الغاز في شبكات منزلية توفير للطاقة والأموال والجهود الفردية وزيادة في إنتاجية الانسان وتحصين لأمنه الاجتماعي، وانتشال للعراقي من دوامة تفاهات في السلوك المبتدع المفروض عليه أن يغرق فيه بسبب جعله محتاجا لأي شيء في أي ساعة، في الوقت الذي يمكن له من خلال بلده الغني امتلاك وتحقيق كل شيء لأي وقت. ولكن اين هي العقول وأين هي الإرادة؟
رئيس التحرير-الطبعة الدولية


















