
قصيدة الشاعر عبد العزيز الحيدر
طفل خارج عن التاريخ
عزة الخزرجي
لنا أن نختزل هذه القصيدة الموسومة بطفل في لحمتها وسداها في هذا التعبير جلسة جوَاب آفاق بعد تطواف في مقاطع الألم ومنابع الشقاء
بين الخطَ والنقطة فجوة وبون شاسع
”الطفل يجد سعادة في أن يحلم سعادة يسترجعها من الناس الشعراء ”
غاستون بشلار
إذ في روح الإنسان طفولة قارة ثابتة حيَة على الدوام طفولة خارجة عن التاريخ متخفيَة عن الآخرين وحتى تدرك منابع الطفولة الصافية وجب أن يقطع خطَ الزمن عودا إلى نقطة البدء
ولمَا كان الشاعر عبد العزيز الحيدر مطوقا بالأسى مغرقا في السأم فلم يقو على وصف عالم الوجوم ومن تجليات تعطل لغة الكلام أن كانت الصور آخذا بعضها برقاب بعض ومتوالدة بعضها من البعض الأخر على نحو عضوي إذ الحاضر زمن التفتت والزوال ومجمع تناقض يبعث على الضيق والضجر إذ لوحاته فقدت بريقها لقدمها كلوحة جدار …صلبة متآكلة و امَحت آثارها وعلاها شحوب وتحت وقع هول زمن مدمر كانت الصور متراكبة عنقودا من الحبَات المتعالقة وكل صورة تستدعي الأخرى وفق مبدأ التداعي و تنثال ثباعا في انتظام دال. ففي الأعلى لوحة معلَقة فاقدة النضارة والبريق .وفي الأسفل كلب باسط ذراعيه رابض أمام الموقد منقطع عن السيرورة التارخية والصيرورة الكونية يرتجف من البرد في ترقَب دائب لدفء لا يأتي فيبقى في فلك الزمهرير يدور لا يفارقه ولا يحيد عنه ككلب يجثو قرب قدم السيدة من عشرات السنين
شجرة معزولة
هذا عن الداخل برد ووجوم وشحوب أمَا في الخارج فشجرة معزولة منعزلة جرداء لا تمنح فيئا وإنما استحالت متراسا يحول دون تسرَب خيوط من نور الأمل و التوق إذ لا يجاوز هذا الأمل المدى وكان كأيَ مهمَش يقف عند العتبات دون أن يسمح له بولوج بلاطات البذخ والرفاهية والترف كشجرة مجرَدة الأغصان
ترفع يدها كلَ جين لتحجب الظلال
أمام أملها الوحيد
و تتكثَف معاني العفاء بهذه الدمن الخوالي ومن أمارات هجرانها أن نمت الطحالب على جلدها المتغضَن ولرسم مشهد اليباب نثر الشاعر في أعطاف القصيدة تشبيهات تكره الوحدة وتريد كبعض الطير السرب فيأخذ التشبيه بجناح التشبيه في إيقاع لاهث سريع ملتاع عزف لحنه الحزين على أسلاك شائكة تلقمه الأصوات الغليظة وتخترمه صور مبتكرة نحتت أبعادها بأزميل الخيال وهذا النسق وهذا البناء يصوَر مراودة الشاعر للمعنى وتلطَفه إليه لكنَ اللغة لا تمدَ له يدا ولا تسعفه فيدور الكلام ويتمنَع المعنى عن الدلالة ويحكي هذا البناء وهذا النسق عناء البحث عن المنافذ لعجز اللغة عن استيفاء ما في النفس الإنسانية من عمق وسعة وخيال
وعلى ضوء ما تقدَم ندرك أن هذا العالم عالم الكلب الرابض رمز الزمن الناهش الأكول بلغ من التدهور أقصاه وأضحت روح المعاين له والمتفرس به خرائب في فضاء داخلي وخارجي اكتنفه القبح من كل جانب وأذكى حرقة الشوق إلى لحظة من لحظات الطفولة في بكارتها الأولى حاضر بئيس كئيب ولكن كيف تدرأ مسوح الحزن ليلبس رداء الشعر والأحلام؟
وهل سيقطع خط الزمن عودا إلى نقطة البدء لصناعة الوهج ضدَ قتامة العالم ؟
وهل ستدرك منابع الطفولة النمط الأعلى المشترك المحيل على شروق الحياة والمرتبط ارتباطا وثيقا بالحلم وهو الغوص في زمن غير واضح الحدود في زمن الطفولة اللامتناهي ؟
لم يقو الشاعر على وصف عالم الوجوم وتصويره بالكلمة فهو مجمع تناقض يبعث على الضيق والضجر والإعياء فجلس المكدود بعد تطواف في مقاطع الألم ومنابع الشقاء
جالس أنا على الطريق المهجور
الطريق المؤدي إلى مدني المهجورة
وجلوس جوَاب الآفاق لم يكن جلوس إعياء فحسب بل كانت جلسة فاقد مفتقد جلسة مفجوع لا يحثو على رأسه التراب فعل الثكالى والأرامل جزعا لفقدان العزيز بل كان يترنَم بأغاني الهدهدة
أهدهد لطفل ميَت في أحضاني
استعادة الكينونه
وقد يكون في ذهول عن موت الطفل وما الهدهدة إلا محاولة لاستعادة الكينونة المجهولة روح الطفل وهذه الاستعادة وجه من وجوه صناعة الوهج ضدَ قتامة العالم ولكنَ هذه القتامة في زحف متواصل لتبتلع النصاعة. وإذابة قطع السكر الأسود التي لا تذوب إذ الطفل مفارق للحياة
وأنا أسكت جوع طفلي الميَت بإصبع من سكَر أسود . وسيمياء القيم الضوئية تشي بمسوح الحزن تلك وقد أسدلت فما استطاع جواب الآفاق قطع خط الزمن إلى نقطة البدء لذا ما استرجع طفولته بل ظلَ ينعاها إذ عصف الوعي بموت الطفل بالنقطة نقطة البدء لأنً عالم الخطَ اكتنفه الخراب من كل جانب أما عالم النقطة نقطة اشراقة الحياة فلا سبيل لبلوغه والمشوق لا يقوى على المسير فهو جالس جلسة من أشرف على الهلاك أسى ولا سبيل للتجمَل والتصبَر ولم يقو على طرد شبح الإفاقة للانغماس في عالم الحلم وإنها لفجوة عميقة بين الخطَ والنقطة
وإجمالا نخلص إلى أن تخثَر الدم فيما الدمَ يتخثَر ببطء وهي القفلة التي يظل يتردد صداها في ذهن المتلقي وفي وجدانه رمز محيل على عجز الشعر عن حفر مجرى له مستقلا وجة حلمه وكأن رياح التشاؤم تهب عاتية وتعصف بجذوة الحنين إلى عوالم الصبا والطفولة فخمدت عند أول الطريق المؤدي إلى منابعها الصافية ولا يمكن أن ينهل منها من أصابه الوهن والإعياء قبل أن يطوي مسافة الطريق الممتد قبل إدراك ينبوع الطفل الرحم الأمومي أو النقطة نقطة البدء وهكذا وبلا قدرة على المضي في طريق الموصل إلى تلك النقطة وذاك المنبع فلا مناص من يتم وجودي يتم الإنسان يفصل عن النبع ويصرف عن البدايات وصفوة القول أن قصيدة الطفل مسكونة بهاجس البدايات ورمزها الطفل والطفولة و نثار هذه الطفولة ما انتظم الكون الشعري في قصيدة طفل ولم يؤلف المعاني ولم يرفع ما بينها من حواجز ظاهرة إذ لا اتساق بين خط ونقطة بل تكثَفت هذه الحواجز وعلامتها النصية الدمَ المتخثر المتجمد الفاقد لكل سيولة وانسياب مذكرا بأطياف الحلم الملونة ولكنَ الرسوم كانت غامضة مضطربة وتختفي الأطياف وتبتعد وتتوارى في أعماق الظلام الدامس ظلام فقدان السبل المؤدية إلى مدن الحلم والطفولة والفجوة عميقة بين خط فقد استقامته وانسيابه ونقطة تطلب ولا تدرك فكيف يا ترى سينبت فيها الشعر ليحفر مجراه مستقلا وجهة حلم


















