
فحل التوث .. قصيدة ذات مغزى
شكر حاجم الصالحي
هل كان لزاماً على الشاعر أن يستنهض مدخرات مخيلته الفارهة , ليطلقها في فضاءات التذكر واسترجاع مثاباتها وتوظيفها في حاضره الملتبس ؟ وهو الذي / الشاعر / عانى سنوات الزهو والعروج صوب مواطن الجمال والألق والإنجازات التي ما زالت حديث المنتديات وجلاّسها الأوفياء , وكقارئ مثابر أجد أن هذه الأسئلة بحاجة الى إجابات شافية تفصح عن مرامي القول الذي يستبطنه الشاعر الماهر صاحب التجربة الثرية والكم الهائل من المعرفة والإدراك , وقصيدة (( فحل التوث )) التي تستدرجني لفك طلاسمها وكشف موجهاتها تدعوني لقراءتها بشكل قادر على تحديد ملامح دوافعها ومبررات إطلاقها , فشاعرها الكبير حميد سعيد واحد من أعمدة الشعرية العربية , ولا يمكن لأي دراس لشعرنا الراهن ان يمر على منجز هذا الشاعر من غير التوقف عند اشراقاته وإضافاته الجميلة , وفي (( فحل التوت )) القصيدة ذات المحمولات الدلالية الباذخة يستثمر الشاعر موروثاتنا الشعبية في إعادة نقد الواقع وصياغة رؤاه النقدية الكاشفة عن خواء الموجودات المحيطة وتشابك المعطيات الناتجة عن عدم فهم القاع الاجتماعي اللاهث وراء المنافع الظرفية الزائلة التي تسيء الى القيم والأعراف السائدة من غير إدراك للخلاصات التي يجب ان تتبلور وتُعطي ثمارها..
هيكل منتفخ
نعم … ان فحل التوث قد ملك البستان وظل مغروراً بخوائه وجبروت شكله الذي لا يعني للناظر غير هيكل منتفخ بهيئته العاقرة , ومن دون فائدة تذكر سوى المصير المحتوم الى دكان النجار وحفل النار :
ملك البستان
مغرور بشموخ الجذع , وتاج الأغصان
لكن حين يحلّ الصيفُ وتثمر كل الاشجار
وفحل التوت بلا أثمار
يرحل مكتئباً
الجذع الى دكان النجار
والأغصان الى حقل النار
وهنا يستذكر الشاعر حميد سعيد بعض ما علق بذاكرته , مستعيداً تلك الأيام الجميلة , وكيف مرّت على خياله المحتشد بأوجاع الثمانين وليالي الإنتظارات القاسية :
في بال عبد الله … خضّرته… وظلُّ غامق في الماء
وإمرأه واطفال
يقضون الظهيرة في حماه
وكان يكبر قبل عبد الله
تقصده العصافير
……..
استفاق من الطفولة فجأة
فرأى
عصافير الصباح تكّون الشجر الندي
وما رأه …
إذاً نحن الشاعر والقارئ أزاء مشهد فجائعي إقتضته طبيعة الحياة التي يجسدها هذا الغياب الذي غادرنا بفعل قوى ظالمة جائرة , أزالت (( فحل التوث )) من المشهد المتلبس , صحيح ان هذه الشجرة العملاقة لا فائدة منها وفيها سوى ظلال أغصانها التي يستظل بها الصبية الحاملون , ومع قساوة فعل الإزالة إلا ان لــ فحل التوث بعض هيبته : – فحل التوث بالبستان هيبه – وحتى تلك الهيبة المتخيلة لم تعد حاضرة بفعل ما جرى .. فيصرخ الشاعر بصوته الكسير :
يا أم عبد الله
أين أخي الذي ودعت عند النبع ؟
تصمت أم عبد الله
يسألها فتصمت
حين مدّ يداً إلى خبز الصباح
وشمّ رائحة الدخان
مضى
ليغرس نبتة أخرى على ضفة الزمانِ
وهنا تتضح إشكالية البحث عن ( فحل التوث ) آخر وسط هذه الحرائق والجرافات المزمجرة , لينهض المنادي بقوة الارادة ليجدد دورة الحياة بغرس البديل المثمر على ضفة الزمان , وفي هذا الجو المشحون بالتوتر والتمسك بالجذور السليمة , تنهض هذه القصيدة معبرة عن ثراه المخيلة وزهو الزمان القتيل ورغم كل هذه المشاهد فإن الأمل ينمو ويكبر في النفوس لمزيد من الأشجار المثمرة لعلّ الظروف المحتملة بعد الآن تتيح للباذلين مقومات حياة مشرقة من غير ما وجدنا في (( فحل التوث )).


















